المستقبل –
ما هي قيمة المعاهدات الدولية إذا بقيت نصوصها حبراً على ورق؟.
تُطرح علامة الاستفهام هذه لمناسبة ذكرى مرور ستين عاماً على إقرار معاهدات جنيف الأربع في أيلول (سبتمبر) من عام 1949.
تنصّ المعاهدة الأولى على حماية الجنود الجرحى والمرضى أثناء الحروب البرية. وتنصّ المعاهدة الثانية على حماية العناصر العسكرية التي تقع ضحية المرض أو التعرّض للخطر لدى إصابة سفنهم أو غرقها. وتنصّ المعاهدة الثالثة على أسس وقواعد معاملة أسرى الحرب. أما المعاهدة الرابعة فتتعلق بحقوق وبحماية المدنيين في المناطق المحتلة.
وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أضافت الى هذه المعاهدات بروتوكولين في عام 1977 تعزيزاً لها تتعلق تحديداً بحماية حقوق المدنيين في الحروب الدولية وغير الدولية، فإن ذلك كله لم ينعكس على سلوك الدول المتصارعة على النحو الذي شهده العراق وتشهده أفغانستان، وعلى النحو الذي حدث في سري لانكا وقبل ذلك في الكونغو وأنغولا.
فخلافاً لما تنصّ عليه المعاهدات والبروتوكولات الملحقة بها، فقد عرفت الحرب في البوسنة جرائم قتل جماعي وجرائم اغتصاب جنسي واسعة النطاق. وعرفت هذا النوع من الجرائم الكونغو أيضاً، وكان 65 في المئة من ضحاياها من الأطفال، حسب إحصاءات رسمية للأمم المتحدة.
من هنا السؤال: في ذكرى إقرار هذه المواثيق، ماذا تستطيع الأمم المتحدة أن تفعل لتعطي ما تضمنته مواثيقها التي وافقت عليها كل الدول الأعضاء، قوة إلزامية، وكيف؟.
إن أكبر شاهد على عدم احترام المواثيق هي لجنة حقوق الإنسان التي تتألف من 47 دولة. فقد أدانت تقارير اللجنة، التي صدرت أخيراً، السلطات في سري لانكا بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان في حربها ضد التاميل في شمال الجزيرة، كما أدانت وبشدة إسرائيل لما ارتكبته من جرائم حرب في غزة. ولكن الإدانة لا تعني العقوبة. إنها مجرد لوم معنوي يعيش ليوم أو لأيام قليلة، ثم تذروه رياح الأحداث المتسارعة ويتجاوزه الزمن حتى يصبح نسياً منسياً. ولذلك تتواصل الانتهاكات.. ويتواصل اللوم.. ويتواصل ضرب اللوم عرض الحائط. من دون أن يحصل منتهَكو الحقوق والكرامات على أي حماية.
وباستثناء محاكمة قلة قليلة من رموز الحروب ضد الإنسانية التي وقعت في البوسنة والكونغو في التسعينات من القرن الماضي، فلم يمثل إسرائيلي واحد حتى الآن أمام أي محكمة دولية رغم الجرائم التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منذ عام 1948 حتى اليوم. فاسحاق شامير مثلاً الذي كان مطلوباً للعدالة في بريطانيا بسبب مسؤوليته عن نسف فندق الملك داوود في القدس، ما أدى الى مقتل عدد من الجنود البريطانيين، استقبل في لندن كرئيس للحكومة الإسرائيلية. وكذلك مناحيم بيغن زعيم منظمة الهاغانا الإرهابية. وكادت محكمة بلجيكية تستدعي الجنرال ارييل شارون لمحاكمته على خلفية مسؤوليته في جريمة مخيم صبرا وشاتيلا عام 1982، ولكن في اللحظة الأخيرة تغلّب الضغط السياسي على قوة العدالة فطُوي ملف المحاكمة ليصبح شارون رئيساً لحكومة اسرائيل بدلاً من أن يكون طريد العدالة الدولية!!. والسلسلة طويلة. فإسرائيل التي أقرّت معاهدات جنيف الأربع مع ملحقاتها، هي أكثر الدول الأعضاء في الأمم المتحدة انتهاكاً لهذه المعاهدات.
على أن ثمة قضية أخرى تواجهها الأمم المتحدة في الذكرى الستين لمعاهدات جنيف. وهي قضية التحوّل الجذري الذي طرأ على العلاقات الدولية. فالحروب لم تعد بين الدول، ولكنها أصبحت أساساً داخل الدول. فالحروب الأهلية تحصد معظم الضحايا، وتشهد أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان وكرامته. فكيف يمكن للقوى المتصارعة داخل الدولة الواحدة أن تُحمل على احترام ما نصّت عليه معاهدات جنيف؟. وفي الأساس هل أن هذه المعاهدات تلزم غير الحكومات وغير القوات العسكرية التابعة لها؟.
إن جرائم التفجيرات التي تحصد المئات من الأبرياء في العراق وأفغانستان والباكستان.. وكذلك في أندونيسيا والجزائر، والصراعات الدموية التي تنشب بين قوى غير حكومية داخل الدولة الواحدة وتستهدف المدنيين على النحو الذي عرفته بعض الدول في أميركا اللاتينية وإفريقيا.. هل تقع هذه الجرائم في إطار معاهدات جنيف أم أنها تحتاج الى تشريعات دولية جديدة؟.
في عام 1989 أقرّت الأمم المتحدة معاهدة دولية حول حقوق الأطفال. ولكن ماذا عن حقوقهم في أثناء الصراعات والحروب الأهلية؟.
لقد أثبتت تقارير الأمم المتحدة أن الأطفال هم ضحايا هذه الحروب والصراعات بامتياز. وذلك ليس من خلال عمليات القتل التي تشملهم الى جانب الأبرياء الآخرين، إنما، إضافة الى ذلك، من خلال :
التجنيد العسكري.
أعمال السخرة.
الاغتصاب الجنسي.
من هنا السؤال لماذا لا تبادر الأمم المتحدة الى وضع بروتوكول جديد، يضاف الى البروتوكولات التي أُقرّت في عامي 1977 و2005، يخصص لحماية حقوق الأطفال ليس فقط من جرائم الحروب بين الدول، إنما من جرائم الحروب الأهلية أيضاً وفي الدرجة الأولى.
في عام 1859 وقف رجل أعمال سويسري مذهولاً أمام هول الكارثة التي خلّفتها حرب سولفارينو بين فرنسا وايطاليا والنمسا. ولاحظ كيف أن الجرحى من العسكريين ومن المدنيين كانوا يُتركون للموت نزفاً من دون أن يُسمح للقوى الطبية بالوصول اليهم لمعالجتهم. وهكذا ولدت حركة الصليب الأحمر التي أصبحت اليوم واحدة من أهم المؤسسات الإنسانية التي تتمتع بصدقية لدى الأطراف المتحاربة. فهل تنبثق عن ذكرى إقرار المعاهدات الأربع في جنيف حركة تحمي الأطفال من ويلات الحروب الدولية.. والصراعات الوطنية؟.






