المهم أن طهران نامت ليلتها آمنة هانئة لم يمسسها سوء، وأعلنت نقل المرشد علي خامنئي إلى مكان آمن حفاظاً على حياته، وفي الكواليس عكف قادتها من محافظين وإصلاحيين جدد على رسم خطط جديدة ليواصلوا تسللهم إلى المجتمعات العربية من أنفاق المذهبية والطائفية ونفاق دعم القضية الفلسطينية، وتحقيق ما تعجز إسرائيل عن تحقيقه.
عاش الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله، في العقدين الأخيرين من عمره بطريقة سرية جداً، فلم يظهر بشكل مباشر منذ الاحتفال الذي أقامه “حزب الله” في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لاستقبال الأسرى المحررين سمير القنطار ورفاقه، إثر حرب يوليو/ تموز العام 2006.
منذ ذلك الوقت، وبعد التهديدات الإسرائيلية الجدية باغتياله، اختفى نصر الله تماماً، ولم يعد يلتقي جمهوره إلا عبر الشاشات، ولم يعد يعلم أحد بمكان إقامته سوى عدد قليل من الدائرة المقربة جداً منه، وكانت الوفود والشخصيات التي ترغب في لقائه تخضع لتدبيرات أمنية مشددة ومعقدة وتمويهات متقنة، فلا يعرف زائره أي طريق سلك ولا من أين دخل أو من أين خرج.
أحاطت السرية التامة بمكان وجود نصرالله على مدى 18 عاماً، وكان حزبه وجمهوره مطمئنيْن إلى الإجراءات الأمنية المتخذة لحمايته، انطلاقاً من ثقتهم بجهاز “حزب الله” الأمني، إلى يوم الجمعة الماضي، حيث سقطت هذه الثقة بالضربة القاضية، وبطريقة صادمة وغير متوقعة، أذهلت الجميع أصدقاء وأعداء.
اغتيل نصر الله، بسبب خرق أمني غير مسبوق لمنظومة “حزب الله” الأمنية، التي حاصر بها اللبنانيين على مدى عقود، وتفوق إسرائيل استخباراتيا وعسكريا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تمكنت إسرائيل من تحديد مكان إقامة نصرالله ورصد حركته والانقضاض عليه وقتله؟
أكثر من 80 طن متفجرات لاغتيال نصر الله
سربت وسائل إعلام عن أجهزة استخبارات إسرائيلية، أن إسرائيل كانت على علم بمكان وجود نصرالله منذ ثلاثة أشهر تقريباً، لكن قرار اغتياله لم يكن قد اتُخذ بعد، حتى الأسبوع الماضي، وحين تم تحديد مكانه بدقة صدرت أوامر الهجوم، فأسقطت الطائرات الإسرائيلية على المكان الذي كان قد وصله للاجتماع بقادة في المجلس الجهادي عشرات الأطنان من المتفجرات، هزت الضاحية ومحيطها، وأسقطت ستة مبان يقطنها مدنيون وأحدثت دمارا هائلا وحفرة عميقة في الأرض، أدت إلى قتله ومن معه وتبخر جثث كل من كان في المنطقة على حد تعبير أحد الأطباء المسعفين.
الصدمة لدى جمهور الحزب ما زالت في بدايتها، مناصرون كثيرون لم يقتنعوا بعد أنه قُتل، ويرون أن العملية برمتها مجرد مناورة أمنية نفذها الحزب لإيهام إسرائيل بأنها تمكنت منه، وفي هذا الوقت استطاع حراسه نقله إلى مكان آمن، لا يعلم به إلا الله.
في حين تجرأ آخرون وليسوا بالعدد القليل على اتهام إيران بالخيانة، وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وبين الناس عبارة “باعونا الخونة” إضافة إلى مواقف تتهم إيران بأنها قدمته قرباناً على مذبح مفاوضاتها النووية وتسوية ملفاتها السياسية والاقتصادية.
بينما سلم آخرون بالنهاية المفجعة، لكنهم توعدوا بالانتقام القريب والقاسي، ولو كان على حساب إفناء الطائفة الشيعية بأكملها.
من جهة أخرى، تتقاطع المعلومات والأخبار أن إسرائيل كان لديها بالتأكيد جاسوس على الأرض، فسرعة معرفة إسرائيل بتحركه من مكان إلى آخر وسرعة تنفيذ العملية وإعلان خبر مقتله، مؤشرات تؤكد تعاون أكثر من شخص وربما جهاز كامل داخل الحزب مع إسرائيل، ومدها بالمعلومات الدقيقة حول العملية من ألفها إلى يائها.
عادة لا يثق جهاز الموساد الإسرائيلي كما يقول بالصورة، ولا يتحرك لتنفيذ أهدافه إلا بعد إشارات تأتيه من العامل البشري على أرض العدو، وهذا الرأي يتوافق مع ما ذكرته صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية في اليوم التالي للاغتيال.
بناء على معلومات أخرى متداولة، تقاطعت تسريبات إعلامية غربية واسرائيلية على فكرة أن تحرك نصر الله الأخير ربما كان بتوجيه إسرائيلي، حيث تمكن الجاسوس من خداع جهاز أمن الحزب، وأوحى لهم أن إسرائيل تخطط لهجوم كبير على الضاحية، ومن الأفضل تغيير مخبأ نصرالله، وعند تحركه كانت الطائرات له بالمرصاد.
السيد اغتيل و”المرشد” في مكان آمن !
على مدى الأسبوعين الأخيرين من شهر أيلول/ سبتمبر، ابتداء من مجزرة أجهزة اللاسلكي، مروراً بحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على لبنان وعلى بيئة “حزب الله” بالأخص، وصولاً إلى اغتيال الأمين العام، يبدو أن “حزب الله” دخل في نفق مظلم وبداية نهاية مغرقة في التراجيديا لركيزتين أساسيتين بنى عليهما سطوته: السلاح والأمن.
ويبدو أن معارضي هذه السطوة، يرون في ذلك فرصة لإنعاش الحياة السياسية في لبنان، وبالتالي، نشطت مشاورات داخلية وخارجية لصياغة خطة سياسية من شأنها احتواء “حزب الله” كمكون شيعي، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، إضافة إلى إحياء المبادرة الدبلوماسية المقترحة لتنفيذ القرار 1701.
المهم أن طهران نامت ليلتها آمنة هانئة لم يمسسها سوء، وأعلنت نقل المرشد علي خامنئي إلى مكان آمن حفاظاً على حياته، وفي الكواليس عكف قادتها من محافظين وإصلاحيين جدد على رسم خطط جديدة ليواصلوا تسللهم إلى المجتمعات العربية من أنفاق المذهبية والطائفية ونفاق دعم القضية الفلسطينية، وتحقيق ما تعجز إسرائيل عن تحقيقه.
- درج


























