في مجلة فورين بوليسي، وفي مقالة كتبها الصحفي الأميركي تشارلز ليستر، وهو عضو رفيع ومدير للبرامج المعنية بسوريا ومكافحة الإرهاب والتطرف لدى معهد الشرق الأوسط، ترجمها لكم موقع تلفزيون سوريا، جاء ما يلي:
في رحلة قمت بها منذ فترة قريبة إلى سوريا، كان هنالك شيء واضح وضوح الشمس، وهو أن السوريين جميعهم مسرورين بتحررهم من القبضة الحديدية التي فرضها عليهم نظام بشار الأسد، ولقد تحولت حالة البهجة العارمة تلك في الوقت الراهن إلى شيء ملهم، وإلى منبع دائم للأمل وللوحدة الوطنية اللذين تبخرا طوال ثلاثة عشر عاماً من الحرب الآثمة.
بيد أن الانتقال السياسي في سوريا يقوم على أسس هشة، وتديره من على قمة الهرم هيئة تحرير الشام، وهي جماعة كانت جهادية في السابق، وماتزال متسلمة لزمام الأمور بعد شهرين واعدين قضتهما في السلطة التي تقوم على دولة محطمة، واقتصاد مدمر، وتحديات أمنية عويصة.
وفي ظل هذه الفرصة السانحة لإعادة رسم قلب الشرق الأوسط، تهافتت الدول الإقليمية، وعلى رأسها السعودية وقطر وتركيا، على العاصمة دمشق، وطرحت عشرات المشاريع الإغاثية والاستثمارية والتجارية وسواها. لكن العقوبات الأميركية والأوروبية التي فرضت بالأصل على نظام الأسد البائد ماتزال في مفروضة، وطالما بقيت كذلك، فإن فرصة الاقتصاد السوري في التعافي ستبقى ضئيلة.
“قسد” المعضلة العويصة
وفي ظل هذه الدينامية الهشة الاستثنائية تبرز معضلة كبرى يتجاهل الكل الخوض فيها، ألا وهي قضية قوات سوريا الديمقراطية، إذ بوصفها شريكاً قديماً للولايات المتحدة في حملتها ضد تنظيم الدولة، أثبتت قسد على الدوام ولاءها ومقدراتها، إذ يعود الفضل للجهود الجبارة التي قدمتها قسد على الأرض في دحر تنظيم الدولة وإخراجه من الأراضي التي احتلها في عام 2019، وخلال السنوات التي تلت ذلك، بقيت قسد تركز وبشكل كبير على احتواء فلول تنظيم الدولة وإذلالهم إلى جانب حراستها وتأمينها للآلاف من مقاتلي تلك الجماعة ومن يرتبط بهم من النساء والأطفال، وذلك داخل السجون والمخيمات التي أقيمت في شمال شرقي سوريا.
وعلى الرغم من أهمية “قسد” الواضحة بالنسبة للولايات المتحدة وللحلفاء ضمن التحالف الدولي، خلصت إلى نتيجة جلية بعد أن أمضيت أكثر من أسبوعاً وأنا ألتقي بسوريين من مختلف أصقاع هذا البلد، وهي أن قسد في سوريا اليوم بعد الأسد أضحت مشكلة بحاجة إلى من “يتخلص منها”.
إذ أجمع كل الرجال والنساء من مختلف المجموعات العرقية والدينية في سوريا ومن مختلف المحافظات السورية على ضرورة توحيد سوريا، ولهذا لابد بنظرهم اليوم من حل “الإدارة الذاتية” التابعة لقسد وذراعها العسكري في شمال شرقي سوريا ثم دمجها تحت قيادة الدولة السورية، كما يجب أن تخضع موارد الطاقة والزراعة الهائلة الواقعة تحت حكمها لسيطرة دمشق. وإلى أن تتخذ تلك الإجراءات، ستبقى النظرة لقسد في الداخل السوري على أنها جهة “محتلة” و”تهديد”، وذلك لأن حس العداء الجمعي تجاه شركاء قسد التابعين لواشنطن لا يمكن لأحد أن ينكره.
منذ كانون الأول لعام 2024، دخلت قسد في مفاوضات مع الحكومة المؤقتة بدمشق حول احتمال عقد اتفاق يقضي بخضوعها لسلطة سوريا الموحدة، ولكن لم تقم أي محادثات شخصية على مستوى رفيع منذ مقتل أكثر من عشرين شخصاً في مدينة منبج الواقعة بالشمال السوري في تفجير بسيارة مفخخة نسب إلى “قسد”، ومع ذلك بقي جميع من قابلتهم من السوريين يفضلون توقيع ذلك الاتفاق، في حين لم يعبر أحدهم عن تفضيله لأي خيار عسكري، على الرغم من أن كثيرين توقعوا بأن تصل الأمور إلى درب مسدود يضحي معه هذا الحل ضرورة.
على الرغم من أني لم أر أياً من الضباط العسكريين الأميركيين خلال رحلتي، سمعت بأنهم شاركوا بصورة فعلية في تسهيل قيام تلك المحادثات، وحضروا اجتماعات رفيعة المستوى في قاعدة الضمير الجوية التي لا تبعد كثيراً عن دمشق، كما أن القيادة الوسطى الأميركية أعطت الضوء الأخضر لقرار الجيش السوري الحر، الذي يعتبر القوة الأصغر الشريكة للولايات المتحدة في قاعدة التنف الواقعة على الحدود الأردنية، وذلك فيما يتصل بحل قوات ذلك الجيش بحيث تخضع لسيطرة الحكومة المؤقتة في سوريا.
