تتشارك فرنسا وإسبانيا في ظاهرة يرجح لها أن تفرض نفسها أكثر فأكثر في المشهد السياسي مستقبلا: ظاهرة غياب الأكثريات الحاكمة، وضرورة التفكير في صياغة نظم حكم تسمح بمواصلة صيرورة الحياة السياسية، بطريقة لا تفرز ولايات كاملة من «تصريف الأعمال». الحالة تبدو مربكة، فحسب قاعدة متبعة خلال سنين من الممارسة السياسية التقليدية، أي رئيس منتخب، أو رئيس وزراء معين يحدد سياسته على أساس برنامج انتخابي أولا، ثم يتحول البرنامج لاحقاً إلى خريطة طريق تتجسد مفاصلها عبر إجراءات فاعلة، من المفروض أن تترك آثارها خلال فترة ولاية الحكم. طبعاً، قانون إصلاح المعاشات في فرنسا جسد هذه القاعدة. لكن الكل علم بطبيعة السياق الذي أحاط بتبني القانون ثم بإعلانه في الجريدة الرسمية: غياب أغلبية فعلية واحتجاجات قلما شهد التاريخ الاجتماعي لفرنسا مثيلا لها.
وإذا كان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يسعى عبر استدعاء انتخابات تشريعية مبكرة، إلى إعادة توحيد اليسار بعد الفشل الذي تلقاه في انتخابات 28 مايو/أيار الأخير، ويواجه بالمنطق غريمه اليميني من حزب الشعب ألبيرتو نونييز فايخو، الذي يرجح أن يخوض غمار تحالف عريض يمتد إلى أقصى اليمين، فلأننا بقينا سجناء القوالب السياسية التقليدية التي تربط النجاحات بالهيمنات الحزبية.
ليس جديدا القول بأن المواطن لم يعد يرى نفسه ممثلا في التشكيلات الحزبية التقليدية، لكن العقبة هي تقصير المجتمع المدني عن بناء أغلبيات وتحالفت بديلة
بوضوح، بدأ يتزعزع الصرح التقليدي الذي كانت تبنى عليه الأكثريات، وكان صرحا قويما. يكفينا التوقف عند حالة اليسار الذي لم يعد توحيد صفوفه قائما تحت سقف الحزب التاريخي ـ التقليدي، الذي كانت تنبثق من رحمه عقيدة، توجهات وتوجيهات، فقد برزت «فرنسا العصية» ومعها إرهاصات فلسفة سياسية تكرس التعددية. كدت أقول إنها فلسفة سياسية جديدة، لكن يجب الاستدراك، فقد أثبت التاريخ تجارب «رص صفوف» كرّسها الرئيس فرانسوا ميتران بتعيين وزراء منتمين إلى الحزب الشيوعي، ما شكل سابقة في التاريخ بعد رفض الشيوعيين التام المشاركة في الحكومات سابقا، لكن مفهوم رص الصفوف لتحقيق الاتحادات – مثل اتحاد اليسار، أو اتحاد اليسارات الذي طبع التاريخ السياسي الفرنسي، بات على مرّ تاريخ الديمقراطيات الغربية قائما على المنطق الحزبي. وقد أدخلت الألفية الثانية متغيرا أساسيا في المشهد، أميل إلى إرجاعه لحركة «أوكوباي وول ستريت» التي أعطت في عام 2011 الانطلاقة لأشكال جديدة من التواصل، جعلت المواطنين يفرضون أنفسهم في الساحة العامة، ويمكن توصيف هذا المتغير بالانتقال من «المنصة» إلى «المنبر». وإذا كان بالإمكان الحديث عن أزمة عالمية للسياسة، وأظن الأمر كذلك، فلأن عددا فائقا من السياسيين التقليديين، بمن فيهم السياسيون الشباب، يستمرون في التفكير بمنطق الحزب وليس بمنطق الحركة. في فرنسا، فهم جان لوك ميلانشون هذا الزخم، وقد أدخل على تشكيله السياسي مجموعة من التعديلات على الممارسات السياسية التقليدية، خاصة في مجال التواصل التكنولوجي، لكن الإلقاء بقي عموديا، كما يقال، والمضمون بقي تقليديا، وبقي الخطاب السياسي خطاب منصات وليس خطاب منابر. ولم ننج من آفة وقوع سياسيين محنكين كنا نتوقع منهم التغيير قبل أن تحل محله شعبوية مدروسة. لكن وتيرة جديدة اكتسحت العالم، وتيرة صاحبت ثورات الربيع العربي التي – بقطع النظر عن سياقها الخاص – سلمت منابر لمن لا منابر لهم. لقد خاض المواطن في وجه الاستبداد بالخبرات، بالرأي، بالقرار التكنوقراطي، مخاضا أفرز وقائع فرضت مكانته وشخصيته أكثر من أي وقت مضى. لكن شتان ما بين إعلاء الصوت وخلق زخم تواصلي عارم عبر شبكات التواصل الاجتماعي من جهة، وإنشاء منظومات بديلة لطبائع حكم مستهلكة من جهة أخرى. فإشكال الأغلبيات المحكوم عليها إعادة الهيكلة، إشكال آخذ في التنامي وستزداد وتيرته حجما بمرور السنين. السؤال المطروح هو أي اتجاه ستعكسه المجموعات الحاكمة، فمنطق التحالف العريض الفاعل الذي تتبناه ألمانيا يبقى استثنائيا (وليس هو الآخر بمنأى عن التصدع)، وليس جديدا القول بأن المواطن لم يعد يرى نفسه ممثلا في التشكيلات الحزبية التقليدية، لكن العقبة التي تبقى عالقة هي تقصير المجتمع المدني حتى الآن عن بناء أغلبيات وتحالفت بديلة. على سبيل المثال وليس الحصر، يشارف اليمين الإسباني وقت كتابتي لهذه السطور على تحقيق فوز في الانتخابات يصل إلى 34% من الأصوات وبالتالي سيبقى فوزا نسبيا طالما لم تحسم حركة «فوكس» اليمينية المتطرفة المشهد السياسي الإسباني الجديد في تكوين الأغلبية. أهذا ما يريده الناخب الإسباني حقا؟ أليس تصويته بالأحرى تصويتا عقابيا على الأغلبية السابقة؟ فرنسا هي الأخرى تعيش في قلب التصويت العقابي وقد ابتعدنا في كلتا الحالتين عن تصوير مشاريع بعيدة المدى تحدد رؤى، فيما هذا هو المنتظر من السياسة.
عندما وصف أرسطو الإنسان بالحيوان السياسي كان أقرب إلى ما افتقدناه اليوم، وهو وضع المواطن الناخب في قلب المدينة كما قيل، أي بلغة حديثة، في قلب صناعة الدولة المدنية. فهل سنشهد أخيرا الثورة السياسية التي تجعل من السياسي مواطنا قبل أن تجعل من المواطن سياسيا؟ الأيام بيننا.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
“القدس العربي”


























