مضى نحو أربعين يوماً على التخلص من نظام الأسد، الذي كان السبب الأساسي في فرض العقوبات الكبيرة على سوريا، عدا العقوبات المفروضة على شخصيات النظام التي يجب أن تبقى سارية، ولم تتخذ القوى الغربية (الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي) إجراءات جدية لرفع العقوبات أو تعليقها عن سوريا بما يفتح الطريق أمام انتعاش للاقتصاد وبدء إعادة الإعمار، وإنما لجأت إلى تعليق مؤقت على بعض القطاعات منها الطاقة، ومن جهة أخرى تستمر بخطاب استعلائي يطالب هيئة تحرير الشام، القوة الحاكمة، بمزيد من الاشتراطات من دون ربط تلك الطلبات بخطة واضحة عملية، كونها مصنفة كتنظيم إرهابي وبالتالي تمنع القوانين في كل تلك الدول من التعامل معها، ناهيك عن العقوبات المفروضة على سوريا من مصادر مختلفة تنفيذية وتشريعية، وهي ما تتطلب وقتاً لرفعها.
تعاني سوريا من عدة مستويات من العقوبات: عقوبات دولية (الأمم المتحدة) وعقوبات من دول غربية مع الولايات المتحدة، وهي متوزعة على العقوبات المفروضة على النظام، التي ينبغي أن تستمر، وعقوبات على سوريا (تحت سيطرة النظام) بشكل عام، وهي الأكثر ضرراً بعملية تعافي سوريا وانتقالها، والعقوبات على هيئة تحرير الشام بسبب تصنيفها كـ “منظمة إرهابية” وعلاقاتها السابقة بتنظيم القاعدة، وفق التصنيف الغربي، ومصدر العقوبات هذه مرتبط بجهات تشريعية وأخرى تنفيذية، وبالتالي فأمر رفعها يستلزم مزيداً من الجهد والوقت، ويتلخص الجهد بالتواصل مع الجهات التشريعية والأحزاب والبرلمانات في البلدان التي فرضت تلك العقوبات، ليس فقط من قبل الإدارة الحاكمة، وإن كانت تتحمل المسؤولية الأكبر، وإنما من قبل الشخصيات المؤثرة والمنظمات والهيئيات المدنية التي لعبت أدواراً سابقة في فرض العقوبات.
صحيح أن الهيئة قادت عملية عسكرية أدت إلى التخلص من نظام الأسدية، وهو إنجاز تاريخي يجب التمسك به بكل الإمكانات المتاحة، ويتطلب منها، كونها الهيئة الحاكمة، السعي للانتقال من الدائرة الضيقة في الحكم نحو المشاركة الأوسع.
صحيح أن الهيئة قادت عملية عسكرية أدت إلى التخلص من نظام الأسدية، وهو إنجاز تاريخي يجب التمسك به بكل الإمكانات المتاحة، ويتطلب منها، كونها الهيئة الحاكمة، والسعي للانتقال من الدائرة الضيقة في الحكم نحو المشاركة الأوسع، إلا أنه هناك ضرورة للابتعاد كلية عن نموذج “الجبهة الوطنية” تحت حجة تجانس فريق العمل، فرغم أن الحكومة الحالية هي حكومة تسيير أعمال كما تصف نفسها، لكنها في الوقت نفسه تشرع بتأسيس أهم نويات الدولة: الجيش والأمن، وكذلك التعليم، وبالتالي يتوجب إشراك الجميع، بمعنى آخر الانتقال من طور الجماعة ذات الأيديولوجية السلفية إلى أحد الشركاء، وليست الجهة الوحيدة في بناء الدولة، وبالتالي التخلص من عقلية دولة الجماعة والانتقال نحو دولة الأمة، دولة المواطنين المتساوين أمام القانون من دون أي تمييز قائم على الدين أو المذهب أو الإثنية، وهو ما يشكل طموح السوريين.
تتعرض الهيئة بوصفها اليوم الجهة الحاكمة لضغوط كبيرة من الخارج، وهو ما تجلى في زيارة وخطاب وزيرة الخارجية الألمانية ونظيرها الفرنسي، حيث ظهرت الوزيرة وكأنها تقدم إنذاراً متجاوزة الدور الدبلوماسي والسياسي لها، وتصور نفسها مع غيرها من ممثلي القوى الغربية كجهة “حريصة” على بناء سوريا وتعافيها، وتتخذ من بعض المشكلات القائمة التي صنعها وعمقها نظام الأسدية، وأهمها مشكلات الأقليات الإثنية والمذهبية، إضافة إلى حقوق النساء ستاراً لخطابها المتعالي “الاستعماري”، مذكراً بمسيرة بناء الدولة السورية منذ مئة عام، وكيف قامت القوتان الاستعماريتان وقتها، فرنسا وبريطانيا، تحت ذريعة حماية الأقليات بوأد مشروع الدولة الوطنية في سوريا، وتأسيس الدويلات المعروفة.
