السوريون شعب مثل أي شعب آخر، وعندما نتحدث عن شعب، فإن ذلك يعني الملائكة والشياطين معا، فالشعب بشكل عام في كل مكان وزمان، مفهوم يشتمل على أكاديميين محترمين، وأدباء ومفكرين وتجار شرفاء، والشعب نفسه، يشتمل على قتلة ولصوص وحثالات مختلفة، لهذه الطبيعة البشرية جدا، والبسيطة إلى أبعد الحدود، كانت الأوسمة والسجون، والمجد والعار، ومع ذلك، فالشعب أيضا يحوز صفات مشتركةً إلى حد ما، ولكنها أقرب إلى التشابه في الملامح بين أغلبية أفراده، فالسوريون يعملون بكثير من الجد، ويبدعون الحلول بطريقة تثير الإعجاب، ويتجلى ذلك، في المهن اليدوية وفي المطبخ، حيث تقف المرأة السورية لتصنع طعاما شهيا مهما كانت المكونات أمامها متواضعة وفقيرة، وهذه الصفات المشتركة لا تعدو التشابه في لون البشرة بين أفراد الشعب.
ما ينطبق على الشعب السوري، هو ذاته عند اللبنانيين والأتراك والمصريين والأردنيين، وهي دول بدأت تتخذ مواقف سلبية من اللجوء السوري، على تباين حدتها، والترتيب متعمد وإن يكن ذا صيغة تقديرية، ووراءه أسباب موضوعية مثل الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلدان المستضيفة، التي تجعل الشعوب تعيش مرحلة من التوتر، وفي ظل غياب الوعي بأسباب التردي، وتنصل الحكومات عن تقديم أسباب واقعية، بحيث تترك البحث عن مبرر مفتوح أمام الشعبوية والعصابية الجمعية التي تغذيها القوى السياسية المتنافسة.
أزمة اللجوء السوري تدخل فصلا صعبا، ولكنه ليس فصلها الختامي، فلا نهاية ممكنة في الأفق، وبذلك تتحدى هذه الأزمة الأخلاقيات المهترئة للمجتمع الدولي، وتآكل القيم
مع ذلك، يبقى التزامن سؤالا مهما، ولا يمكن التغافل عنه، وتفسيره هو في التراجع المؤثر في الدعم المقدم للدول المستضيفة للاجئين السوريين، وعدم وجود شهية لمواصلة الالتزامات، التي قدمت قبل سنوات، ولعل التراجع في أولوية الأزمة السورية، مرتبط بالتخفف من الضغط الذي كانت تشكله على ما يسمى بالضمير الإنساني، مع تصاعد مناطق ساخنة أخرى في أوكرانيا وغزة، مع انكشاف واضح لهشاشة مفهوم الضمير الإنساني، وادعاءات البراءة والمثالية لما يسمى بالمجتمع الدولي، على الأقل في فضاء النوايا، وأتى ذلك، بعد سلسلة من اللحظات الفاضحة والمرعبة، التي فشلت الإنسانية في تقديم ما يسوغ اعتقادها المبالغ في وجود أرضية أخلاقية تتصف بالعدالة والنزاهة، وكانت البداية مع اللقاحات والإمدادات الأخرى، في بداية أزمة وباء الكوفيد 19، لتتصاعد وصولا إلى المحنة الجارية في قطاع غزة، والوقوف بوجوه مشكوفة تدعي الجهل وتمارس التجاهل أمام الجرائم الصهيونية، ومؤخرا، النقاشات حول مصادرة الأصول الروسية بمئات المليارات وتحويلها إلى أوكرانيا، وهي لحظة كاشفة لنظام تضعه الدول الكبرى ليحقق مصالحها أولا، ولو كان يضرب أمورا مستقرة في العالم ولآلاف السنين من التاريخ ويمكن أن يدفع العالم إلى الفوضى الكاملة.
