بمجرد ما أعلنت وسائل الإعلام مقتل يفغيني بريغوجين، قائد «شركة فاغنر» العسكرية، تبادرت لأذهان كثيرين الطبيعة الدرامية للمقتلة، ما دفع لمشابهتها بميتات مسرحيّة وفنية شهيرة.
هناك تسجيل مصوّر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمع للموسيقى ويصافح الجمهور، في الوقت الذي كانت فيه طائرة بريغوجين تهوي. جرى ذلك في حفل الذكرى 80 لمعركة كورسك، التي انتصر فيها الجيش السوفييتي على النازيين عام 1943. يذكّر ذلك، طبعا، بمشهد هائل من فيلم «العرّاب» الشهير للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، حين نفّذ رجال مايكل كورليوني أحد قادة مافيا نيويورك، عمليات الاغتيال المروّعة لكبار قادة المافيا الآخرين، فيما كان يحضر احتفالا بتعميد ابن اخته.
كان لافتا في خطابه الذي ألقاه في ذلك الحفل قوله إن «الإخلاص للوطن والولاء للقسم العسكري يوحّد جميع المشاركين في العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، وهي إشارة تفهم بالعلاقة مع إصداره مرسوما، في اليوم التالي على مصرع بريغوجين، «يلزم عناصر المجموعات المسلحة غير النظامية، أداء قسم اليمين» وهو موضوع خلاف لم يحلّ في لقاء بين الرجلين بعد العصيان الشهير بأيام. كان بريغوجين بعد ذلك اللقاء، كما أشار ماثيو ماثيوز الكاتب البريطاني المتخصص بالشؤون الروسية، «رجلا ميتا يمشي»!
كتب ماثيوز، وهو من أصل روسي، كتابا مهما عن اجتياح روسيا لأوكرانيا بدأ مقالة نشرت يوم مصرع بريغوجين في مجلة «سبيكتاتور» البريطانية تبدأ بجعل ماكبث، بطل مسرحية شكسبير المعروفة، يقول: «يفغيني بريغوجين مات».
في عام 2016، وبمناسبة مرور 400 عام على وفاة المسرحي الإنكليزي وليم شكسبير، أجاز مهرجان برايتون عملا بعنوان «الميتات الكاملة» وهو عرض مؤسس على 74 ميتة جرت على حلبة مسرحيات شكسبير. مخرج العمل تيم كراوتش، اختار الكتابة عن الميتات الشكسبيرية العشر المفضلة لديه. عكست اختيارات كراوتش قدرة كبيرة على الإمساك بعبقرية شكسبير الفنية في عرض المصائر البشرية، فالمواضيع التي يستخرج منها مشاهده المسرحية، كما يقول موقع «ثياترديسك» الذي نشر القائمة المختارة، «تجمع بين المرعب، والمثير للعواطف، والكوميدي أحيانا، بشكل لا يمكن توقعه» ويمكن أن نضيف إلى ذلك، قدرة الكاتب المسرحي الشهير على التقاط الخاتمة العبثية للإنسان، بحيث تحتوي القصة، أو الخبرة والمعنى فيهما، جانبي المأساة والملهاة في الوقت نفسه.
المكوّنات البشرية لطبخة تيتوس
إحدى هذه الميتات، في مسرحية يوليوس قيصر، تكون من نصيب شاعر يدعى تشينا Cinna يظهر في المشهد الثالث، فيما تتجه روما نحو الفوضى بعد جنازة قيصر. يخرج تشينا ليشاهد ما يحصل فيظنه الجمهور أحد المتآمرين على اغتيال قيصر فيمزقونه. مدافعا عن نفسه، يصرخ الشاعر: أنا لست تشينا المتآمر. فيرد عليه أحد العامة: لا يهمّ. يشرح كراوتش سبب اختياره هذه الميتة بقوله إن الشاعر تشينا كان الشخصية المسرحية المثالية لكونه في المكان الخطأ والزمان الخطأ ويحمل الاسم الخطأ. بهذه الميتة، «يضعنا شكسبير في بؤرة مسرحية يوليوس قيصر ويساعدنا على فهم التداعيات الأكبر للحدث». من المشاهد الفظيعة التي يختارها المخرج لكشف بؤرة العبث الكوميدية في قلب الحدث التراجيدي، حديث تيتوس (من مسرحية تيتوس أندرونيكوس) مع أخيه ماركوس الذي يصفه فيه بالمجرم لأنه قتل ذبابة متسائلا ما الذي يحصل الآن لأبيها وأمها؟
يجب أن يضاف هنا، كي نستوعب جسامة الكوميديا السوداء الشكسبيرية، أن تيتوس، الذي وصف أخاه بالمجرم لأنه قتل ذبابة، قتل اثنين من أبنائه، وشوى أناسا في عجينة، وقطع ذراعه بنفسه! يشرح تيتوس، الوصفة المطلوبة لصنع الفطيرة المحشوّة ببشر. يقول تيتوس: خذ واحد شيرون ودميتريوس (أو أي شخص من القوطيين). اقطع حنجرتيهما وضع الدم في حوض. اطحن العظام لتصبح مثل الدقيق، بالدماء نكّه الطحين ببعض الطعم الحادّ.. اصنع فطيرة.. إشو «الرأسين الحقيرين» داخل الفطيرة.
