منذ لحظة التقدم الأولى إلى حلب اتضح أن لحرب سوريا أكثر من هدف واحد “أنها ليست معركة على مستقبل سوريا فقط، بل هي أيضاً معركة على مستقبل إيران في الشرق الأوسط”. وعت إيران أخيراً حقيقة الأمر. روسيا أبدت عدم حماسة لكمين شرق أوسطي محتمل. لم تعد تهمها كثيراً استعادة حلب كما فعلت قبل أعوام، وإنما تعنيها كيفية الاستفادة من دروس حلب لئلا تتكرر في أوكرانيا.
عندما خرج الثلاثي روسيا وإيران وتركيا على الإجماع الدولي في شأن معالجة الأزمة السورية، زادت هذه الأزمة تعقيداً وبدلاً من السير في مفاوضات جنيف تحت سقف تنفيذ القرار الدولي 2254، ذهبت الأمور إلى تحت سقف أستانا.
ارتاح الثلاثي إلى هذا المنحى، وخرج من تحت عباءة مجلس الأمن و”الهيمنة الغربية” عليه وافتتح مسلكاً جديداً اعتقدت روسيا بأنها تقوده في مواجهة الأحادية القطبية. كانت منصة أستانا بالنسبة إليها شكلاً من أشكال العمل على قيام تعددية قطبية عالمية تحاصر وتنهي الأحادية الغربية الأميركية، مثلها مثل مشروع مجموعة دول “بريكس” أو منظمة “شنغهاي” للأمن والتعاون، لكن الخلل فيها تركيبة وأهدافاً كان أعمق بكثير والخلافات بين أعضائها الثلاثة يصعب جسرها لمجرد القول إنهم يلتقون على شعار مواجهة أميركا والغرب، هذا الشعار الذي يلغي حقائق من نوع حق الشعب السوري في الحرية والتغيير وحق الشعب الفلسطيني في السلام واللبناني في استعادة دولته.
كانت خطة تقسيم سوريا إلى مناطق لخفض التصعيد هي أهم ما أنتجته لقاءات أستانا، وبمقتضى تلك الخطة باتت سوريا موزعة بين مناطق بوتين- أردوغان في إدلب ومحيطها ومناطق بوتين- خامنئي في الوسط حول دمشق ثم بوتين في الساحل حول قاعدتي طرطوس وحميميم وأخيراً على حدود الجولان المحتل، وخامنئي على طريق طهران- بغداد- دمشق.
أمضى أطراف الثلاثي أعواماً يختبئون حول تقسيماتهم السورية فيما كان السوريون يوغلون في مآسيهم وهجراتهم من دون بارقة أمل في تغيير مقبل. وكانت أميركا تحافظ في الأثناء على سيطرتها في مناطق النفط بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، معلنة مواصفاتها حرباً احترافية ضد عودة تنظيم “داعش” ومتمسكة بعنوان مجلس الأمن للحل في سوريا. وهي تعرضت في المقابل لانتقادات الثلاثي بوصفها قوات احتلال لم تتمتع بطلب دخول شرعي من بشار الأسد رئيس الدولة المخلعة.
لم تتقدم سوريا طوال هذا الوقت بوصة واحدة نحو الحل السياسي، وبقي نصف سكانها مشرداً في الداخل والخارج وممنوعاً من العودة، وصارت عودته جزءاً من مقايضات النظام على تثبيته واستمراره إلى الأبد، لا حقاً إنسانياً طبيعياً ومشروعاً. والرئيس السوري لم يقُم بخطوة مصالحة واحدة حقيقية على رغم الاحتضان العربي في محاولة لإخراجه من المشروع الخامنئي العبثي الدموي ومن المسارات المفتعلة خارج نطاق الشرعيتين العربية والدولية.
في الأثناء، لم تبذل روسيا جهداً لتحويل مناطق خفض التصعيد إلى نموذج لاحتواء التوتر ودفع هذه المناطق والقوى المسيطرة فيها نحو البدء بعملية سياسية جدية. ومن جهتها مضت إيران في وهم ترسيخ سيطرتها على سوريا باعتبارها المحافظة الإيرانية الـ35 وجسرها نحو المتوسط، حيث “جيشها اللبناني” “حزب الله” الذي سيقيم لها متراساً صاروخياً لا يقهر في وجه إسرائيل، وبه وبالممر السوري ستحقق حلمها المعلن في طرد الأميركيين والإسرائيليين وأعوانهم من “غرب آسيا”.
نسي الروس والإيرانيون جوهر مهمتهم المعلنة في سوريا وهو العمل لحل المشكلة السياسية والحفاظ على الدولة السورية الموحدة ذات السيادة الكاملة، وارتاحوا إلى نقاشاتهم في أستانا ودخلوا في البحث عن توطيد تحالفاتهم الاستراتيجية، وصارت سوريا والمشرق بالنسبة إليهم جزءاً من ساحة المعركة العالمية، فيها تحضر روسيا لتعزيز معركتها الأوكرانية وتتحرك إيران لحماية نظامها وضمان مستقبل الملالي وحكمهم تفاوضاً وحرباً بدماء الأتباع، مع وضد أميركا وحلفائها.
الفصل الأساسي من هذه الحرب حصل فعلاً وكانت نتائجه كارثية، ولقد جربت إيران قدراتها في غزة ولبنان، ففي القطاع انتهت المعركة التي رعتها وشجعتها إلى دمار شامل، وفي لبنان حصدت مقتلة مروعة، وفرضت إسرائيل التسوية التي أرادتها على “حزب الله”، وهي في طريقها للبحث عن أمر مماثل في غزة على رغم اختلاف الظروف.
لم يكُن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، شريك روسيا وإيران في رعاية الشأن السوري، غائباً عن سماع معنى التطورات الحاصلة، وعلى رغم ما قيل عن تلاعبه بعواطف الفلسطينيين والمسلمين فإنه دخل في حملة دعم سياسية وإعلامية لغزة قادته إلى التصادم مع إيران.
- إندبندنت



