الحالة التركية تبدو نموذجا واضحا للمشكلة السورية، ووقوع السوريين في انتهازية اللعبة السياسية التي تجاهلت رحلةً طويلةً من استعادة تركيا إلى موقع إقليمي مؤثر بعد بقائها مهملة وقابعة في موقع الجار المزعج لأوروبا، والظل الثقيل لجيرانها في المشرق، وتهرب النخب السياسية التي تحاول الدفع بالسوريين في قلب الصراع على السلطة لخلط الأوراق والتنصل من أداء الثمن المناسب لحركة بناء وتطوير واسعة، استمرت لأكثر من عشرين عاما، والسوريون في موقع تقاطع حرج يجعلهم التنازل السهل للسلطة في تركيا، والنصر الأسهل للمعارضة، خاصة أن السؤال السوري في تركيا يتضمن داخله السؤال التركي الكبير بشقه الهوياتي، وبدلا من تفجره لصراع داخلي، فإن السوريين يمكن أن يقوموا بهذه المهمة إلى حين، بمعنى آخر، أن يشبعوا الهوية التركية التي تتلقى الضربات الاقتصادية والاجتماعية بصورة متتالية.
الأمر في مصر لا يختلف كثيرا، اصطدام متوالية القرارات الخاطئة والأولويات المختلة، وصل بالجميع إلى مأزق حرج للغاية، والسوريون أصبحوا أحد منصات التفريغ، يجب أن تستنزف إلى الحدود القصوى، كتعبير عن فشل القاهرة في توظيف ملف اللاجئين أو (الضيوف) كما وصفهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالحصول على تمويلات غير مشروطة من المانحين.
لبنان والأردن، كانتا جزءا مع الكينونة الوجودية لسوريا في مفهومها التاريخي الأبعد كثيرا من نشوء الدولة الحديثة، إلا أن الموقف من السوريين يختلف كليةً، ففي لبنان توجد ثأرية بين بعض الأطراف والسوريين بالمجمل، ويظهر وجود حالة خفية من التوافق على التهرب من لحظة الاشتباك بين الطوائف وأجنحتها، بتحويل السوريين إلى الطائفة التاسعة عشرة في لبنان، وكبش الفداء الذي يتحمل الخطايا الثقيلة، ولو بصورة مؤقتة، ويبقى الأردن حالةً مختلفة نتيجة السيادة الأيديولوجيا القومية والإسلامية على الجموع الأوسع للأردنيين، سواء من خلال وعي تاريخي واجتماعي، أو بالتوارث القيمي والفكري، إلا أن المتاعب الاقتصادية تشكلت على تنكر من المجتمع الدولي الذي ضغط على الأردن لاستيعاب السوريين، في منظومته الاقتصادية المرهقة أساسا، والتنصل بعد ذلك من التزامات وضعت بوضوح في وثيقة أردنية قدمت للدول المانحة في لندن 2016.
أزمة اللجوء السوري تدخل فصلا صعبا، ولكنه ليس فصلها الختامي، فلا نهاية ممكنة في الأفق، وبذلك تتحدى هذه الأزمة الأخلاقيات المهترئة للمجتمع الدولي، وتآكل القيم التي يفترض أن تحكم الدول التي وظفت مسؤوليتها الافتراضية لتكون أداة تسهم في استمرار تدخلها في الدول الأخرى لتحقيق مصالح مادية بالمرتبة الأولى. الإحصائيات التي تستند لها الأزمة على طاولة الأمم تجرد الشعب من إنسانيته، والانتهازية تتمثل في أن تصبح حادثة تحرش من شخص سوري بطفلة تركية، مع أنها جريمة منكرة، إلى مبرر إلى الاعتداء على آلاف السوريين في تركيا التي تشهد أكثر من ثلاثين ألف حالة مماثلة كل سنة، يكون أطرافها أتراكًا! وفي هذه الحالة تصبح الحادثة كاشفة لتجريد الشعب السوري من حقه في التعبير عن تنوعه، ليصبح كتلة مصمتة يمكن أن تتحول إلى هدف للتصويب والتدريب على العنف الكامن المكبوت، تحت أزمات سياسية واقتصادية داخلية تعتبر جارية بوجود السوريين أو من غيرهم.
كاتب أردني
- القدس العربي


























