العالم من أقاصيه إلى أقاصيه مشغول بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكن كلّ الدول أو الشعوب ليست مهتمّةً بانعكاس هذه الحرب على منطقة إقليمية مهمّة تُدعى الشرق الأوسط، تشكّله دول عديدة تتلاعب بمصيرها دولة حديثة أُعلن قيامها في 14 مايو/ أيار 1948، وجاء في نصّ الإعلان الذي تلاه ديفيد بن غوريون (الرئيس التنفيذي للمنظّمة الصهيونية العالمية) أنّ “دولة إسرائيل” ستفتح الأبواب أمام الهجرة اليهودية للمّ شمل اليهود المنفيين في الشتات. ثمّ سارعت الدول الكُبرى للاعتراف بها. لكنّ معظم الدول والشعوب تتابع الحرب وتهتم بها، وتترقّب تحت تأثير الخوف الذي يعمّ العالم وبدأت نتائجه تظهر بالتوالي، الخوف من تداعيات شلل الملاحة في مضيق هرمز وتعثّر تدفّق الطاقة وغيرها من المواد الضرورية للاقتصاد العالمي اليوم.
لكنّ لدى إسرائيل مشروعاً أكبر وأكثر تجذّراً منذ قيامها، مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى محو الوجود الفلسطيني في فلسطين، والتمدّد في الاتجاهات كلّها بحجّة تحقيق أمنها القومي. ومنذ ذلك التاريخ، تزداد سياستها فجوراً وإجراماً، على وجه الخصوص منذ “7 أكتوبر” (2023)، ضاربةً عُرْض الحائط بالقرارات الدولية كلّها. يقف العالم اليوم أمام دولة يقودها رئيس وزراء مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلّق بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، ويتحدّى القانون الدولي. وعلى الرغم من مئات قرارات الأمم المتحدة، ومذكّرات المحكمة الجنائية الدولية، والإدانة العالمية، تواصل إسرائيل توسيع مستعمراتها غير القانونية، معزّزةً نظام الفصل العنصري لديها، ومدمّرة حياة الفلسطينيين وسبل عيشهم بدعم غير مشروط من الحكومة الأميركية، إلى جانب الغياب الشامل للمساءلة الدولية عن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين في غزّة، وعقود من الجرائم الدولية المرتبطة باحتلالها غير القانوني ونظام الفصل العنصري.
ثمّ وقعت الحرب الحالية في 28 فبراير/ شباط الماضي، وفي ظلّها (أو ربطاً بها) عملت إسرائيل في تكثيف أفعالها غير القانونية، ولا سيّما الاستيلاء على الأراضي، من دون خوف من أيّ عواقب محتملة، إن كان في غزّة أو في الضفة الغربية أو في جنوبي لبنان وفي الجنوب السوري، مع عجز كارثي للمجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات حاسمة، فيما لو توافرت النيّة، فكيف يمكن لهذا المجتمع الذي تشكله الدول القوية المتحكّمة بالعالم أن تتوافر لديه نيّة من هذا النوع؟
اعتمدت السلطات الإسرائيلية مجموعةً من الإجراءات غير القانونية غرضها تجريد الفلسطينيين في الضفّة الغربية المحتلّة، بما في ذلك في القدس الشرقية، من أراضيهم، وجعل ضمّ الأراضي واقعةً لا رجعة فيها، وهذا ما أعلنته منظّمة العفو الدولية في 26 فبراير/ شباط الماضي، ما يشير إلى نيّة للعمل الهادف والسريع لبناء المستوطنات غير القانونية. وهي تسهّل السيطرة على أراضٍ فلسطينية جديدة، وتسمح باستمرار بإقامة المستوطنات الجديدة، وتوسّع المستوطنات القائمة، وتُشرعنُ تسجيل الأراضي في الضفّة الغربية على أنّها ملك للدولة الإسرائيلية. هذا كلّه على مرأى العالم، بل وتنشر الفضائيات والمنصّات على اختلافها هذه الأعمال واعتداءات المستوطنين المدعومة من الحكومة، وكأنّها مكتفية بهذا لتسجيل المواقف.
بعد إبعاد إيران من سورية أصبح التنافس الإقليمي فيها بين تركيا وإسرائيل
من الواضح اليوم أنّ من لبنان إلى غزّة، مروراً بسورية، تسطو إسرائيل على الأراضي في جميع الجبهات، وتزيد عمقها الاستراتيجي في المنطقة، بالتوازي مع استمرار قصفها وغزوها غزّة، وهي لا تلتزم بأيّ اتفاق أو معاهدة أو قرار دولي، فبينما نصّ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، المُوقَّع برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، على انسحاب إسرائيلي من الأراضي خلال 60 يوماً، أعلنت تل أبيب أنّها ستستمرّ في الاحتفاظ بخمسة مواقع تعتبرها “استراتيجيةً”، بينما لا تزال تتوغّل في مناطق أخرى وتزحف باتجاه الشمال وتقصف المدن والقرى فتحصد أرواح مدنيين ونساء وأطفال. وتبرّر السلطات الإسرائيلية وجودها بحجّة أنّ الجيش اللبناني لم يوفِ بعد بما يخصّه من الاتفاق، بل أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يتسحاق كاتز (مارس/ آذار 2025)، صراحةً، أنّه تلقى “الضوء الأخضر” من واشنطن للحفاظ على قواته في لبنان. مثلما تفعل في غزّة بالضبط.
