مع تواصل سلسلة الانهيارات في الولايات المتحدة، لا بد من التساؤل: أين نظرية "نهاية التاريخ" التي روّج لها المفكر الاميركي ـ الياباني الأصل ـ فوكوياما؟. فبعد تمزق الاتحاد السوفياتي السابق وسقوط الشيوعية، اعتبر المنظرون الستراتيجيون الاميركيون ـ وكان فوكوياما واحداً منهم ـ ان انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة هو انتصار لنظرية الليبرالية. وان هذا الانتصار يتوج الولايات المتحدة على رأس العالم ويجعل منها القطب الأوحد لقيادته سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً. ولترجمة هذا التصور الى واقع، تولى المحافظون الجدد الذين هيمنوا على صناعة القرار في البيت الأبيض طوال عهدي الرئيس جورج بوش اعادة صياغة النظام العالمي بما يتوافق مع قيام الامبراطورية الاميركية الجديدة.
ولكن هذا الحلم لم يعمر طويلاً. ولعله لم يبصر النور أساساً. لقد وجهت عملية 11/9/2001 ضربة شديدة الى المعنويات الاميركية. ورغم وحشية تلك العملية واجراميتها، الا انها في الحسابات السياسية شكلت عنواناً لبداية جديدة سرعان ما تلاحقت مراحلها الواحدة بعد الأخرى؛
فكانت مرحلة اعادة النظر في القوانين التي تتعلق بالحريات الشخصية والعامة. فقد أدى إعطاء الأولوية للأمن على حقوق الانسان الى انهيار صرح القيم الانسانية التي كانت مكّنت الولايات المتحدة من ان تنصّب نفسها حكَماً على سلوك الدول الأخرى.. فأصبحت الآن مضغة في أفواه هذه الدول وشعوبها.
ثم ان الجرائم التي ارتكبتها القوات الاميركية في أفغانستان امتداداً حتى "غوانتانامو".. وفي العراق امتداداً حتى "ابو غريب" زادت في حجم تآكل هذا المارد المعنوي والمادي، الذي بدأ يذوب في عيون شعوب العالم مثل لوح من الثلج في صيف تموز..
ثم كانت مرحلة الاعصار المدمر كاترينا الذي ضرب ولايات جنوبية من الولايات المتحدة جل سكانها من السود. فاذا بهذا المارد الذي كان يحاول ان يبسط هيمنته على العالم، يبدو عاجزاً عن اخلاء الضحايا.. وحتى عن توصيل المساعدات الضرورية لهم من الغذاء والكساء.
وجاءت الآن مرحلة الكارثة الاقتصادية التي وصفها حاكم البنك المركزي الاميركي السابق آلان غرينسبان بأنها الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة (أي انها أخطر من أزمة 1929 الشهيرة). لم تقع الكارثة في ايلول 2001 بمجرد سقوط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ولكنها وقعت الآن بسقوط "وول ستريت" رمز الاقتصاد الرأسمالي ـ الاميركي ـ العالمي. والسقوط لم يأتِ نتيجة عدوان خارجي شنّه ارهابيون، ولكنه جاء نتيجة عدوان داخلي شنّه المؤتمَنون عليه.
ان كل المؤشرات تؤكد كما قال المعلّق الاقتصادي البريطاني مارتن وولف في جريدة فايننشال تايمز البريطانية: ان الأزمة الاقتصادية الاميركية هي بداية تفكك النظام الرأسمالي. وانها ضربة مؤلمة وقاصمة للرأسمالية الانجلو ـ أميركية.
ويكاد يجمع المفكرون الانكلو ـ سكسون كالفيلسوف الشهير جون غراي على "ان ما يحدث هو نهاية النموذج الاميركي".
من هنا فان 11 أيلول 2001 لم تكن الضربة الوحيدة الا من حيث انها جاءت من الخارج. اما الضربات الأشد إيلاماً فهي التي جاءت من الداخل؛ ومن هذه الضربات الموجعة الفشل السياسي والعسكري في أفغانستان لدرجة ان الادارة الاميركية تسعى مع حركة الطالبان لتشكيل حكومة اتحاد وطني تعيد الاعتبار الى هذه الحركة والى قيادييها الذين احتلت الولايات المتحدة بلادهم لتتخلص منهم !.
ومنها أيضاً، الفشل السياسي والعسكري في العراق حيث لم يعثر لا على سلاح جرثومي أو كيماوي، ولا على اي دليل أو مؤشر لوجود مشروع نووي يبرر الاجتياح الذي ذهب ضحيته اكثر من مليون عراقي وأكثر من أربعة آلاف عسكري اميركي.
لقد انهارت الهيمنة الاقتصادية والمالية الاميركية التي كانت مفروضة على العالم،
وانهارت قبلها الهيبة العسكرية الاميركية التي كانت ترعب الصغير والكبير في كل زاوية من زوايا العالم،
وانهارت قبل هذه وتلك "البلطجة" السياسية الاميركية التي كانت تملي المواقف والقرارات بصورة مباشرة وغير مباشرة على الدول الصغيرة والكبيرة في أرجاء العالم كافة.
وانهارت فوق ذلك كله أسس النموذج الذي كانت تمثله الولايات المتحدة باعتبار انها الدولة المثلى لاحترام حقوق الانسان والجماعات ولتوفير فرص المستقبل الأفضل لأصحاب الكفاءات.
ما كان لرئيس غير الرئيس جورج بوش ان يحقق كل هذه الانجازات الكارثية والمأساوية. لقد أسقط الليبرالية التي انتصرت في عام 1989 وألحق بها وبمقوماتها هزيمة نكراء. الا ان هذه الهزيمة لن تنهي التاريخ. ولو ان مفكرين من أمثال فوكوياما ـ ولكن من المعسكر الفكري المعاكس ـ سوف يتصورون ذلك.. أو سوف يتمنونه على الأقل.
المهم ان الرئيس جورج بوش مطمئن الآن الى انه ترك بصمات بارزة في صناعة أحداث القرن الواحد والعشرين.. ولكنها مع الأسف الشديد بصمات سلبية وتدميرية من الدرجة الأولى.
"المستقبل"




















