حرب أهلية في إعلام النظام أنصار المحور في مواجهة مؤامرة الترفيه الإماراتي

خليل الجلل

جاءَ تعيين زياد غصن وزيراً للإعلام في غمرة صراعاتٍ شديدة ضمن الساحة الإعلامية الرسميّة وشبه الرسميّة في سوريا، تتجلّى في سجالٍ بعثيّ داخليّ بين «الأصولي» و«الحداثي» اصطلاحاً. يسعى الأول إلى ترسيخ المبادئ والحفاظ على تَجهُّم الشخصية السورية كما نَحتتها الطلائع والشبيبة وحصرتها بالجماهير الكادحة ضد الاستعمار والرجعيّة؛ يثمّن هذا التيار المعركة ويسهلُ عنده التخوين والتشبيح. فيما يحثُّ التيار الثاني خُطاه لتجديد الإيديولوجيا ومواكبة الظرف الاقتصادي والتخفُّف من أعباء «الوحدة والحريّة والاشتراكيّة»، ويُصنِّفُ الاتهامات التي تطاله كحالةٍ من الحوار الديمقراطي.

يعتقد إعلاميّون ومؤثرون من حاضنة التأييد، شديدة الولاء للمحور، بوجود مؤامرة على الإعلام السوريّ تتقصد تميّيعه وسَوقه إلى دروب التطبيع، وكان أساسُ هذا الاعتقاد عزوفَ القنوات الرسمية السورية عن بثّ خطابات حسن نصر الله في الشهور الأخيرة. يتصدر هؤلاء مديرُ الإخبارية السوريّة الأسبق مضر إبراهيم، المُتَّهم سابقاً بوهن عزيمة الأمة إثر تحميله حكومة عرنوس المسؤوليّة عن تدمير الإعلام السوريّ في آب (أغسطس) 2023. تُضاف إليه ثلّةٌ منها الإعلاميّة نهلة السوسو وأضرابُها من شخصياتٍ فيسبوكيّة تدور في هذا الفلك. تجترُّ هذه الحسابات المحتوى ذاته، ويجتمع عندها أضلاعٌ ثلاثة: التغنّي بالجيش وقائده و«المقاومة»؛ والعداء للمنتج الثقافي والترفيهي المدعوم من «كيانات التطبيع»، والافتراضيّ منه تحديداً؛ وازدراء فكرة الجندر (النوع الاجتماعي) برمّتها، أي «الليبرالية الحديثة» بتعبيرهم.

لكن كيف للمواطن أن يتابع الإعلام الرسمي في بلادٍ يجتاحها جوع الطاقة، ويتضاءل دور التلفزيون فيها كمنظومة تلقٍّ جماعي بعد انزياح المتابعة نحو المنصات الافتراضية بما فيها من محتوىً عشوائيّ مُوفِّر للبيانات، ولِما الانزعاج من قنواتٍ باتت علاقتها بالسوريين فضائحيّةً؛ تقتصر على عثراتِ برامج المسابقات والاستوديوهات الرياضية ونشازِ ضيوف البرامج الصباحية والمسائيّة؟

تُقدّم الشاشة الرسمية معلوماتٍ عامّة بشأن الاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة، فتكتفي التغطية بترديد بيانات وزارة الدفاع مع شعارها مِلء الشاشة، دون صورٍ للحدث أو تغطية مباشرة من الشارع. يهتمّ البيان بالتوقيت الدقيق للهجوم، ويركّز على أن الاعتداء جرى من فوق لبنان أو الجولان المحتلّ. تنسحق الوقائع أمام شعار وزارة الدفاع؛ فسماؤنا لنا…، وتُحلّق التغطية التحليلية حول الموقف الرسمي والصبر الاستراتيجي بعيداً عن إيضاحاتٍ عسكريّة أو تفسيرات حول وجود مُستهدفين. تُغفَل أسماء «الخسائر البشرية»، فيما يبقى حق الرد وتصدّي الدفاعات، كأركان البيانات السابقة، مجرّد مادّة للتهكّم.

تريّثتُ أثناء صياغة المقال، إذ كان هيكلهُ الأول يضمّ ملامحَ المحتوى الإعلامي السوري الرسمي وغير الرسمي، واستجابة السلطات لنداء الغضب على المنصات «المسيئة لقيم المجتمع». تريّثتُ نتيجةً للأحداث المتلاحقة، ووجدتني أُتابع تغطية الإخبارية السوريّة للغارات التي أفضت إلى مقتل الأمين العام لحزب الله، لأجد المُحاوِرة تسأل ضيوفها بكلّ طمأنينةٍ عن جدوى إلقاء أطنان القنابل على أهدافٍ مدنيّة.

