أيها السوري:
يفضّل ألا تنتقد، وألا تعطي رأياً يتعارض مع السلطة المحبوبة، فـ “النصر” ما يزال طازجاً، وأغاني النصر ما تزال تسمع في كل مكان، وإن فعلت فمن المرجح أن تتهم بواحدة من التهم الجاهزة التي تتحدد تفاصيها أولا بالسؤال السوري الشهير (من وين الأخ؟) باختصار: عندما يصبح النقد أو الاختلاف موضع اتهام يصبح الحوار بلا معنى.
في غياب القدرة على تفهّم الاختلاف واعتباره ضرورة، وفي الحذر من ممارسة النقد المسؤول والصريح خوفا من اتهام الآخرين، تظهر المشكلة الأكبر، التي تواجه السوريين منذ زمن طويل، وتظهر اليوم واضحة، وهي انعدام قدرتهم على الحوار. فالسوريون لا يتحاورون، هم باختصار يتحاربون، لكن بلا أسلحة وعنف ودم، يتحاربون بعصبياتهم، وبلغة الاتهام، وبالتشكيك، وتسخيف أي رأي مخالف، لا ينتهي الأمر بقبول أو عدم قبول الرأي المخالف، بل يتعداه إلى اعتباره خطراً، وربما يذهب الكثيرون إلى اعتبار الرأي المختلف بمثابة تهديد وجودي وبالتالي فإن الصراع معه هو صراع لا ينتهي إلا بنهايته.
قد يبدو ما سبق تشاؤماً مبالغاً فيه، ومصادرة متعسّفة للمستقبل، وتجعل من قضية الحوار التي تشغل السوريين الآن مجرد محاولات شكلية لا طائل منها، ورغم أنها – أي المحاولات – ما تزال بالفعل حتى اللحظة شكلية، مهما حاولنا تزيين كلماتنا بالمشاعر والأمل، الأمر الذي يضطرك إلى قول ما ترى أنه واجب القول، حتى لو وقعتَ في تهمة “معاداة الثورة” أو “فلول النظام” الجاهزة.
نحن أمام معضلة حقيقية، وحلها ليس سهلاً أبداً في ظل تشظي المجتمع السوري وفي ظل تنامي خطاب الكراهية والعصبيات المنفلتة بلا أي ضابط، وأن الحاجة إلى حوار حقيقي بين السوريين بالغ الأهمية.
بوضوح شديد لا جدوى من هذا الحوار إذا ما استمر العمل عليه بهذه الطريقة.
لماذا تنتقد الآلية التي يتم العمل بها من أجل حوار وطني حقيقي؟، لأنه ببساطة شديدة لا يمكن قيام حوار بخطة مرتجلة، أو بطريقة تجريبية، فالحوار أي حوار يتطلب أساساً ركائز يغدو دونها معلقاً في الهواء، وبلا أي معنى أو هدف.
- يفترض أي حوار بداهة وجود مختلفين، فالحوار لا يكون إلا بين مختلفين بالرأي، وغاية الحوار قد لا تكون إنهاء هذا الاختلاف بنفي رأي وتكريس الرأي الآخر، بل تكون في الأغلب توافقاً بين الرأيين، أو استنباط مقاربات جديدة للحلول ولتعايش الرأيين.
- أيضاً يفترض أي حوار بداهة تحديد محاور الحوار، ومواضيعه، فلا حوار بلا بنود محددة.
- أيضاً يفترض أي حوار تحديد غايته، فلا حوار بلا هدف أو غاية، والهدف قد يتباين بين مرحلة وأخرى، وبين موضوع وآخر، فالحوار من أجل العدالة الانتقالية مثلاً، يختلف عن الحوار في شكل الدولة القادمة، إذ يرتكز الأول على الحوادث والوقائع، ودلالته غالباً الماضي ومجرياته، وكيفية منع حدوثه ومحاسبة المرتكبين، بينما دلالة الثاني هو المستقبل، وطريقة خلق اجتماع سياسي عام يلبي حاجة المجتمع والدولة وتطورهما.
- الحوار يتطلب بداهة ممثلين عن الآراء التي هي موضع خلاف، إذ لا يمكن الحوار مثلاً حول نمط الاقتصاد الذي سيُعتمد في سوريا الجديدة بغياب اختصاصيين اقتصاديين يمثلون أنماطاً اقتصادية مختلفة.
