حين أبهرتنا تونس ومصر وليبيا، لم نتجرأ حتى على التخيل أن هكذا تظاهرات ستحدث في سوريا. كنا نقول، النظام السوري لا مزاح معه ولن يتورع عن صنع حمام دم وتكرار مذبحة حماة على امتداد الجغرافيا السورية، وإن الشعب السوري يدرك ذلك، ولن يتجرأ أبداً ولو عشرة أشخاص على التجمهر.
مع ذلك، خرجوا.. ولم نصدق. خفنا أن نصدق. فكانت أنبل ثورة مدنية سلمية بوجه أبشع الديكتاتوريات العربية وأشدها إجراماً.
ما حدث بعد ذلك لم يخيب توقعاتنا. اقترف نظام بشار الأسد أكبر كارثة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق تعبير الأمم المتحدة.
فاجأنا الشعب السوري بشجاعته الفائقة، وبرغبته الحارقة للتحرر وتوقه للخلاص. فاجأنا بقدرته على التضحية والصبر وتحمل الألم، وإصراره على مدى أشهر طويلة لإبقاء ثورته سلمية مدنية، إلى أن بات الصدر العاري بوجه الرصاص انتحاراً.
ومرة جديدة، تأكدنا أن خلاص لبنان من خلاص سوريا والعكس أيضاً. تأكدنا أن ديموقراطية لبنان مشروطة بحرية سوريا والعكس أيضاً. بل تأكدنا أكثر أن حرية الفلسطينيين أقرب للتحقق مع شعوب المشرق الحرة لا بيد الطغاة والمستبدين.
ما لم نستطع كلبنانيين إكماله بانتفاضة عام 2005، رأيناه ممكناً في ساحات سوريا كلها عام 2011.
أغدق علينا السوريون في بدايات ثورتهم أملاً هائلاً. وبالقدر نفسه، غرقنا معهم بالوجع واليأس حين تحولت الثورة إلى مجزرة، وصارت وحشية النظام تفوق كل وصف.
وكانت أكبر المفاجآت القاسية، حين تطوع لبنانيون وعراقيون وإيرانيون وأفغان، لمشاركة بشار الأسد بالمقتلة. لماذا؟ قيل إنها “طريق القدس”!
13 سنة مرت ونحن نمضغ الهزيمة بوصفها غذاءنا الأبدي، القدر المحتوم الذي لا مفر منه. كانت ضحكات الأسد تجلجل في سمائنا، وتحت التراب مئات الآلاف من ضحاياه، ودموع ملايين السوريين الفارين والمنفيين تملأ شوارع العالم.
من أجل بقائه وأسرته، احترقت سوريا بالسلاح الكيماوي وبالبراميل المتفجرة.. وامتلأت الأرض السورية أكثر من أي وقت مضى بأقبية التعذيب والموت والعتمة السادية. من أجل بقائه، كان يجب تجريد السوريين من إنسانيتهم..
انتصر النظام، فأنتج داعش وكل القبح الممكن. أنتج الشبيحة والكبتاغون ووزع المذلة على الذين بقوا في السجن الكبير.
بعد 13 عاماً، وكـ”انتصار إلهي” حقاً، جاء أجمل فجر في تاريخ سوريا. أجمل يوم في تاريخ شعب. أي انعتاق مدوخ هذا. في فجر الثامن من كانون الأول، كانت الولادة العسيرة والإعجازية لبلد ظننا أن الديكتاتورية أجهضته إلى الأبد.
أهذه مشاهد حقيقية في حلب وحماة وحمص.. ودمشق؟ أهذه ساحة الأمويين يرفرف فيها العلم الأخضر ويصدح في فضائها صوت الساروت؟ كنا نقمع النعاس في الرابعة فجراً. وكانت تلك أسرع الدقائق في حياتنا. وكنا نحب التلفزيون ونشرات الأخبار كما لم نحبهما من قبل.
كانت سوريا في تلك الساعة معجزة إنسانية. وها أنا لأول مرة في حياتي استأنس للتكبيرات من المساجد، وأرتجف إذ أسمع سيدة دمشقية تبكي بحرقة مديدة ومكبوتة لأكثر من خمسين عاماً وهي تطل من شرفتها على دمشق المحررة.
في هذا الفجر العظيم، سيرى العالم أولئك الخارجين من عتمات السجون، كأليعاز من قبر. كانوا يشبهون سوريا المرتعشة من نسمات الحرية والشعاعات الأولى لشمسها عند الخامسة فجراً.
كم كان الشعب السوري سخياً ليمنحنا كل هذا.
هذه المرة، يصح القول “شكراً سوريا”.
- المدن


