الإعلام السوري كاذب؛ أَصدَقُ ما قيل على الشاشة

لم يُميّز الشاب وهو يضرب بحذائه مراسل الفضائية السورية شادي حلوة في حلب عام 2012 بين عامٍ وخاص، ومعروفةٌ المغالاة التي ميّزت قناة الدنيا. حاليّاً يصبُّ المنتقدون سخطهم على أداء المحطّات الرسميّة، ولا يرضيهم نقل قناة سما «الخاصّة» وإذاعة شام أف أم لخطابات السيّد، طالما أن البثّ الرسمي لا يخرج عن جدوله المعتاد المُعتمَد وفقاً لنظام الرعاية الإعلانية، وذلك حسب زعمهم وهم الأدرى ببواطن «الحظيرة» الداخلية لهذه «المؤسسات»؛ يأتي التمويل من فعالياتٍ تجاريّة ترعى برامج وبثوث مباشرة معيّنة، ولا بدّ من عرض هذه الفعاليات في وقتها بمعزلٍ عن المجريات.

تُشير أصابع اتهاماتهم إلى دورٍ إماراتيّ في تثبيط عزيمة التغطيّة، وفي تركِ المشاهد السوري لقنوات الفتنة التي تنفث سمومها؛ سكاي نيوز والعربية وبحدّة أقل الجزيرة ذات مرتبة السمّ والعسل.

اشتدّت الانتقادات بُعيدَ كلمة الأسد في افتتاح الدور التشريعي، إذ تبع كلمته بساعاتٍ خطابٌ لنصر الله دون أن تبثّه القنوات الحكومية، وذهب الكلام تحت قبة المجلس أَدراجَ الرياح أمام عقدٍ رعائيّ لمنتجاتٍ رديئة، بما فيه من شجاعةٍ تشمل ذكر «العدو الصهيونيّ» دون مواربة.

لا يرى أولئك سوى الوقاحة والتقصير في تنفيذ التوجيهات الرئاسيّة، ولا تتبادرُ إلى ذهنهم ثنائية القول والفعل. وليس الهدف هنا استنباط موقف النظام من الحرب، واقتفاء إشارات إعلامه كدلالةٍ سياسيّة، وهذا مبحثٌ آخر، بل استكشاف فهم «جمهور» هذا الإعلام لنظامه المنتصر وأعدائه المحدقين.

جمهورٌ جُلّه من عاملين سابقين في هذه المنصّات، أشرفوا على سياساتها التي انتهكت كرامة المواطنين السوريين وكذّبت آلامهم، وانتهوا محضَ حمولةٍ زائدة خلّفها النظام عند انتقاله من حبلٍ لآخر. يستقي نموذج هؤلاء مُثُلَه من أدبيات المخابرات، ويختلط لديهم بالتصيّد والدسّ، دون أن تعني «انحيازتهم المُمانعة» شيئاً على صعيد ارتباطهم بخصوم الممانعة في الوقت نفسه. فمثلاً قناة سما التي نقلت خطابات نصر الله الأخيرة يملكها رجل الأعمال محمد حمشو المقرّب من الإمارات، كما يحضر الممثّل «المُمانع بشدة» معن عبد الحق مُشارِكاً في خدمة تسجيل رسائل للمعجبين عبر موقعٍ إماراتيّ. لهذا أن يثير أسئلةً عند الإعلاميّ، ربما عن الإعلام الخاص كفناءٍ خلفي للتوجّه الرسمي أو صعوبة الوضع الاقتصادي، لكن هذه الأصوات تكتفي بكيل الاتهامات على بعض الأشخاص وغض الطرف عن آخرين، فالأسئلة التي تُطرَح أخلاقيّةٌ استعلائيّة من قبيل السؤال مثلاً: مَن سمح ليوسف زيدان بالظهور على شاشة رسمية سوريّة؟ وكيف لديانا جبّور أن تستذكر الياس خوري؟ وهل تعرفون يا من تنعَون خالد خليفة ارتباطاته بالغرب؟ وهل يجوز أن يظهر صوتٌ على القنوات والجرائد الرسميّة يُخالف سردية الممانعة؟

لا حصانة لهذه الأصوات لديهم، إذ تندرج تحت يافطة بدعة الرأي الآخر التي لا تليق بإعلامٍ رصينٍ ذي توجّهٍ وطنيّ، وإن شملت سفير السلطة الفلسطينية أنور عبد الهادي حين يتحدث عن فارق القوة بينهم وبين العدو بعد حادثة البيجرات، والبعثيّ مهدي دخل الله بنَفيه عبر جريدة الحزب أن يكون العدو «أوهنَ من بيت العنكبوت»، وفي ذلك كفرٌ صريح بكلام السيّد. يبلغ التشفّي ذروته مع الوزير السابق عمرو سالم، ففي كلامه تنصّلَ من دورٍ سوريّ في الحرب، متحدثاً عن سردية تربط العمالة بالفساد.

