كان يمكن لسقوط الأسد أن يكون بلا أي معنى لو أنه لم يترافق برحيل الميليشيات الإيرانية كاملة، والتي كانت تمثل الخطر الأكبر الذي جثم على صدر سوريا وكان يهدد بزوالها أو بقائها تحت الاحتلال الإيراني لفترة غير معلومة.
لقد جاء تحرير سوريا ليقتلع سرطانين خطيرين معاً أوصلا السوريين إلى مرحلة اليأس، فينهي حكم الأسد ومعه الحلم الإيراني الذي عملت إيران على تحويله إلى واقع منذ عشرات السنين، وأنفقت كثيرا من ميزانياتها من أجله ولا سيما حينما اعتقدت أن الفرصة مواتية لاستكمال مشروعها بعد العام 2011، وخسرت من أجل ذلك المشروع -بالإضافة إلى خسائرها المالية الضخمة- الكثير من كبار قادتها وجنودها وأجهزة استخباراتها وأسلحتها.
كانت إيران على وشك الوصول إلى هدفها، قبل أن ينهار مشروعها تماماً بداية من لبنان ومن ثم في سوريا، وهي على وشك خسارة مماثلة في اليمن.
رغم كل القهر الذي تسببت به جرائم الأسد للسوريين، إلا أن فكرة بقائه في السلطة كانت هي الأكثر قسوة وإيلاماً وقهراً من كل مجازره الوحشية، فكيف لشعب كسر جدار الخوف وضحى بمئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين وملايين المهجرين أن تذهب تضحياته هباء ويعود جلاده أقوى مما كان..
ظلت فكرة سقوط بشار الأسد حلماً بعيد المنال بالنسبة للسوريين الذين عانوا ما عانوه من ظلم وبطش وإذلال وترويع وقتل وتهجير على يد الطاغية الأبله وحلفائه وزبانيته وداعميه، بل وكانت كل المؤشرات توحي باستحالة تحول ذلك الحلم إلى حقيقة بسبب الخلل العميق في المنظومة الأخلاقية الدولية التي لم تكن تمانع بقاء حكم الأسد، فضلاً عن توافق معظم الدول العربية والكثير من الدول الأوروبية ليس على التسليم ببقائه فحسب، بل أيضاً على إعادة تدويره والترويج لانتصاره الأخلاقي ومسح سجله الإجرامي.
ورغم كل القهر الذي تسببت به جرائم الأسد للسوريين، إلا أن فكرة بقائه في السلطة كانت هي الأكثر قسوة وإيلاماً وقهراً من كل مجازره الوحشية، فكيف لشعب كسر جدار الخوف وضحى بمئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين وملايين المهجرين أن تذهب تضحياته هباء ويعود جلاده أقوى مما كان، ويرمم جدار الخوف مرة أخرى وبشكل أكثر صلابة؟
فضلاً عن ذلك فإن العار الذي ألحقه الأسد باغتصابه السلطة في واحدة من أهم بلدان الشرق الأوسط، كان وحده كفيلاً بمضاعفة الإحساس بالمذلة والإحساس بطعم الهزيمة الشخصية والوطنية والتي كانت ستبقى ملازمة للشخصية السورية لو لم تحدث معجزة السقوط.
كان بشار الأسد يعيش نشوة انتصاره المتوهم، وهو يعتقده انتصاراً ليس على الشعب السوري فحسب، بل على العالم برمته وعلى الولايات المتحدة الأميركية ذاتها التي أمضت سنوات بعد اندلاع الثورة السورية وهي تؤكد على لسان رئيسها السابق باراك أوباما بأن أيام الأسد معدودة وأن عليه أن يتنحى.
ثم ما لبثت أميركا ذاتها -وهي القوة العظمى- أن التزمت الصمت وأعلنت بشكل غير مباشر عن عجزها عن إحداث تغيير حقيقي في سوريا، بل واقتصرت مطالبها على تغيير سلوك النظام، الأمر الذي فسره الأسد على أنه نوع من الهزيمة لأميركا والتسليم بانتصاره، أو بالأحرى نوع من الخضوع الأميركي لمشيئته، وهو ما أعطاه مزيداً من الثقة باستحالة سقوطه، وجعله يتصرف وكأنه الرجل الأقوى ليس في سوريا وحدها بل في المنطقة، وربما قاده غروره لتصديق مقولة أحد أعضاء مجلس شعبه بأنه يقود العالم.
وإذا كان سقوط الأسد ومعه ميليشيات إيران بمنزلة معجزة حقيقية استطاع السوريون في نهاية الأمر أن يحولوها إلى واقع، فإن ثمة معجزة تعد أهم وأكبر من سقوط الأسد والتي تجسدت في قدرة الإدارة الجديدة على منع كل السيناريوهات الدموية التي كانت مصدر تخوف السوريين في حالة سقوط الأسد، وهي حالات الثأر والانتقام من الطائفة العلوية، وهو الأمر الذي لم يحدث، بل استطاعت الإدارة الجديدة أن تطرح روح التسامي وتلح على الطرح الوطني الصرف الذي استطاع طمأنة الطائفة وتزويدها بالثقة الكاملة لممارسة دورها الوطني بعيداً عن أي نزاع طائفي.
لقد نجح الأسد في زرع الشقاق بين معظم مكونات الشعب السوري وتأصيل العداء بينها، ومن هنا كانت التخوفات من حمامات الدم بمنزلة كابوس إضافي لكل السوريين الذين كانوا يخشون هذا السيناريو ويخشون على إخوتهم من الطائفة العلوية الذين لم يتورطوا في سفك الدم السوري وكانوا مضطهدين من قبل النظام بذات حجم اضطهاد السوريين من الطوائف الأخرى، وكان مستوى الشحن الطائفي مرعباً، غير أن المعجزة حصلت من خلال طريقة تعامل الإدارة الجديدة وتشديدها على حماية السوريين جميعاً بلا أي تفريق.
