دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تراجع إسرائيل إلى الظل، بعد أن ورّطت العالم بها، حالة من الاستعصاء، فلا حسم عسكرياً محتمل، من دون تورّط أميركي أكبر، لا يريده ترامب، ولا اتفاق سياسياً ممكن، في ظل الشروط الأميركية التي تطلب استسلاماً إيرانياً كاملاً. أمام هذا الواقع، يصبح الانتظار سيّد الموقف، إذ يراهن كل طرفٍ على عامل الوقت لدفع الطرف الآخر إلى التراجع، أو فقدان الاهتمام، أقلّه بالنسبة لترامب.
تعتقد إيران أنها إذا تمكّنت من المناورة، ومنع عودة الحرب، أسابيع أخرى، فقد يصبح بإمكانها الحصول على اتفاقٍ أفضل، أو التملص كليّاً من واحد لا يحقق مصالحها على النحو المطلوب، وقد يفقد الرئيس ترامب حتى الأمل، أو الاهتمام بإيران كلها، كما حصل مع اليمن، عندما أنهى، بصورة مفاجئة، حملة عسكرية، استمرّت 52 يوماً (15 مارس/ آذار-6 مايو/ أيار 2025) باتفاق، توسّطت فيه عُمان، وقضى بامتناع الحوثي عن استهداف السفن في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، في مقابل وقف الضربات الجوية الأميركية… فحوى الحسابات الإيرانية هنا أن الوقت لا يسير لمصلحة ترامب، الذي يواجه استحقاقات داخلية عديدة، أبرزها اضطراره للعودة إلى الكونغرس لطلب الموافقة على استمرار العملية العسكرية ضد إيران، إذ يتيح القانون للإدارة مدة 60 يوماً تنتهي غداً (الخميس)، مع إمكانية تمديدها 30 يوماً إضافية، قبل أن تطلب موافقة الكونغرس على استمرار الحرب. وبالرغم من أن الكونغرس فشل في تقييد صلاحيات الرئيس بخصوص الحرب على إيران، فإن الأخيرة ما زالت تراهن على حصول تغيير بهذا الشأن، نظراً إلى تنامي عدم شعبية الحرب في أميركا، وتزايد الضغوط على أعضاء الكونغرس، مع احتمال تحوّل إيران إلى قضية انتخابية، في ضوء ارتفاع أسعار الطاقة، واقتراب موعد الانتخابات النصفية المقرّرة في نوفمبر/ تشرين الثاني. وتأمل إيران، أيضاً، في ضوء استمرار أزمة إغلاق مضيق هرمز، أن تمارس دول الخليج العربية، المتضرّرة من توقف صادراتها من الطاقة، ضغوطاً أكبر على إدارة ترامب لتليين موقفها في المفاوضات، كما ترجو أن تأتي ضغوط إضافية بهذا الاتجاه من الصين، أثناء القمّة التي تجمع ترامب مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في بكين، منتصف مايو/ أيار المقبل. وربما تعوّل إيران كذلك على رغبة ترامب في أن يسود الهدوء قبل حلول موعد مونديال كأس العالم الذي تستضيفه الولايات المتحدة بالتشارك مع كندا والمكسيك يوم 11 يونيو/ حزيران.
في مقابل الحسابات الإيرانية، تراهن إدارة ترامب على الحصار الذي تفرضه على موانئ إيران منذ 13 إبريل/ نيسان الجاري، وعملية “الغضب الاقتصادي”، التي تلاحق عبرها سفن تهريب النفط في أعالي البحار، لفرض الاستسلام على إيران. وبحسب تقديرات اقتصادية أميركية، تخسر إيران نحو 400 مليون دولار يومياً جرّاء حصار موانئها، ومنعها من تصدير نفطها، الذي يعد مصدر دخل رئيساً لخزينة الدولة. وتقدّر واشنطن أيضاً أن إيران، في حال استمر الحصار، سوف تصبح عاجزة، خلال أسابيع قليلة، عن دفع الرواتب والأجور. وتفيد تقديراتٌ أخرى بأن سوق العمل الإيرانية ربما فقدت، أو في طريقها إلى أن تفقد، نتيجة الحرب والحصار، ما بين أربعة إلى ستة ملايين فرصة عمل، ما ستكون له تداعيات كارثية في بلد يعاني أصلاً من ظروف معيشية صعبة، ومن انهيار في سعر صرف العملة، ونسب تضخم وصلت قبل الحرب إلى أكثر من 40%، على أساس سنوي.
فوق ذلك، يهدّد استمرار الحصار آبار النفط الإيرانية بالإغلاق، وخروج بعضها، كلياً أو جزئياً، من الخدمة، بسبب وصول قدرة التخزين الإيرانية إلى حدّها الأقصى، ما يهدّد بأضرار بالغة قدرة إيران الإنتاجية على المدى الطويل. وتعتقد إدارة ترامب أن الحصار هو ما دفع قيادات الحرس الثوري إلى إرسال وزير الخارجية، عباس عراقجي، إلى باكستان، نهاية الأسبوع الفائت، ليعرض فتح مضيق هرمز مقابل إنهاء الحرب، ورفع الحصار عن موانئ إيران، على أن يجري التفاوض على الملف النووي في مرحلة لاحقة، لكن إدارة ترامب تبدو متردّدة بشأن القبول بالمقترح الإيراني رغم حاجتها لإخراج مضيق هرمز من التداول، لاعتقادها بأن رفع الحصار يفقدها الورقة الأهم في الضغط على إيران لإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي وتسليم اليورانيوم المخصب. باختصار، مع فشل الخيار العسكري في الصراع بين واشنطن وطهران، ينصرف التركيز حالياً على مَن يتحمّل الألم، أكثر مما يتركز على مَن يتسبّب به.
- العربي الجديد
























