في الأسبوع الثالث من حرب غزة يتبين مكان أمريكا في ما يجري، وبأنها ليست معركة إسرائيلية- حماسية فقط، بل معركة عالمية. رغم الفوارق في الظروف واللاعبين، ثمة تداع من هذه الناحية بين الحرب الحالية وحرب يوم الغفران. مثلما دار في الحرب الباردة صراع أيديولوجي واستراتيجي بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، يجري الآن صراع أيديولوجي واستراتيجي على النظام العالمي بين محور روسيا والصين وإيران، والعالم الغربي برئاسة أمريكا. صور رئيس الصين شي ورئيس روسيا بوتين من جهة، والرئيس بايدن ونتنياهو من جهة أخرى، تجسد هذا بشكل رمزي على خلفية وقوف الصين وروسيا إلى جانب حماس ووقوف الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل.
الهدف الجيوسياسي للرئيس نيكسون ووزير الخارجية كيسنجر في الحرب إياها، إلى جانب المساعدة الأمنية لإسرائيل، كان إخراج روسيا من مراكز نفوذها في الشرق الأوسط وبخاصة في مصر، وقد نجحا في ذلك. في المعركة الحالية، فتحت أمام الولايات المتحدة إمكانية لسد طريق الصين وروسيا في منطقتنا – وكذا ميول العدوان والهيمنة الإيرانية.
لكن ليس الجميع في الولايات المتحدة، ولا حتى في إدارة بايدن نفسها، يشاركون هذا الرأي. موظف كبير في وزارة الخارجية الأمريكية استقال من منصبه بدعوى أن المساعدة المكثفة بالسلاح وبالعتاد التي تمنحها أمريكا إلى “طرف واحد” تعدّ أمراً “هداماً، غير محق ويتضارب مع قيمنا”، ولديه شركاء في الرأي سواء في الإدارة أم في الحزب الديمقراطي الذي اتخذ جناحه اليساري المتطرف في الأيام الأخيرة مبادرات تشريعية هدفها المس بالموقف المؤيد لإسرائيل لدى الإدارة وإملاء “وقف نار” فوري على إسرائيل.
مع أن الإدارة تعول على دعم الجمهوريين في الكونغرس في كل ما يتعلق بالمساعدة لإسرائيل، لكن ينبغي الأمل في أن التصريحات اللاذعة لدونالد ترامب الذي يتحكم بالكتلة الجمهورية، ضد إسرائيل ونتنياهو، لن تضر ذلك. وتبين بأن نسب التأييد له ارتفعت فور خطابه التأسيسي والمؤثر من أجل إسرائيل، فيما هبطت نسب التأييد لترامب، بخلاف الميل الذي لاح قبل ذلك، واستطلاعات اعتبرت قوية ومصداقة بخاصة أكدت أن 75 في المئة من جمهور الناخبين يعتقدون بأن دعمه لإسرائيل هو مصلحة أمريكية.
إذا كانت هناك علامة استفهام بارزة عن ثبات موقف الإدارة وفهمها الآثار العالمية لحرب غزة فهي في تغيير سياستها تجاه إيران. لم تستوعب الإدارة بعد أو أرادت أن تستوعب بأن من يقف خلف التخطيط والمبادرة والتجهيز لبربرية حماس هي إيران، وهو الحكم بالنسبة لـ”حزب الله” في الشمال والحوثيين في اليمن – ومثلما يقدر شي حتيري، خبير الشؤون الإيرانية في معهد يوركتاون الأمريكي، أنه لا شك أن طهران وقفت وراء عدوان حماس، كي يحرف الانتباه العالمي عن تقدمها في الموضوع النووي. المؤرخ السياسي المقدر وولتر راسل، ادعى على الفور في هذا السياق في مقالاته في “وول ستريت جورنال” بأن “نزعة المصالحة تجاه إيران فشلت… فهي لا تخفي أهدافها: كارثة في إسرائيل وتدمير الولايات المتحدة – لكن فريق بايدن لم يستوعب بأنه يمكن مصالحتها أو إرضاؤها من هذه الناحية”، ويتعاطى مع الجهود المتواصلة لبايدن لاستئناف الاتفاق النووي ويذكر بسياسة أوباما المخطئة لمنح إيران مكانة خاصة كممثلة العالم الشيعي إلى جانب السعودية كممثلة العالم السني، كي يروج الوهم بأن أمريكا يمكنها أن تقلص وجودها في الشرق الأوسط. كما أن الإدارة لم تفهم، أو لا تريد أن تستخلص الاستنتاجات من ذلك في أن جبهة الصراع على النضال العالمي هي اليوم الحرب بين إسرائيل وحماس.
مع أن أحد عناوين الصحف “عناق الدب من الولايات المتحدة”، والذي يعني “الدعم أو المساعدة” تتسبب عملياً بضرر لمن يتلقاها” مغلوط بل ومضلل، واضح أن الميول الأمريكية والإسرائيلية لا تتماثل في كل المواضيع – مثل المساعدة “الإنسانية” لغزة. الإدارة منصتة في هذا الموضوع للرأي العام في أمريكا، لكنها تعتقد أيضاً، عن حق أو بالخطأ، أنه هكذا تتعزز مكانتها في العالم العربي. كما أن القلق على المخطوفين، على الأقل أولئك ذوي الجنسية المزدوجة، يلعب دوراً في ذلك. واضح أنه يمكن أن نفرح على تحرير المخطوفتين، لكن من المقلق أن الولايات المتحدة لم تستغل المساعدة الإنسانية لتحرير كل المخطوفين والأسرى أو على الأقل لنشر أسمائهم. كما لا نعرف ما الذي سيولده اليوم، لكن إمكانية التحرير الانتقائي، نقطة نقطة، للمخطوفين لا يخلق فقط مشكلة عملياتية بل يحمل إسرائيل عبئاً اقتصادياً شديداً عقب تجنيد الاحتياط الطويل النابع من ذلك.
ليس هذا “عناق دب”، بل عناق حقيقي يمكن لأمريكا وحدها أن تقدمه، ومن واجبنا أن نقدر بل أن نفهم أيضاً القيود التي تفرضها أحياناً علينا.
زلمان شوفال
إسرائيل اليوم
24/10/2023
“القدس العربي”


























