يشكل التغيير المفاجئ لموازين القوى في حلب، عبء كبير على القوى الأهلية في المرحلة القادمة. يختلف هذا التغيير عن ما حدث مع بداية الثورة السورية، عام 2011، فالتصاعد المتدرج لوتيرة الانتفاضة الشعبية حينها، ساعد بتجهيز أرضية شعبية للتغير داخل المدينة.
ورغم حدة الانقسام السياسي حينها، وانقسام المدينة لمنطقة شرقية، ومنطقة غربية، ألا أن الانقسام الأجتماعي لم يكن بهذه الدرجة التي نراها اليوم، مما يجعل التعامل مع التغييرات الحالية أصعب لإعادة إرساء السلم الأهلي.
ومع ذلك، فإن هذا التغيير قد يشكل فاتحة مفصلية لانتقال كل سوريا لمستقبل أفضل، إذا أُحسنت إدارة هذه المرحلة.
تشكل الخطوات الخمسة المطروحة تالياً، جزءاً من مبادرة مجتمعية سورية تتفهم أهمية التغيير وتسعى لتقوية المجتمع المدني كقوة فاعلة مؤثرة فيه.
والخطوات هي:
1- إعادة تفعيل السلطة القضائية المدنية وتشكيل مجلس أعلى للقضاة في حلب. تشكل هذه الخطوة العامل الحاسم في أي مرحلة انتقالية. فالسلطة القضائية المتمكنة هي الوحيدة القادرة على ضبط التوازن بين المدنيين والقوى العسكرية أو المدنية الحاكمة. ورغم الفساد المنتشر في الجهاز القضائي في المناطق الحكومية، ألا ان المحاكم الشرعية في مناطق المعارضة لم تمثل بديلاً حقيقياً لجهاز قضائي متمكن.
وستزداد صعوبة فرض الانضباط القانوني في حلب، بسبب الموارد المالية الكبيرة للمدينة، وهي الأعلى تاريخياً في سوريا، وبسبب توطين تجمعات مسلحة داخل المدينة عبر السنوات، احترفت تعيش على السرقات وابتزاز أهالي المدنية.
2- تفعيل العجلة الاقتصادية للمدينة. تاريخياً، تشكل الكتلة الاقتصادية للمدينة حوالي 35% من الاقتصاد السوري. وهذه الكتلة الاقتصادية مبنية بالأساس على التكامل مع المدن والمناطق المجاورة. ستتمكن هذه الكتلة الاقتصادية حتماً من رفع المستوى المعيشي للمواطن من وضعها الحالي المزري. لكن هذه العجلة الاقتصادية بحاجة إلة أسواق وإدارة مالية، كما أنها بحاجة إلى مواد أولية يجب تأمينها، إضافة إلى حماية قانونية وقضائية.
3- تعزيز السلم الأهلي. بسبب العدد الكبير للسكان، والتنوع الاجتماعي والديني والعرقي في حلب، فإن تعزيز السلم الأهلي سيُنهي سردية الفرز الطائفي والطبقي في سوريا، وعلاقته بالثورة السورية.
لايتمثل هذا السلم الأهلي فقط بالمحافظة على الجوامع والكنائس، بل أيضاً بالحفاظ على الجمعيات الأهلية وتنشيط النقابات كمنصات للتفاعل الاجتماعي والمدني وتقبل الاختلافات السياسية. سينجم عن غياب السلم الأهلي، موجات هجرة من المدينة، ستُضعف أي موقف داعم للتغيير في سوريا.
4- تنظيم العمل الأهلي والمتطلبات المعيشية للسكان. فسياسه تجويع وإفقار السوريين في كل سوريا، باتت واضحه للجميع. كما أن مقاربه المنظمات الدولية لتزويد المنح والمعونات، عمّقت تحول السوري من منتج إلى مستهلك يتطلع لمنحة السلة الإعاشية الشهرية. سيساعد تغيير الوضع في حلب، على محاولة تغيير هذا الواقع ومحاولة إعادة فرض أولويات وطرق عمل بناءً على احتياجات الناس وليس العكس.
5- دعوة قوة حفظ سلام عربية بغطاء دولي . فمعظم السوريين يتبنون علنا او سراً القرار الدولي 2254، لوقف الحرب والانتقال السلمي. تصطدم هذه الرغبة الشعبية بثلاثة عوامل واضحة: السيطرة الأمنية والتخوف من الهجمات العسكرية للطرف المقابل، غياب التمثيل الشعبي والمدني الحقيقي عن المفاوضات ةتقدم الأهداف الإقليمية على اولويات السوريين أنفسهم.
ستتمكن قوة حفظ سلام عربية من تخفيف التغول العسكري والأمني ولو بشكل غير مباشر، مما سيساعد المجتمع المدني على الإمساك بزمام الأمور وإعادة أولويات السوريين إلة لمقدمة وإيقاف تفكك سوريا وتهجير أهلها.
يشكل التغيير الحاصل في حلب، علامة فارقة لأسباب عديدة، لكن آلية التعامل مع هذا التغيير قد تشكل العامل الحاسم في سوريا لأجيال عديدة.
– المدن


























