بالطبع، لم يرشح شيء عما دار في لقاء بوتين مع الأسد. لكن ما نشره إعلام الكرملين وركز فيه على تقصير الأسد وعدم تطوير جيشيه، في حين كانت فصائل المعارضة منهمكة في تكوين جيش شبه نظامي، يشير إلى الوجهة التي اتخذها الحديث بين الطرفين، وإلى اللهجة التي استخدمها بوتين مع الأسد.
موقع kasparov الروسي المعارض نشر في 29 الشهر المنصرم نصاً، جمع فيه مدونات عدد من الكتاب السياسيين الروس المعروفين، واقتبس من المدونة الأولى عنوان النص “اشتعلت الأرض تحت أقدامه” (الأسد). قدم الموقع للنص بالإشارة إلى “الهجوم المضاد القوي” الذي شنته “قوات المعارضة السورية” على مدينة حلب “ذات الأهمية الإستراتيجية”. أما “الديكتاتور السوري بشار الأسد” فقد طار إلى موسكو. ويرى المعلقون أن توقيت الهجوم المضاد كان “موفقاً للغاية”، حيث أن روسيا وإيران وحزب الله لا يستطيعون مد نظام الأسد بالمساعدة التي قدموها العام 2015.
البوليتولوغ المتخصص بشؤون آسيا الوسطى Arkady Dubnov، قال في مدونته إن الأرض في سوريا قد اشتعلت تحت أقدام الأسد بالمعنى الحرفي للكلمة تقريباً. وهذا وحده يمكن أن يفسر هبوطه العاجل في موسكو اليوم، حتى قبل عودة بوتين من أستانا، وهو ينتظر مساعدة عاجلة من الكرملين. وإضافة إلى وحدات الحرس الثوري والجيش السوري النظامي التي كانت تدافع عن حلب، يشير المدون إلى وجود مقاتلين من “فاغنر” الروسية، وإلى مقتل الكثيرين من الحرس الثوري والمقاتلين الروس.
يستبعد المدون أن تكون العلاقة بين الحدث السوري واتفاق وقف إطلاق النار في لبنان مجرد صدفة. فمواقع إيران في المنطقة قد ضعفت، وانتقل أعداؤها إلى الهجوم على شركائها.
صحيفة الكرملين vz رأت في الاستيلاء على حلب هو بمثابة فتح جبهة حرب ثانية على روسيا في سوريا. وقالت في 30 الشهر المنصرم أن أوساط الخبراء تؤكد أن الأحداث في حلب لم تكن مفاجئة. فالجيش السوري لم يقم بالإصلاحات اللازمة خلال السنوات لأخيرة، بينما كان المسلحون يجرون مناورات عسكرية منتظمة ويتلقون الدعم، بما فيه من أوكرانيا.
ونقلت الصحيفة عن المستشرق Kirill Semenov قوله بأن الحكومة السورية تكشف عن عجز كامل عن إجراء الإصلاحات والعثور على الحلول. ويشمل ذلك جميع القطاعات، بما فيها الجيش. فمنذ العام 2020 لم يتم القيام بأي شيء لتحسين وضع القوات المسلحة شبه المنهارة. وتفاقم الوضع في الأيام الأخيرة مرتبط أيضاً بالقصف الإسرائيلي العنيف على مواقع في لبنان وسوريا، والذي كان يستهدف القوات الموالية لإيران الأكثر استعداداً للقتال، مما حتم عليها إعادة الانتشار، بما في ذلك في حلب. وفاقم هذا من وضع التشكيلات الموالية لإيران في المدينة، وأصبحت في الواقع عاجزة عن القتال، وفرت من مواقعها في مطلع المواجهة. ويرى أن الفصائل التي سيطرت على حلب لم تكن تتوقع سقوطها بهذه السرعة، ويشكك في قدرتها على تولي إدارة مثل هذه المدينة الكبيرة.
وأضاف المستشرق بالقول إن “المجموعات الإرهابية، بما فيها هيئة تحرير الشام، التي تشارك في الاستيلاء على حلب، أنشأت في إدلب جيشاً نظامياً. وهو يخوض الحرب بأسلحة حديثة، ويستخدم الطائرات المسيّرة وتكتيك الهجوم بمجموعات صغيرة”. ويشير إلى أنه تم في إدلب إنشاء حوالى 30 لواء من القوات الجاهزة للقتال بهيكل قيادة واحد. وكانوا يجرون تدريبات عسكرية، وأنشأوا أيضًا أكاديمية عسكرية.