تُطارد هذه الحسابات المنصّات التي تطوف شوارع البلاد سائلةً عن المُساكنة والتبنّي وغير ذاك، في محتوىً مزيّف فاقعِ الركاكة يستجدي اللغط في سبيل المشاهدات، ثم يستدركون: هل التصوير مسموحٌ أصلاً؟ أيضاً ثمة إسفافٌ لا ينتهي بحق «المؤثرات» الحائزات على الإقامة الذهبيّة، ويتشكّل طقسٌ تطهيري مع التعليقات الشاتمة، فيه كلّ من لا ينضوي تحت الصوت الواحد ذي القيود، والمُحارَب من سياسات الخوارزمية بالطبع، مطبِّعٌ عميلٌ في خليطٍ من نظريات المؤامرة وعواجل صافرات الإنذار، وتظلّ فلسطين طبعاً مضمومةً لهذه الحزمة من خطاب الكراهية والريدبلزيّة والدسائس.

الصندوق

شنّت الداخلية نهاية شهر آب (أغسطس) حملات اعتقالٍ ضد مؤسسي الصفحات «المُسيئة لقيم المجتمع السوري»، وطفت على السطح بعض الأسماء منها المؤثر شادي قاسو الذي أُفرِجَ عنه بعد حوالي شهرٍ من احتجازه. في سيرته صورٌ مع نجل الأسد، حافظ، الذي يتردد خبرٌ عن تَولّيه ملف البلوغرز وما ينبغي الترويج له عن سوريا باستقدام مؤثرين عرب وأجانب، يحكون عن بلاد الأسعار الرخيصة والحضارة الضاربة في القدم والطبيعة الغنّاء.

يُشابه المحتوى السوري عالم البسطات، فلا سبيل لحجز زاويةٍ دون صلة أمنيّة تسندُ وتحمي، وإلّا فالقانون بالمرصاد. لكن المُنادين بسفاهة هذا المحتوى لا يقربون هذه الصلات غير المرئية لهم، فيتكلمون عن مصوّري الشارع قليلي الحياء، ويَصمون صنُّاع تلك الفيديوهات بالعهر، رديفهم اللغوي عن تشيّيئ المرأة والاستعراض الجنسي للجسد، باعتبار هذه الاصطلاحات محض ترّهاتٍ ليبراليّة. ونسأل هنا: هل يقترب مصوّر من وسيم الأسد ويلتقط له صوراً في غمرة «انشغالاته»؟

أنهى اعتزالُ أسماء الأسد الشأنَ العام بعد إعلان عودة السرطان لها حقبةَ ظهور آل الأسد الافتراضي، وذلك بعد فترةٍ شهدت كثيراً من جهد العلاقات العامّة عبر إصداراتٍ بصريّة تُحاكي صنع الهواة، كأن تُؤخَذَ صورة مشوار العيد لأفراد لأسرة الحاكمة يأكلون الشاورما، أو صورة من غرفة منزلية في دمشق القديمة بعد زيارة أحد باراتِ باب شرقي، بما يوحي بعفوية الأسرة والتصاقها بالشارع. توزَّعت الأنشطة المغطّاة بين زياراتٍ لمشاغل خياطة أو مشاركةٍ في التشجير، وحتى التجول في الصين، ثم خفتت تلك الموجة. وبينما تحافظ صفحة الرئاسة على اهتماماتها بالرفيق الأمين العام لحزب البعث، وقد باتت أكثر أنشطته ذات طبيعةٍ حزبيّة، يظهر فيديو أخير له بالطريقة السابقة، يحيطه بعض رجال الدين المسلمون بعد صلاة عيد الأضحى الأخير، ينهلون من حكمته ويَطمئنون على صحة الزوجة الصالحة داعينَ لها بالشفاء.

أمّا التلفزيون الحكومي، وقد أسدلَ شريطة سوداء لأيامٍ ثلاث حداداً على السيّد، فقد بادر بنقل كلمة نعيم قاسم، وحصد الوزيرُ الجديد نتيجة ذلك تهليلاً نتيجة التزامه بالتوجيهات العليا، قبل أن تنفضّ عناصر الصندوق إلى زواياها، ويستمرّ كلٌ في موضعه منادياً الشعب السوريّ ليصمّ أذانه عن أيّ رأي آخر.

  • الجمهورية نت
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

يونيو 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist