لماذا تَتَأَبَّى السلطة العربية عن استيعاب الحرية ولا تسمح بها للأفراد؟ لماذا يخشى النظام العربي من وجود الحرية في مؤسساته، ولا يسمح بظهورها كوضع قائم مستقر في النواة الحيوية للدولة يساعدها على إدارة شؤونها ومرافقها العامة؟ هل لأن الدولة جسم غريب عن الواقع السياسي والثقافي للشعوب العربية وأنظمتها الاجتماعية الحديثة والمعاصرة؟ أم أن الدولة كجهاز جديد للحكم وإدارة الشأن العام وخدمات المؤسسات وتسيير الهيئات والمصالح، يجب أن تستوفي شرط المستوى الحضاري والفكري، وقدرا من الوعي بقيمة الحرية كمفهوم مستقل وفكرة ناضجة في ضمير الحاكم، لا تسمح له إطلاقا بامتلاك واحتكار، أو الاستحواذ على جهاز الدولة التي تبقى دائما الشرط اللازب لوجود المواطن الحقيقي، الذي يعَبّر عن الإنسان في تجلياته الحديثة والمعاصرة؟
الحقيقة، وفي ضوء التجربة السياسية لأنظمة الحكم العربية الحديثة، ما بعد مرحلة الاستعمار، أن كل هذه الأسئلة وغيرها يمكن الإجابة عليها بنعم.. ولكن، تبقى الحقيقة الكبرى في إخفاق السلطة العربية في إدارة الشأن العام، بالنزاهة والعمومية والإخلاص، كما تتطلبه الدولة الحديثة، هي انعدام الحرية كإمكان حيوي وديمومة فاعلة في صلب وشرايين مؤسسات الدولة وهيئاتها، وفق ما تلح عليه كشخصية اعتبارية.
والوجه الآخر لانعدام ماهية الحرية ووَضْعها المستَقِل في جهاز الدولة، المراد تأسيسها وإرساؤها كشخص معنوي مجرد عن البشر، هو أن نظام الحكم العربي تشخَّص في الحاكم، وصار يعبَّر عنه أكثر ما يعبّر عن الدولة، ومن ثم ضاعت تجربة نشأة الدولة العربية الحديثة المستقرة، على قيم ومبادئ ومقوِّماتها الحديثة وعلى رأسها جميعا فكرة الحرية. فقد دلت التجربة التاريخية الحديثة والمعاصرة للعرب أن هذه التجربة تمت وفق جدلية مفارقة لحقيقة ما ينبغي عليه الوضع السياسي، أي أن ما يسعى إليه الفرد من امتلاك الوعي بالحرية، يقابله سعي آخر إلى مصادرتها من قبل جهاز الحكم، أشّر في نهاية المطاف والتحليل على شذوذ لمسار تاريخي خطير أفضى إلى ما نحن عليه اليوم من ثورات وحروب تأتي على حَطَب النظام السلطوي المتكَلِّس الذي انعدمت فيه الحرية.
النظام العربي سلطوي فالحاكم يتماهى مع مؤسسة النظام إلى حد أن تضحي الدولة مجرد سلطة الشخص الحاكم، تزول بزواله أو يزول بزوالها، والسبب هو انعدام الحرية
مقاربة الوضع السياسي العربي عبر مفهوم ووضع الحرية، يساعد لا محالة على تفسير ما آلت إليه الحياة العربية في آخر مراحلها، التي تشهد العنف والدمار واستنزاف التراث وتبذير الثروات، لأن الحرية، التي ضاعت على النظام العربي ومؤسساته، هي إمكان ما ورائي- ميتافيزيقي، يستلهم منه المفكر آراءه ويوصي بها للدولة ومؤسساتها، كأفضل سبيل إلى مزيد من الحياة والحيوية للطرفين الشخص المعنوي والشخص الطبيعي على السواء. فالنظام الذي يسترشد بمعاني الحرية ومفرداتها ومعانيها التي تأتي من خارج جهاز الدولة يوفر لنفسه إمكانية تأصيل تراثه كرأسمال ثابت يوجد ليبقى، ويحصن من ثم، مؤسساته كأفضل طريق الى تعزيز المواطنة التي يصعب فهمها خارج الدولة المعاصرة. وعليه، فإن غياب الحرية كوضع قائم ومكانة معنوية ومفهوم راسخ، هو الذي أفضى إلى تصَلّب شرايين الدولة وقَنَواتها، وحَرَمها من التَّجَدّد والازدهار الحيوي، ليمكنها من التواصل والاستمرار بعد بزوال الرجال