هذا التوسّع الإقليمي الذي تسمّيه إسرائيل “منطقتها الأمنية”، لن يحلّ أيّ شيء في المنظور القريب، لأنّه لن يحلّ مسألة نزع سلاح حزب الله، بل على العكس، فهو يبدو وكأنّه يعقّد الأمور لأنّه يضع الحكومة اللبنانية في وضع حرج وهشّ، ويضعف الثقة في الحلّ الدبلوماسي كما يبدو، خاصّةً في ظلّ استمرار القصف الإسرائيلي على قرى الجنوب ومدنه وعلى الضاحية الجنوبية في بيروت.
أمّا في سورية، حيث لا يوجد صراع نشط بعد سقوط النظام البائد، فقد وسّعت إسرائيل احتلالها للجولان، حتّى إنّها بلغت مناطق درعا والقنيطرة. كما وافقت الحكومة على خطّة تهدف إلى مضاعفة عدد المستوطنين اليهود في الجزء السوري من الجولان المحتلّ. ومن خلال المماطلة في الوصول إلى اتفاق أمني مع الحكومة الحالية في دمشق، يمكن القول إنّ إسرائيل ربّما تسعى إلى كبح النفوذ التركي في دمشق وبقية الأراضي السورية، هذا ما يعرقل تقدّم الملفّ السوري الذي لم يتفق فيه الأميركيون تماماً مع إسرائيل، لأنّ في واشنطن، الشخص المسؤول عن المفاوضات بين سورية وإسرائيل، يهتم أو يصغي إلى مطالب أنقرة وهو توم برّاك. فبعد إبعاد إيران من سورية أصبح التنافس الإقليمي فيها بين تركيا وإسرائيل.
ستكون الحروب الأهلية في المنطقة أخطر وأكثر دمويةً من أيّ حرب أخرى
وبالتوازي مع التوسّع الإسرائيلي في المنطقة وفرض وجودها في الأماكن التي سطت عليها وإقامة وحدات عسكرية فيها، تنشغل شعوب المنطقة، والعالم أيضاً، بالحرب في إيران، ويربطون المستقبل بنتائج هذه الحرب التي على ما يبدو لا موعد منظوراً لنهايتها حتّى لحظة كتابة هذه السطور. وفي الوقت الذي تمضي فيه إسرائيل قدماً، وبكلّ إصرار في مشروعها التوسّعي، وقضم الأراضي الذي سيصبح أمراً واقعاً في المستقبل، تنحدر شعوب المنطقة، خاصّةً في سورية ولبنان، إلى الخلافات البينية، والتنافر الطائفي والثأرية المضمرة، ليأتي تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية الاستعانة بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي يبلي بلاء حسناً، بحسب ترامب، في الحرب على حزب الله ونزعه سلاحه، يأتي هذا التصريح ليشعل الحماسة في نفوس شرائح كبيرة في البلدَين، بل في العراق أيضاً الذي أعلنت عدة فصائل مسلّحة تعقيباً على تصريح ترامب بأنّها جاهزة للدفاع عن حزب الله ومساندته. إنّ هذه هي النقطة الأكثر أهميةً وإثارةً للتوجّس من المستقبل، فإن انزلقت هذه البلدان إلى مواجهة من هذا النوع، فستكون الحروب الأهلية أخطر وأكثر دمويةً من أيّ حرب أخرى. بينما إسرائيل ماضية في مشروعها وحلمها في “إسرائيل الكبرى” الذي يزداد توهّجاً لدى شرائح كبيرة من المجتمع الإسرائيلي ويزداد ترسّخ هذه الأيديولوجيا فيه، هذه الأيديولوجيا المتماهية مع التوسّع الإقليمي والحلم بالسيطرة على الشرق الأوسط قوّةً متفردةً وعليا. أيديولوجية “إسرائيل الكبرى” تهدف إلى تذويب القضية الوطنية الفلسطينية في توسّع إقليمي أكبر، هذا ما تعمل إسرائيل عليه، وهذا ما أكّده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بتصريحه بأنّ الحرب الحالية ستنتهي بتغيير حدود إسرائيل في غزّة ولبنان وسورية والضفّة الغربية.
تتجه الأنظار نحو إيران ولبنان وإسرائيل ودول الخليج، وبينما بات قطاع غزّة منسياً، فإنّ مصير سورية ولبنان يمضي إلى المجهول.
- العربي الجديد