كل هذا يفرض علينا التمسك بخطابنا الوطني وعملنا المشترك لحل هذه القضايا، فهي مشكلات تستلزم حلاً، ولا ينبغي أن تبقى سيفاً مسلطاً على رقابنا، وذريعة للتدخل وضرب إنجاز السوريين الكبير: الخلاص من الأسدية. ولسحب تلك الذرائع والانتقال إلى موقع مطالبة القوى الكبرى برفع العقوبات على سوريا والمساهمة بإعادة إعمارها ووضع سوريا على سكة التطور الديمقراطي، التي يقتضي عودة الرأسمال الوطني كحامٍ للديمقراطية من خلال التنافسية الاقتصادية التي تولد بطريقة ما تنافسية سياسية، علينا مواجهة استحقاقات مهمة وضرورية، وهي مسألة التشاركية في الحكم قولاً وعملاً، والإعلان صراحة عن تبني المشروع الوطني في بناء الدولة القائمة على القانون الذي يضمن ليس فقط التنوع الثقافي والاجتماعي، بل التعدد السياسي الذي يشكل الضامن الحقيقي للبلاد، والطريق الآمن لخروجها من مستنقع الأسدية، والبدء ببناء مكانة لسوريا بين الأمم.
ومن العوامل التي تفسح المجال للتدخلات وإنجاح مساعيها، هي الحالة المجتمعية السائدة في سوريا، تلك الحالة من التفتت التي عمل عليها نظام الأسدية من خلال سياساته الطائفية وأساليبه الإبادية التي حولت المجتمع السوري إلى ما يشبه حبات الرمال. تلك الحالة التي تشكل تركة ثقيلة لا بد من التعامل معها بحكمة من خلال خطاب وسلوك يعيد الحقوق من دون التغاضي عن المحاسبة كمقدمة للعدالة، وبالتالي رسم الملامح العامة لسوريا الجديدة، التي تفسح المجال لجميع أبنائها بالتشارك في بنائها وإدارتها، وهذا يقتضي أيضاً التفاعل بين الإدارة والجمهور، وليس الاتكال عليها، بل ينبغي العمل في بناء الحركة السياسية والمدنية من أحزاب ومنتديات ونقابات كضامن وإطار لحركية المجتمع أمام تغول السلطات التي تجنح بالعموم إلى الاسئثار بمقاليد الحكم، وخاصة في مرحلة الانتقال.
سوريا تعيش اليوم مرحلة انتقال سياسي، يمكن لكل خطوة فيها أن تغير مسار التاريخ، وهذا يتطلب التفاعل بين الداخل والخارج، الذي ينبغي ألا يحدث بعد فوات الآوان.
لا يمكن لسوريا التي تخلصت من أسوأ نظام لصوصي، نظام حول سوريا إلى زنازين ومقابر جماعية ومصانع كبتاغون أن تعيش على المساعدات، وهي الصيغة المتاحة حالياً لتقديم الدعم، ولذلك ينبغي السعي داخلياً وعربياً من أجل إلغاء العقوبات عن سوريا ولو تدريجياً، ورفع تصنيف الهيئة كـ “منظمة إرهابية”، وهو ما يتطلب منها مد الأيادي والتشارك مع الجميع، كونها تتجه نحو أهم عملية انتقالية في تاريخ سوريا خلال مئة عام، تأسيس الدولة من جديد، بما تقتضيه أولاً صياغة دستور جديد أو معدّل، إضافة إلى المبادئ والنواظم الأساسية التي ستؤطر تشكيل الدولة، وكيف ترى سوريا نفسها كدولة في محيطها في هذه المرحلة الزمنية (مدنية ديمقراطية أم إسلامية)؟ وكيف ستكون العلاقة بين المواطن والدولة؟
تلك أسئلة يطرحها السوريون أولاً، والعالم ثانية، وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن السوريين وحدهم سيقررون ذلك سلمياً، فسوريا تعيش اليوم مرحلة انتقال سياسي، يمكن لكل خطوة فيها أن تغير مسار التاريخ، وهذا يتطلب التفاعل بين الداخل والخارج، الذي ينبغي ألا يحدث بعد فوات الآوان. وسيعتمد هذا التفاعل على اتخاذ الحكومة السورية الجديدة إجراءات تكسب دعم السوريين والدول على حد سواء، مثل الولايات المتحدة، التي سيكون دعمها ضرورياً لسوريا للتحرك في اتجاه إيجابي، وفي المقابل، ينبغي على الغرب أن يقدم خطة واضحة نحو رفع هذه العقوبات والاعتراف الدبلوماسي بهيئة تحرير الشام مقابل إجراءات والتزامات من قادة سوريا الجدد، وإذا ما تأخر الغرب، فقد يدفع البلاد نحو الانهيار ويهدر فرصة في المساعدة على انتقال سوريا من الاستبداد.
عسى أن تقدم النقاشات والحوارات والمؤتمر الوطني المزمع عقده والإدارة الحاكمة إجابات تلبي متطلبات السوريين بالعيش بحرية وكرامة وعدالة، ولا شك أن تلك الإجابات ستكون بوابة لرفع العقوبات أو تمديدها، وبالتالي بناء سوريا حرّة جاذبة لأبنائها، أو تكرسها بلداً طارداً تتجه نحو مزيد من الأزمات التي هي وغيرها من البلدان بغنى عنها، أزمات إفقار وتحارب وتهجير وتدخلات، فسوريا اليوم أمام مفترق طرق: التأسيس لدولة تحترم مواطنيها من دون تمييز وإعادة البناء والتفاعل مع العالم أو العزلة والمعاناة.
- تلفزيون سوريا



























