
مايحدث في سورية، ولها، اليوم، يصلح عنواناً لفانتازيا في سيرك مفلس، يمارسها النظام في تعامله مع الشأن السوري، داخلياً وخارجياً، بل أقرب لأفلام “الأكشن” منها للسياسة. إذ يضرب صفحاً عما يجري في الداخل من معاناة معيشية يومية خانقة لأكثر السوريين، في ظلّ اقتصاد منهار يعتاش على تهريب الكبتاغون وتجارة المخدّرات وأعطيات الدول، وينخره الفساد بألوانه كافة، وتتناهبه قوى الأمر الواقع في كلّ جهة تحت سيطرة شبه دولة تتحكّم بها عصابات الأسدية وداعموها من ميليشيات متنوّعة الجنسيات، وقوى احتلال متعدّدة، تتوافق وتتصارع لكسب المزيد، بينما يتجاهل النظام عمداً، ويهتمّ الغرب متعمّداً، بالإضافة لتململ الساحل وحاضنته، حدثان بارزان مهمّان، يقضّان مضجعه رغم لامبالاته، أولهما تصاعد حراك الجنوب في جبل العرب مطالباً بسقوط النظام وتطبيق القرار 2254، ليؤكد باستمراره- منظماً واضحاً يعرف ما يريد، وكيف يُحقّقه- أن جذوة ثورة 2011 لم تخمد، بل تتجدّد في سبيل أكثر صواباً، وثانيهما تصاعد غضب العشائر في الجزيرة السورية وانتفاضتها ضد قوى الأمر الواقع ” قسد ” لتكون صوتاً للحرية، ورفضاً لإذلال السوريين الممنهَج، والمطالبة بأن يكونوا أسيادَ مناطقهم وأصحاب ثرواتها، لا عبيداً أو أُجَراء لتنفيذ أجندات خارجية.
وأمّا في الخارج، فتمثّل الاستضافة الصينية والاحتفاء الإعلامي بزيارة “العائلية” الأسدية، ذروة سياسة اقتناص الطرفين للفرص عبر الاستثمار في الدبلوماسية السياحية والعلاقات العامة، ولكنها محمّلة بعناوين كثيرة لرسائل سياسية خفيّة وإشارات مبطّنة، أوصلت لكافة الأطراف المتدخّلة في سورية، والمنطقة، محتوى المرحلة التي يمرّ بها الوضع العربي والصراع الإقليمي والدولي. فإن كانت دبلوماسية الزلازل قد ساهمت بالتطبيع العربي مع النظام، وعبرها منحته الأمم المتحدة قولاً فصلاً في فتح المعابر بعد الفيتو الروسي الأخير، وانهالت عليه المساعدات والمعونات التي لم يستفد منها أغلب مستحقيها، وفتحت أبواب التطبيع معه والمبادرات الهادفة لدمجه في منظومة الجامعة العربية، ليس حباً به بل تجنّباً لشروره وداعميه، فإنّ دبلوماسية المناسبات الصينية ساهمت بإعطائه زخماً إعلامياً، استكمله بالمشاركة بعيد المولد النبويّ، ويبتسم لحاضنته، بينما يدفع حلفاءه للتوجّس من توجّهاته وردود أفعاله تجاه داخل سوري محتقن ومتفجّر، وحدود تزداد تحشّداتها العسكرية بعد أن خلق كلّ المبرّرات لتفجير صراعاتها شمالاً وشرقاً وجنوباً.
ثمة مكاسب للأسدية من الصراعات الدولية البينية، تتوهّم أنها صانعة لأحداثها، وتعلم أن الصين تعي وضع الأسدية واهتراءها وارتهانها واستحالة تدويرها وقبولها، وقد تقدّمت قبلاً بمبادرة النقاط الأربعة 2021 للحلّ، واستخدمت الفيتو 8مرات، وخدمته سياسياً ودبلوماسياً، وبتوقيعها (اتفاقية الشراكة الإستراتيجية) تثير التساؤل، عمّ تحقّق الصين في ساحة لا مستقرّة تتناهبها مشاريع الدول؟
فهي تقول بلا مواربة إن إيران على الأرض أقوى، وتجري المناورات بإشراف وقيادة قاأاني، وتغييب جيش النظام وغياب رئيسه، وهي الرسالة الأقوى لإسرائيل والصين وأمريكا وروسيا وتركيا والعرب!