شهدنا تطويرا فظيعا لهذه الحكاية في فيلم «قائمة الطعام» الذي يجمع الرعب والكوميديا، والذي عُرض عام 2022، حيث يكون المدعوون، والطباخون أيضا، هم مكوّنات تلك الطبخة التي لا ينجو منها غير فتاة نجت من الحفلة.
تقدم «تيتوس أندرونيكوس» مقاربة مذهلة لميتة يفغيني بريغوجين، «طباخ بوتين» الذي قُتل، بعد شهرين من «طبخته» غير المكتملة لعصيان ضد رئيسه، لينتهي الأمر بطبخه هو نفسه في نار طائرته الخاصة. تقدّم سيرة بريغوجين مادة دراما هائلة. لقد «ضحك القدر» للطفل المولود في سانت بطرسبورغ، وصاحب سوابق السرقة، الذي سُجن تسعة أعوام، حين تمكن، في أيام الفوضى الإجرامية بداية تسعينيات القرن الماضي، من تأسيس بضعة أكشاك لبيع المقانق، ليفتح بعدها مطاعم فاخرة، أثار أحدها «الجزيرة الجديدة» وهو مطعم على سفينة، إعجاب فلاديمير بوتين، ابن المدينة نفسها، وبعد أن صار رئيسا عام 2000، صار يدعو الضيوف الأجانب إليه، ومن هناك نشأت علاقة حميمة مع بريغوجين، جعلت بوتين يستقبل رئيس وزراء اليابان في تلك السفينة عام 2000، ويحتفل بعيد ميلاده فيها عام 2003، ليصبح بريغوجين، بعدها، مورّد الطعام للكرملين، وليفوز بلقب «طباخ بوتين».
القيامة الآن!
هذا الجانب من العلاقة بين الرجلين يمكن اعتباره مثالا فاضحا على طبيعة نظام الكلبتوقراطية (حكم النخبة التي تسرق موارد البلد) الذي صعد في روسيا بوتين بعد ذلك. الجانب الآخر من العلاقة يتمثّل في التحوّل الذي جرى لمسار بريغوجين العجيب، من لص محكوم، إلى رمز عسكري لسطوة روسيا الخارجية، عبر تولّيه شؤون مؤسسة مرتزقة عابرة للقارات. كان «فاغنر» هو الاسم الحركي للقائد العسكري للمجموعة دميتري أوتكين، ويرتبط اللقب بميول أوتكين النازية، وليس بحساسيته الموسيقية، لأن جهاز الدعاية النازي استخدم موسيقى المؤلف الألماني الشهير ريتشارد فاغنر في البروباغندا التي صنعها. مفيد هنا التذكير باستخدام كوبولا، مخرج «العراب» لمقطوعة فاغنر «طيران الفالكيريس» عن الحوريات في الميثولوجيا الإسكندنافية، اللاتي يخترن الشجعان من المقاتلين طائرات بهم إلى الجنة «فالهالا» وذلك في فيلمه الشهير «القيامة الآن» عن جنرال أمريكي منشق. الفيلم يحمل إحالات أدبية عظيمة أخرى، منها التذكير برواية كونراد «قلب الظلام» وإلى قراءة الجنرال (يمثّل دوره العظيم مارلون براندو) لقصيدة ت. إس. إليوت «الأرض الخراب» في مكان مليء بالرؤوس المقطوعة المعلقة على الشجر!
تحمل قصة بريغوجين عناصر المأساة مع اللمسة العبثية الشكسبيرية، سيكون لازما على الروائي، أو المسرحيّ، الذي سيشتغل على عناصرها، ألا يغفل عن إضاءات مفيدة لعرض الجانبين، منها حكاية الأصل الجرمانيّ لاسم سانت بيترسبورغ وليس السلافي، مسقط رأس بوتين وبريغوجين، وأن بريغوجين ذا الأب اليهودي كان يقود منظمة ذات ميول نازية. أحد المشاهد المذهلة في تلك المسرحية أو الفيلم، يجب أن تكون للمقطع المصوّر الذي تم تداوله ويظهر فيه صوت أوتكين يقول لبريغوجين: «سنذهب إلى النار. لكننا سنكون أفضل من في الجحيم»! لقد احترق الرجلان فعلا في نار الطائرة الخاصة المنفجرة يوم 24 من «آب اللهاب» (كما يصفه الشوام) وكانت وصفة تلك الطبخة الأخيرة، مثل فطيرة تيتوس، لكنها من إعداد بوتين هذه المرة، وكان بريغوجين نفسه أحد مكوّناتها.
يضاف لذلك أن ميتة بريغوجين ذي الأب اليهودي ومساعده العسكري النازي فيها تذكير مزدوج بالهولوكوست ومصير هتلر معا!
كاتب من أسرة «القدس العربي»
“القدس العربي”


