لقد ربط النظام مصير الطائفة العلوية بوجوده وأوصل بسطاءها إلى قناعة تامة بأن بقاء الأسد وحده هو من يجنبهم تلك المذابح، ولهذا السبب وحده بقيت نسبة كبيرة يؤيدون الأسد رغم كراهية معظمهم له وتعرضهم للاضطهاد على يديه، ليكتشفوا -بعد السقوط- أنهم كانوا يعيشون وهماً رسخه الهارب ليحمي نفسه بهم وليس لحمايتهم.
جاء السقوط السريع والمدوي والمفاجئ ليكون أشبه بزلزال قوي قوض البنى الصلبة التي أمضى الأسدان الأب والابن أكثر من خمسين عاماً في بناء دعائمها بحيث تكون مقاومة لأعتى أنواع الزلازل قبل أن يتضح مدى هشاشتها وقابليتها للاقتلاع من جذورها العميقة.
شكّل السقوط صدمة لا تختلف عن صدمة زلزال ضخم، ولكنها صدمة إيجابية أيقظت الأمل بإنقاذ السفينة السورية التي كانت على وشك الغرق، أنقذت سوريا التي كانت ترقد في حالة موت سريري مع تسليم شبه كامل باستحالة عودتها إلى الحياة.
وبقدر ما كان لزلزال السقوط وقع مميز بنكهة النصر والتعافي والكرامة والحرية لدى معظم فئات الشعب السوري، بقدر ما شكل خيبة أمل وانتكاسة وكابوساً مرعباً لفلول النظام والحلقة الضيقة التي استفادت من استمراره وتعيشت على وجوده، وأثْرت على حساب قوت السوريين وكرامتهم، وكان من الصعب عليها الاعتراف بالهزيمة، الأمر الذي وجدت فيه إيران فرصة جديدة لإحياء حلمها ومحاولة تعبيد الطريق مرة أخرى باتجاه دمشق، أو بالحد الأدنى محاولة إفساد بهجة السوريين بنيل حريتهم وكرامتهم كحالة انتقام منهم بسبب إفشال مشروعها، فراحت تغذي النعرات الطائفية وتبعث رسائل مفكوكة التشفير وارتأت أن تقود الهزات الارتدادية لإثارة الفوضى وصولاً للتأسيس لحرب أهلية بين السوريين.
فشلت إيران في تحقيق حلمها واستكمال مشروعها حينما كان لها نفوذ كبير في سوريا، وتهاوت في أيام قليلة وهربت كل ميليشياتها وكانت أكبر الخاسرين من ضمن كل المتدخلين في الشأن السوري، كانت خسارتها أكبر حتى من خسارة النظام نفسه والذي لم يكن لديه مشروع سوى البقاء في السلطة.
إن فترة ما بعد سقوط الأسد تتشابه إلى حد كبير مع فترة جلاء الاستعمار الفرنسي حيث تتقد الروح الوطنية لدى السوريين بكل طوائفهم، وفي كل مدنهم وقراهم، ولكن الجبل (السويداء) والساحل يعودان اليوم للعب دور مفصلي، فضلاً عن الدور الإيجابي للمسيحيين وباقي مكونات الشعب السوري..
بينما كان لإيران مشروع اعتبرته استراتيجياً وكانت سوريا حجر الزاوية فيه، ومع ذلك ما زالت تتحين أية فرصة سانحة للعودة إلى العبث بالمنطقة من خلال اللعب على وتر الفتن الطائفية ونشر الأخبار الكاذبة والشائعات التي يتم تصنيعها في طهران وتضخيم التجاوزات أو اختراعها إن لم تكن موجودة وزراعة الحقد وسحب الثقة التي أسست بين العلويين والإدارة الجديدة والتي أثبتت أنها لن تسمح بأذيتهم وأنها ستلاحق المتورطين من كل الفئات قضائياً، وهو الأمر الذي أزعج المتورطين من مرتكبي الجرائم فارتأوا أن يدافعوا عن أنفسهم بالهجوم على كل مكتسبات الشعب السوري بدعم من الحليف المهزوم.
وبوقوف عقلاء الطائفة العلوية ضد محاولات فلول النظام وضد تدخلات إيران الخبيثة، عادت سوريا للتعافي من جديد وتلقت إيران صفعة إضافية ستكون بمنزلة الضربة القاضية لمشروعها إذا تحلى السوريون بالوعي الكافي لعبور المرحلة الصعبة التي يمرون بها، وكما كان للطائفة العلوية دور في توحيد سوريا في الماضي من خلال رفضهم لفكرة التقسيم، سيكون لهم دورهم المهم اليوم أيضاً في إنقاذ سوريا من جديد وكل المعطيات على الأرض تؤكد هذا السيناريو.
إن فترة ما بعد سقوط الأسد تتشابه إلى حد كبير مع فترة جلاء الاستعمار الفرنسي حيث تتقد الروح الوطنية لدى السوريين بكل طوائفهم، وفي كل مدنهم وقراهم، ولكن الجبل (السويداء) والساحل يعودان اليوم للعب دور مفصلي، فضلاً عن الدور الإيجابي للمسيحيين وباقي مكونات الشعب السوري، التي تعيش اليوم معاً مشاعر الاستقلال الحقيقية ومشاعر يوم جلاء جديد ومضاعف وهو جلاء المحتل الأسدي والإيراني معاً، في انتظار جلاء باقي الاحتلالات الأقل خطراً.
- تلفزيون سوريا



