وقد التقى جنرال أميركي رفيع المستوى برئيس سوريا المؤقت أحمد الشرع، وجلس معه على انفراد وأثنى على حملته العسكرية التي وصفها بـ”اللافتة” والتي جرى من خلالها عزل الأسد من منصبه، ثم قلده وساماً حسبما ذكر لي أحد السوريين الذين كانوا في القاعة لحظة تسلم الشرع لذلك الوسام.
نقاط التلاقي بين “قسد” ودمشق
إن الصفقة المطروحة على الطاولة اليوم بشأن قسد ليست سيئة، إذ في تغير شاسع عن حقبة الأسد، تعهدت الحكومة المؤقتة في دمشق بمنح كرد سوريا حقوقاً مساوية لجميع السوريين، وأعلنت عن تخطيطها للاعتراف باللغة الكردية كلغة ثانية في سوريا، كما ستحصل شخصيات من قسد ومن الإدارة الذاتية على مقاعد وعضويات في كل المجالس والهيئات الانتقالية في سوريا، وعلى رأسها البرلمان المؤقت واللجنة الدستورية. أما عائدات النفط والغاز السوريين، وكذلك القطاعات الزراعية فسيجري الاستثمار بالتساوي في شمال شرقي سوريا.
نقاط الخلاف بين قسد ودمشق
بعد مرور أسابيع على المحادثات، قبلت قسد بمعظم ما ورد في الاتفاق من حيث المبدأ، وذلك كما ورد في الاجتماع الذي عقد في السابع عشر من شباط بين قسد وجناحها السياسي وأذرع الحكم فيها. ولكن في الوقت الذي قبلت “قسد” بالسر وطوال أسابيع بأن تحل قواتها يوماً ما لتندمج ضمن القوات المسلحة في سوريا الجديدة، بقيت العقبة الكبرى في تلك المحادثات حول الطريقة التي سيتم بها كل ذلك. إذ في الوقت الذي انحازت “قسد” لجميع الفصائل المسلحة الأخرى الموجودة في سوريا وقبلت كغيرها فكرة حل قواتها في نهاية المطاف، أخذ زعيم “قسد” مظلوم عبدي، يطالب بأن يظل عساكر قسد ضمن تكتل متمايز داخل القوات المسلحة في سوريا الجديدة، وذلك حتى يبقى هؤلاء متمركزين في مواقعهم الحالية فحسب والواقعة في شمال شرقي سوريا.
وهذا غير مقبول بالنسبة لدمشق، وذلك لأن جميع الفصائل المسلحة الأخرى الموجودة في سوريا بدأت عملية حل نفسها، وتفرق مقاتلوها وقادتها بين مناطق أخرى في البلد، بعيداً عن مدنهم وقراهم الأصلية، إذ إن ذلك يعتبر خطوة إلزامية بنظر الحكومة المؤقتة والهدف منها الابتعاد عن حالة ظهور إمارات يحكمها أمراء حرب إلى جانب غرس الحس بخدمة الوطن بدلاً من الولاء للجغرافيا أو للطائفة أو للفصيل، ويعد ذلك خطاً أحمر لا مجال لتغييره على الإطلاق، ولكن من دون تحقيق أي تقدم بخصوص هذا الأمر، ستبقى مسألة التوقيع على تلك الاتفاقية بعيدة كل البعد عن التحقق.
مخاطر أخرى
تحتاج السياسة الأميركية المعنية بسوريا إلى تبني التغير الشاسع الذي شهدته سوريا منذ شهر كانون الأول عام 2024، إذ قبل ذلك التاريخ، أسس مجتمع الاستخبارات لحالة تبادل معلومات مثمرة مع الحكومة الانتقالية، وهذه الحالة تتمحور بشكل رئيس حول الهدف المشترك المتمثل بمحاربة تنظيم الدولة، وهكذا جرى إحباط ثماني مخططات لعمليات أزمع تنظيم الدولة على تنفيذها في سوريا جراء هذه الخطة الجديدة في تبادل المعلومات الاستخباراتية بحسب ما أخبروني.
من الواضح أن الجيش الأميركي يبحث عن مفاتيح لحل هذه المشكلة العويصة، ويعد التغير في موقفه الساعي لتشجيع “قسد” على التوصل إلى اتفاق مع دمشق خطوة إيجابية، لكن الوقت يمر، وكلما مر وقت أطول، يحتمل للرغبة بإبرام اتفاق مع “قسد” أن تنحسر، فعلى الحدود الشمالية السورية، هنالك تركيا التي تتربص لسحق قسد في حال انهيار المحادثات تماماً معها، وفي حال ظهور ظرف كهذا، فلن يعترض سبيل تركيا من أجل تحقيق ذلك أي عائق، كما سمعت من مصادر في سوريا بأن العشائر العربية مستعدة للتعاون مع تركيا على تحقيق ذلك.
مايزال لدى واشنطن مصالح مهمة في محاربة تنظيم الدولة الذي عاد للظهور في سوريا في عام 2024 لأول مرة منذ عقد كامل، ولدى الحكومة المؤقتة الجديدة سجل واعد في محاربة تنظيم الدولة، كما أنها تعتزم مواصلة ذلك، لكنها لا تمتلك الإمكانيات الاستراتيجية اللازمة للتعامل مع حركة متمردة موزعة على مناطق شاسعة في البادية السورية، ولهذا يبنغي على الولايات المتحدة أن تبذل قصارى جهدها للتوصل إلى تسوية عادلة تخلق حالة من الاستقرار بين “قسد” ودمشق، لأن هذا من شأنه تحقيق المنفعة لسوريا وكما سيعود بالخير على قدرة الولايات المتحدة في تأمين مصالحها الأمنية القومية ضمن هذه المنطقة الهشة المحفوفة بالخطر من كل اتجاه.
- تلفزيون سوريا



























