في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز الجبهة الجنوبية لسوريا بوصفها ساحة مفتوحة لتطورات أمنية محتملة مع إسرائيل، وسط غياب نسبي للانتباه الدولي.
فمنذ سقوط النظام السابق قبل نحو عام ونصف، كثّفت إسرائيل من توغلاتها وانتهاكاتها داخل الأراضي السورية، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية، لتفرض تدريجياً واقعاً ميدانياً جديداً يتجاوز منطق الضربات المحدودة إلى نمط من الحضور المستمر.
وهذا السلوك لا يمكن فصله عن التحول الأوسع في العقيدة الأمنية الإسرائيلية عقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي دفع تل أبيب إلى الانتقال من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية هجومية استباقية. وبموجب هذه المقاربة، لم تعد إسرائيل تكتفي بالردع أو احتواء التهديدات، بل تعمل على منع تشكّلها من الأساس، عبر نقل خط الدفاع إلى داخل أراضي الخصوم، وفي مقدمتها سوريا.
هذا التحول يعكس انتقالاً من تكتيك “جز العشب” إلى مقاربة “اقتلاع التهديد من جذوره”، حيث لم تعد العمليات العسكرية ظرفية، بل باتت جزءاً من سياسة دائمة تهدف إلى فرض بيئة أمنية خاضعة لإرادة إسرائيل.
وفي التطبيق العملي، يظهر الجنوب السوري كأحد أبرز ميادين هذه الاستراتيجية. فإسرائيل تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة غير معلنة، تمتد عبر شريط حدودي متدرج العمق، مدعوم بعمليات توغل شبه يومية، وعمليات تفتيش، واستهدافات متكررة لبنى تحتية ومواقع عسكرية، فضلاً عن محاولات بناء شبكات نفوذ محلية. والهدف المزعوم هو منع أي تموضع لقوى معادية مرتبطة بإيران أو فصائل محلية قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد.
هذا التحول يعكس انتقالاً من تكتيك “جز العشب” إلى مقاربة “اقتلاع التهديد من جذوره”، حيث لم تعد العمليات العسكرية ظرفية، بل باتت جزءاً من سياسة دائمة تهدف إلى فرض بيئة أمنية خاضعة لإرادة إسرائيل. كما أن الإصرار على الاحتفاظ بحرية الحركة داخل الأراضي السورية، من دون التقيد باعتبارات السيادة، يشير إلى توجه لترسيخ معادلة جديدة عنوانها: الأمن الإسرائيلي يُصنع خارج الحدود.
غير أن هذه السياسة، رغم ما توفره من مزايا تكتيكية لدولة الاحتلال، تحمل في طياتها مخاطر تصعيد جدية. فاستمرار التوغلات والانتهاكات يضع القيادة السورية أمام معادلة معقدة: إما القبول بالأمر الواقع، بما يحمله من كلفة سيادية وسياسية، أو الانتقال إلى رد تدريجي قد يتطور إلى احتكاك مباشر. وحتى الآن، تبدو دمشق حريصة على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في ظل أولويات إعادة بناء الدولة، إلا أن هذا الحذر قد لا يكون مستداماً في حال استمرار الضغط الإسرائيلي بالوتيرة الحالية.
إلى جانب ذلك، فإن البيئة الإقليمية المحيطة مرشحة لمزيد من التعقيد. فالتوسع الإسرائيلي في سوريا لا يُقرأ فقط في سياق مواجهة النفوذ الإيراني المزعوم، بل أيضاً ضمن محاولة استباق أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تفرز قوى أو تحالفات غير منسجمة مع المصالح الإسرائيلية، تقودها تركيا.
وفي المقابل، تزداد التحذيرات من أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فالتدخل المستمر داخل الأراضي السورية قد يعيد إنتاج بيئات مقاومة محلية، أو يدفع أطرافاً إقليمية إلى إعادة الانخراط بشكل أكثر فاعلية. كما أن تعدد بؤر التوتر، من لبنان إلى غزة وصولاً إلى سوريا، يرفع من احتمالات الخطأ في الحسابات، وما قد يترتب عليه من تصعيد غير محسوب.
تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في سوريا بما يضمن تفوقها الأمني طويل الأمد، لكنها في الوقت ذاته تقترب من حدود قد تفضي إلى انفجار أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو فرضية الصدام العسكري المباشر، وإن لم تكن وشيكة، خياراً قائماً على المدى المتوسط، خاصة إذا استمرت إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها، أو إذا وجدت دمشق نفسها مضطرة للرد تحت ضغط داخلي أو إقليمي. وقد حذرت أطراف إقليمية بالفعل من هذا السيناريو، معتبرة أن تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة للعمليات الإسرائيلية قد يقود تدريجياً إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
في المحصلة، تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في سوريا بما يضمن تفوقها الأمني طويل الأمد، لكنها في الوقت ذاته تقترب من حدود قد تفضي إلى انفجار أوسع. وبين سياسة فرض الأمر الواقع ومحاولات تجنب المواجهة، يبقى الجنوب السوري منطقة مرشحة لأن تكون شرارة تصعيد قادم، إذا لم تُكبح ديناميات التصعيد الحالية، خصوصاً مع الحديث العلني للقيادة السورية عبر الرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني، عن وصول المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي حول التوصل إلى ترتيبات أمنية إلى طريق مسدود، بسبب تمسك الطرف الآخر بمواصلة السيطرة على أراض سورية، خصوصاً قمة جبل الشيخ.
من المرجح أن حكومة نتنياهو سوف تسعى أولاً إلى التعامل مع قضية وجود حزب الله في جنوبي لبنان، سواء عبر المفاوضات التي ترعاها واشنطن، أم عبر حلول عسكرية، أو مزيج بين الأمرين، وبعد ذلك ستوجه بوصلتها نحو الأراضي السورية في محاولة لتثبيت اعتراف سوري رسمي بما تقوم به على الأرض من إجراءات لرسم حدود “المنطقة العازلة” من طرف واحد، والتي تقول حكومة الاحتلال إنها تريدها خالية ليس من السلاح فقط، بل ومن السكان أيضاً، وهذا ما قد يشعل فتيل المواجهة في حال حاولت إفراغ مناطق في الجنوب السوري من سكانها، وفق السيناريو الذي تسعى لتكريسه في جنوبي لبنان عبر منع عودة سكان 55 قرية لبنانية إلى مناطقهم.
- تلفزيون سوريا