والحُكَّام. ولمزيد من التوضيح والبيان نقول، إن مفردات الحرية التي وردت في دساتير البلدان العربية لحظة انحسار الاستعمار الأوروبي عن أراضيها، مجرد مفردات تقنية وردت بالاسم وليس بالمعنى، كما أن إدراجها في القوانين والدساتير لم تكن لتحيا بها، بل أصبحت مفردات تقنية بالية، افتقرت إلى التجديد، بسبب طول مكوث الشخص نفسه في الحكم، الأمر الذي أدَّى إلى انهيار الحكم بعد انهيار الحاكم، أو انهيار الحاكم بعد انهيار الحُكْم. إن إخفاق الإنسان العربي في امتلاكه الحرية مرده إلى طرد الدولة لها وإبعادها عن مؤسساتها. فقد كان النظام العربي سلطوي بالمعنى الذي يشير إلى أن الحاكم تماهى مع مؤسسة النظام إلى حد أن أضحت الدولة مجرد سلطة الشخص الحاكم، تزول بزواله أو يزول بزوالها، والمغزى في كل ذلك، هو انعدام الحرية. وهكذا، ومع تطوّر هياكل الدولة وبُنَاها دونما اعتبار لعنصر الحرية، فَقَد الفرد بعده «المواطني»، كشخص سياسي حر، كما أن المجتمع فقد هو أيضا بعده «المدني»، حرم من الاستقلال بسلطته كمجتمع مدني. وإذا عنّ لنا أن نقدم الشواهد على ما نقول، نذكر أن الدساتير العربية التي أَسَّست لدولها، قلَّما وردت فيها كلمة الحرية، وإذا وردت في بعض الحالات، سرعان ما تُرْدف بأن ممارستها يتم في إطار ما يسمح به القانون، وفي إطار النظام العام وفي حدود ما ترخص به اللوائح ومراعاة الوضع القائم، وكانت النتيجة التي آلت إليها هذه الممارسة، أن هاجر قطاع كبير من المثقفين والكتَّاب والمواطنين إلى الخارج، سعيا منهم إلى امتلاك النقص الذي اعْتَوَر أنظمتهم الوطنية في العالم العربي. ثم كانت هذه الشريحة من المثقفين والمعارضين للسياسات العربية هي التي عاودت الرجوع إلى بلدانها الأصلية، والثورة عليها في مرحلة جديدة أطلق عليها، ثورات الربيع العربي. والشاهد الآخر هو أن تاريخ النظام السياسي العربي الحديث والمعاصر هو تاريخ الانقلابات والتصحيحات، والإطاحة بأنظمة الحكم المتوالية، التي تدلل في التحليل الأخير على غياب الحرية، وخوف النظام من كشف آثاره ونتائج أعماله السلطوية. والجدير بالذكر، أن الدستور كوثيقة أساسية تنظم سلطات الدولة ومؤسساتها فكرة طارئة على الحياة العربية الحديثة والمعاصرة، وأن تعريف الدستور على هذا النحو، لا يصدق على الواقع السياسي العربي، لأن لحظة وضع الدستور لم تكن الدولة قائمة ولا أن وثيقة الدستور كانت شريعة المتعاقدين، ولم تعبر عنهم، ولا السلطة التي يَتَعَيَّن إيجادها بناءً على هذا التأسيس كانت تتوفر على الإرادة والحرية، فالنظام العربي الذي جاء في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومخلفاتها، كان يتطلع إلى بناء الدولة الوطنية التي تؤكد إرادة الوطنيين، ولم تُوَسَّع هذه الإرادة إلى الأمة كافة، أي تكوين الحكم القائم على الدولة/ الأمة، كما هو معروف في الفكر السياسي الحديث وفي القانون الدولي العام. وهكذا، تكون التجربة السياسية العربية التي افتقدت الحرية منذ البداية قد انتهت إلى خيبة كبرى عندما تنكرت إلى إرادة الأمة العربية، وسعت بدلا من الوحدة إلى النزعة القطرية والوطنيات المتشددة التي تهمل أثناء الحكم فكرة الحرية أو تؤجلها على أقل تقدير، كما فعلت في الشعار القومي المثلث: الحرية والوحدة والاشتراكية.
كاتب جزائري
- القدس العربي


























