هناك أماكن نحملها داخلنا كزوادة ومؤونة لسنوات مقبلة، هناك أماكن صغيرة نتحول داخلها الى خيول حرّة، وبحارين وشعراء وكتاب ومصورين ورسامين. هناك مكان كان يُسمى “زرياب”، جعلنا جميعاً سوريين بالمعنى العميق للحضارة والثقافة والإنسانية لكنه لم يعد موجوداً.
دخلتُ مقهى “زرياب” للمرة الأولى في شتاء عام 2014، ومنذ اللحظة الأولى عرفت أن في هذا المكان سراً. يقع المقهى في دمشق القديمة، وهو مكانٌ يعود الى عصور قديمة، فيه صدى صهيل خيولٍ، إذ يُروى أنه كان في غابر الزمان اسطبل خيولٍ.
يضجّ المقهى بأصوات أناس رحلوا وأحاديث آلاف الأشخاص. المكان صغير يتّسع لست طاولات تقريباً، وإن سألتني لماذا قد أتعلق بمكان كهذا، فلن أجد إجابة. ارتدتُ مقاهيَ كثيرة، بعضها كان بيوتاً شامية، حاول أصحابها الحفاظ على هويتها، لكن “زرياب” وحده من بقي في قلبي. فهناك سرٌّ في جدرانه، وأعتقد أن الحكاية كلها تكمن في الجدران القديمة والصخور الناتئة والسقف الخشبي العالي والنوافذ الضخمة. هناك أمضيت ساعات أكتب وأقرأ وأتأمل وأحزن وأحب وأخاف وأتذكر، هناك حيث يحدث كل شيء ويدور الزمان في زاوية صغير.
في القيمرية، وفي الدخلة المقابلة لمحل “الكرواسان” الشهير، وبعد عبورك القنطرة بأمتار، ستجد “زرياب” على جهة اليمين، ستعبُر رائحةَ الخبز والدهشة الأولى للقادمين إلى دمشق القديمة، والضجة والأحاديث، وتدخل إلى عالم “زرياب” السحري.

سرّ “زرياب” يكمن في صاحبه، برنار جمعة، الذي أصبح صديقي لاحقاً. برنار هو أيضاً صديق كل من يدخل المقهى، فهو ليس مديراً يجلس خلف طاولته ويحسب كم جمع من “غلّة”، وإنما يبني علاقة طيبة مع الزبائن، يجلس معهم، يحدثهم عن “زرياب” وعن أحلامه في دمشق، عن الشعر والرسم والتصوير والموسيقى حتى تنسى الحرب تماماً.
أعتقد أن المكان وُجِد لننسى قسوة المدينة في الخارج، ولنعلّق أمنياتنا على شجرة الميلاد، التي اعتاد برنار على وضعها في عيد الميلاد مع مجموعة من أوراق الملاحظات الملونة والملاقط الصغيرة، تكتبُ أمنية وتعلقها على الشجرة، التي كانت تمتلئ بأمنيات السوريين حتى تكاد تميل.
منذ افتتح برنار “زرياب”، كانت له أحلام في دمشق، أحلام أكبر من المكان والمدينة، سعى ليغدو مقهاه ملجأ للثقافة والموسيقى والكتابة في زمن الموت، ورغم أن الفكرة كانت منتشرة مع بداية الحرب، إلا أن غالبية المقاهي التي حاولت أن تكون ملتقيات ثقافية أغلقت أبوابها، وبقي “زرياب” يجلس في حي القيمرية، يصنع أطباقاً يومية، وأمسيات شعرية وموسيقية. وفعل أكثر من ذلك، إذ طبع برنار على نفقته الخاصة كتباً شعرية في بلد لا تنتظر فيه ربحاً من الكتب، وقد شاركتُ شخصياً في واحد من تلك الكتب، “متحف الأنقاض”، إذ أراد برنار أن يشجّع الكتّاب الشباب وينظم لهم أمسيات في مقهاه الضيق بالمساحة، الواسع بالفكرة.
خلال 13 عاماً، مرّ “زرياب” بكل ما مرت به البلاد، إذ سقطت القذائف قريبة منه، وانقطعت الكهرباء عنه والغاز. فـ”زرياب” يشبهنا ويشبه البلاد الحزينة، ورغم ذلك ظل يحاول البقاء والتمسّك بالأحلام والجمال.