وتقول إن الدور الصيني أساسيّ ومحوريّ في التحولات العربية تجاه النظام، بين تطبيع ومناهضة له بعد المصالحة السعودية الإيرانية، بضمانة صينية، وإن الاستدارة السعودية، ودعوة النظام لقمّة جدّة والتطبيع معه، وإن بشروط، جزء من مخرجات سياسة الصين الجديدة في ظل الاشتباك الدولي الراهن بعد الحرب االروسية الأوكرانية، وتردّ على السياسة الأمريكية في مناكفة مشروع ( الحزام والطريق ) الصينيّ الاقتصاديّ الدوليّ الإستراتيجيّ، بمشروع الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، فتؤكّد تواجدها السوري “الاحتياطي” في مشروعها، وتقوّي موقعها الجيوسياسي مجّاناً، مع كسب اعتراف بسيادتها على تايوان، وبلا أية شروط أو متطلّبات، ولن يكلّفها ذلك خرق لقيصر أو صدام يعرّض مصالحها الدولية لمخاطر العقوبات أو التضييق.
وتقول أيضاً، إن أحداً ما ليس بإمكانه تغيير الأوضاع في سورية، أو تحسينها، إنما هو تموضع لليوم التالي، عندما تحصل التسوية، بل التسويات، في سورية على سورية والملفّات المتّصلة بها، وتعلن إسدال الستار على فصل من فصول إعادة تدوير النظام ودمجه بالمنظومة العربية، بعد أن تثبّتت بالتجربة أنه، نظام الأسدية، عصيّ على الإصلاح، زئبقيّ يداور ويناور بوهمه أنه انتصر وينتصر، فيبتزّ العرب والعالم، لا بالكبتاغون وحسب، بل باستثمار التغيرات الدراماتيكية في الوضع الدولي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، والاتفاق السعودي الإيراني، والتناقض الأمريكي الصيني، والتناحر العربي، وبوادر اكتمال التطبيع السعودي والعربي مع إسرائيل، وتغيّر الاصطفافات الدولية والإقليمية وقيام تحالفات جديدة تبحث عن الأفضليات في عالم يتبدّل، مستنداً لتناقضات مصالح القوى المتصارعة في سورية، وتمدّد إيران وسطوتها، واعتماده رأس حربة في إستراتيجيتها بالمنطقة، مكمّلاً للحشد العراقي والحوثيّ اليمني وحزب الله اللبناني، وقبل هذا وذاك معتمداً على تشتت المعارضة السورية وارتهانها لمشاريع خارجية أوهنت قواها ووضعتها في حقل من الألغام بلا بوصلة وطنية تجسّد أهداف ثورة 2011.
اقتناص الفرص، وتسخير المناسبات، واستثمار الكوارث، ورفض المبادرات، والالتفاف على القرارات، واستهجان كل ما ليس يقرّ قراءته، ليستكمل صورته منتصراً على شعبه “الإرهابي”، وسعيه لإنجاز التجانس في سورية المفيدة، ولو بالتدمير والقتل والتهجير، فنون أجاد رأس الأسدية اللعب بها على طاولة الرهن والبيع بالجملة والمفرّق، ثمناً لاستمراره وبقائه الذي أقرّه الجميع، ما عدا الشعب السوري، وهو المدرك لدوره الوظيفي وألّا بديل عنه لأدائه. وزيارته الصين تثبت أن الأسديّة مشروع فاشل في خارطة استثمار الفاشل بل تكشف المستور، وتفضح المعروف من تركيبته، واللامبالاة بمعاناة السوريين المعيشية اليومية، بل زيادتها واستثمارها، وإدارة الظهر لكلّ ما يجري في سورية من فقدان سيادة واحتلال وارتهان لقوى خارجية، تعيث فساداً، وتبنٍّ لضياع وحدة سورية واجتماعها واقتصادها ومستقبل أجيالها.
• كاتب سوري

