كل هذه المحددات وغيرها تضع ما يجري اليوم حول مؤتمر الحوار الوطني في إشكال بالغ التعقيد، يدفع إلى الاعتقاد بأنه حوار لا طائل منه، وأن كل ما يهدف إليه هذا الحوار هو سد ذرائع بعض الجهات الخارجية، وتقديم بعض الشرعية للسلطة الجديدة.
في حديث للناطق الرسمي باسم اللجنة التحضيرية السيد “الدغيم” قال فيه إن ما سوف يصدر عن مؤتمر الحوار الوطني سيكون بمثابة “توصيات”، بعبارة أخرى فإن هذا الحوار لا نتائج ملزمة له، ويمكن للسلطة الجديدة أن تأخذ بها أو لا تأخذ، وهي من يقرر ذلك، وبالمقابل فهو يعتبر ما صدر عن المجتمعين في مؤتمر إعلان النصر “قرارات”، باختصار شديد، ما اتفق عليه قادة الفصائل المسلحة هو قرارات ملزمة، بينما ما يصدر عن مؤتمر الحوار الذي يفترض به أن يمثل السوريين هو مجرد توصيات.
سوريا الجديدة تحتاج أول ما تحتاج إلى حوار سوري حقيقي بين نخب سورية كفؤة ومختصة، تضع واقع سوريا الراهن أمامها بكل تعقيداته، وتضع طريق الخروج منه نحو سوريا جديدة أهم وجه لها هو مواطنة حقيقية وفصل حقيقي للسلطات، واعتماد الكفاءات وليس الولاءات.
هل يذكرنا هذه بحقبة البعث، فالبعث قائد الدولة والمجتمع، والفصائل هنا قائدة الدولة والمجتمع، والبعث من أجل تزيين هذا الاستبداد وتمريره اخترع كذبة “الجبهة الوطنية الديمقراطية” التي لا تغني ولا تسمن من جوع، واليوم يشبه مؤتمر الحوار الجبهة إياها، مجرد ديكور لشرعية شكلية!
نحن أمام معضلة حقيقية، وحلها ليس سهلاً أبداً في ظل تشظي المجتمع السوري وفي ظل تنامي خطاب الكراهية والعصبيات المنفلتة بلا أي ضابط، وأن الحاجة إلى حوار حقيقي بين السوريين بالغ الأهمية، وعليه فإن الذهاب إلى حوار وهمي، سيكون له تأثير سيئ على طريقة مواجهة التحديات التي تواجهها سوريا المدمَّرة.
لعل المشكلة الأكبر التي تواجه سوريا بسلطتها الجديدة لا تكمن في كثرة التعقيدات الداخلية والخارجية فحسب، ولا بخرابها الشامل اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.. إلخ، أيضاً، إنما تكمن في كيفية وضع خطط القادم، وتحديد الأولويات، والآليات، وفي مدى جدية اختيار الحلول الحقيقية مهما كانت صعبة، أما الحلول المؤقتة، والعلاجات المسكنة فإنها لن تفضي إلا إلى هدوء مؤقت يعقبه انتكاسة أخرى.
المشكلة الأخرى التي تواجه كل السوريين، وليس السلطة الجديدة فقط، والتي هي أيضاً بالغة الخطورة، تتجلّى في القياس على المرحلة السابقة، أي في الإحالة إلى الصيغة التي انتهجها حكم البعث عامة، وحكم عائلة الأسد خاصة، سواء في التعامل مع مؤسسات الدولة، أو في فهم السلطة، أو في علاقة الدولة والمواطن، وكلها أنتجها حافظ الأسد بدلالة احتكار السلطة، أي إنها لم تكن يوماً بدلالة مصلحة سوريا ومصلحة السوريين، وعليه فإن الخطوة الأولى التي يجب على السوريين عموماً العمل عليها هو التأسيس لسوريا مغايرة، سوريا لا يخاطب أفرادها قادتهم كما لو أنهم أنصاف آلهة، ولا يرون في النقد عامل هدم، ولا يرون في الاختلاف عداوة.
سوريا الجديدة تحتاج أول ما تحتاج إلى حوار سوري حقيقي بين نخب سورية كفؤة ومختصة، تضع واقع سوريا الراهن أمامها بكل تعقيداته، وتضع طريق الخروج منه نحو سوريا جديدة أهم وجه لها هو مواطنة حقيقية وفصل حقيقي للسلطات، واعتماد الكفاءات وليس الولاءات.
- تلفزيون سوريا



