في السنوات التي شهدت سقوط القذائف على دمشق، وقعت قذيفة قريبة من المقهى، ما تسبب في سقوط الزجاج، يومها فتح برنار كيس شوكولاته ووزّعه على الزبائن لتخفيف ذعرهم. حين وصلتُ إلى المقهى، قالت لي صديقتي: “برنار وزعلنا شوكولا ونحنا كنا خايفين”، برنار نفسه الذي عايش جزءاً من الحرب الأهلية في لبنان في صغره، عاش الحرب السورية بكاملها، وكان في كثير من الأحيان أشبه بحارس لـ”زرياب” ولدمشق، وقد منح “أبو بحر”، كما يناديه الأصدقاء، أجسادنا في دمشق بحراً صغيراً على شكل مقهى.
لم أسأل برنار لماذا سيغلق “زرياب”، أعتقد أن هذا السؤال ليس في مكانه، في بلد مثل سوريا، حيث نعرف الأسباب مسبقاً ونتشاركها جميعاً. والسؤال الأفضل هو: كيف قاوم “زرياب” طوال 13 عاماً من الحرب والانهيار الاقتصادي والتضييق؟ وهو سؤال يُطرح على كل شخص بقي في سوريا، فالبعض لا خيار لديه، والبعض الآخر أراد أن يقاوم ويقدم شيئاً للناس المؤمنة بأن في سوريا مكاناً لنا. برنار أحد أولئك الذين يؤمنون بأن في سوريا مكاناً للجميع، وكل ما فعله في “زرياب” كان لإثبات ذلك.
بعد تعرّفي على برنار، سألته: لماذا سميت المكان “زرياب”؟ فأعارني كتاباً لأقرأه من المكتبة الموجودة في المقهى، كان عنوانه أيضاً “زرياب” للكاتب مقبول العلوي. زرياب هو موسيقي وعالم وشاعر وعالم فلك، اسمه الحقيقي أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، كان عبداً، منحه معلمه لقب زرياب لشبهه بطائر أسود اللون وجميل الصوت يحمل الاسم ذاته. وتتبع الرواية حياته من لحظة خطفه من الموصل وانتقاله إلى بغداد ثم هربه بسبب غيرة معلمه منه بسبب جمال صوته حتى وصوله إلى الأندلس. غيّر زرياب في شكل الموسيقى، فأدخل وتراً خامساً للعود وأنماطاً موسيقية جديدة، كما اخترع الموشح الأندلسي، أتذكر اقتباساً من الكتاب يشبه حال دمشق كثيراً: “ألم أقل لك يا صديقي. إنك لا تعرف سكان هذه المدينة، إنهم قوم لا يلتزمون الحياد أبداً، فهم إما معك أو ضدك”. وفي دمشق، فأنت إما أبيض أو أسود، مع أو ضد، صديقٌ أو عدو، في دمشق قُسّمنا حسب انتماءاتنا السياسية منذ 13 عاماً، في مدينة لا تلتزم الحياد لا في الموت ولا الحرب ولا الحب ولا الذكريات.
لا أعلم إن كنا نستطيع الكتابة بالصدق نفسه عن الأماكن بعد مغادرتها، وما الذي يختلف بعد سنتين من الغياب، ماذا يُكتب عن الأماكن التي ستُغلق والأحلام التي ستترك البلاد وتبدأ في مكان آخر، عن مدفأة الحطب الصغيرة في “زرياب”، وعن الأثاث القديم، والغلايين التي يمتلكها برنار، إذ يحمل كل غليون قصة، جمعها خلال رحلاته حول العالم. كنت أحبّ مراقبة الغليون المستريح على الرف، وقط يدخل ويتمدد بقربي غير آبهٍ سوى بالدفء القادم من المدفئة. كان لدى زرياب قط اسمه سقراط، يجلس على الكتب في المكتبة أو يتمدد على كرسي البيانو، وحين مات سقراط، أطلق برنار الاسم ذاته على قط آخر يشبه ذلك الذي مات بشدة، لم يمت سقراط يوماً، تلك كانت خطة برنار.
لا أكتب عن مقهى “زرياب” لإقامة مأتم أو للبكاء حزناً، فهناك أماكن نحملها داخلنا كزوادة ومؤونة لسنوات مقبلة، هناك أماكن صغيرة نتحول داخلها الى خيول حرّة، وبحارين وشعراء وكتاب ومصورين ورسامين. هناك مكان كان يُسمى “زرياب”، جعلنا جميعاً سوريين بالمعنى العميق للحضارة والثقافة والإنسانية. وفي الوداع الأخير، نقول لـ”زرياب” ولبرنار: شكراً لأنكما جعلتما دمشق أقل قسوة خلال 13 عاماً.
“درج”


