كما نقلت الصحيفة عن Stanislav Tarasov الذي تصفه بأنه خبير في شؤون الشرق الأوسط قوله بتعاون المخابرات الأوكرانية مع هيئة تحرير الشام. وهذا ما تكرره مواقع أخرى من إعلام الكرملين، وتؤكد على مد مقاتلي مجموعات إدلب بالسلاح الحديث وتدريبهم على استخدامه من قبل خبراء أوكران.
كرر Tarasov ما أشار إليه العديد من الخبراء الروس عن دور الضعف الذي أصاب حزب الله بعد الحرب مع إسرائيل في تفاقم الوضع في سوريا. وقال إن هذا الضعف خلق فراغاً قرر الجهاديون ملأه، خصوصاً وأن الوحدات الروسية في سوريا لا تتضمن وحدات قتالية، بل تقتصر على الطيران العسكري.
وبعد أن يشير إلى الدور التركي في ما يجري في سوريا الآن، يقول بأن لإسرائيل مصلحة أيضاً في هذا التصعيد، وهي التي كان بودها لو تحول سوريا إلى لبنان آخر.
صحيفة القوميين الروس SP استضافت ثلاثة خبراء روس تحدثوا عن الوضع في حلب، واستخلصت عنوان نصها من تحليلاتهم “الوضع في حلب يجب أن يؤدي إلى إستسلام كييف الكامل”. وأرفقت العنوان بآخر ثانوي “كيف يصبح تجميد الصراع توريثاً للحرب للأجيال القادمة، كما نرى على المثال السوري”.
استهلت الصحيفة نصها في الأول من الشهر الجاري بالقول إن استيلاء المسلحين على حلب السورية كان حدثاً غير متوقع أبداً لكل من موسكو ودمشق. وكان اختيار التوقيت مثالياً: روسيا منهمكة بأوكرانيا، حزب الله فاقد القيادة ومنهك إثر الحرب مع إسرائيل، وإيران ليس هذا ما يشغلها الآن.
نقلت الصحيفة عن البوليتولوغ Vladimir Blinov قوله بأن الوضع في حلب، هو سوء تقدير كبير من الجيش السوري، الذي وفرت له روسيا كل شروط الأمن الضرورية، لكن السوريين لم يتمكنوا من إبقاء المجموعات الموالية لتركيا تحت المراقبة. ويلوح خلف هذا الوضع دور تركيا التي لا تريد البقاء مراقباً لكل ما يدور في المنطقة من عمليات، بل تتعجل لفرض إرادتها بواسطة أذرعها.
ويرى أن ما يجري يشير إلى أن كل حرب يجب خوضها حتى نهايتها المنطقية، وإلا فإن الميليشيات المشحونة قد تفرض إرادتها في أي لحظة. ويقول إن روسيا هي ضيف على مسرح العمليات الحربية في سوريا، لكن السؤال الرئيسي هو “لشريكنا الاستراتيجي بشار الأسد”. فما هو شكل العلاقات مع القوات الموالية لتركيا الذي يعتبره متاحاً، لأنه، تحت ضغط الجيران الشماليين، لا يستطيع وضع سوريا على سكة السلام. فمن المهم إما أن يتوصل إلى اتفاقية مع الأتراك، وإما أن يكون مستعداً لسحق نفوذهم العسكري.
الخبير السياسي Vladimir Sapunov، ورداً على سؤال ما إن كانت المفاوضات بشأن تجميد الوضع في أوكرانيا التي يحاول الغرب فرضها “علينا”، ستؤدي إلى الوضع نفسه الذي نشهده الآن في سوريا، والتي تم تجميد الوضع فيها نتيجة المفاوضات بين بوتين وأردوغان العام 2020، قال إن لا مكان للمقارنة بين الوضع في حلب والوضع في أوكرانيا. مع العلم أن ما يجري في حلب الآن يؤكد مقولة أن إنهاء الحرب بالمفاوضات لتجميد القتال حيث وصلت الجبهات، يحمل مخاطر تجددها، وهو ما لن يكون في أوكرانيا.
- المدن


























