ماهر سليمان العيسى
منذ اليوم الأول لهروب (الفار) كان واضحاً أن الإجراء الصحيح الوحيد في حالتنا هو تشكيل (مجلس حكم انتقالي) لأنه الأسلوب الأمثل الذي سيمكننا من إدارة المرحلة الانتقالية الصعبة جداً ، والتي تزداد صعوبتها مع الانخفاض المتسارع دولياً في الثقة بقدرة السلطة الجديدة في الإمساك بالواقع السوري وتحويل سورية إلى دولة (بدون مشاكل كبرى)، ومنذ اليوم الأول كان واضحاً أن (الذئب) المجاور يرى أن لديه وجبة سهلة ومتاحة والقصد بدقة إسرائيل التي لم توارب في إعلانها عن اعتقادها بأن سورية جاهزة اليوم لما تتمناه، و أنها تحولت إلى دولة فاشلة يمكن أن تتشظى بسهولة عبر آلية التدمير الذاتي، و بطبيعة الحال ستحتاج شظاياها الناتجة لحماية ورعاية خارجية دائمة، وستسقط هذه الشظايا في أحضان عديدة سيكون حتما لإسرائيل حصة فيها، وهذا يعني أننا أمام تصاعد متسارع للدور الإسرائيلي وأثره الخطير جداً. وتصاعد عربدته المحمية من الأمريكي، والتي في الغالب ستواجه بلي الرقاب والأيدي المغلولة من بقية العالم وفي مقدمتهم العرب.
سورية اليوم في لحظة فاصلة، توجب (عاجلًا) إعادة ترتيب استراتيجيتنا وتكتيكنا وأدواتنا كسوريين، وعلى رأس هذا إعادة تشكيل السلطة المؤقتة لتكون فيها أكثر تمثيلًا بهدف تحقيق أكبر التفاف (حقيقي) ممكن حولها كضرورة تزداد أهميتها، ولتملك أكثر القدرة على المناورة السياسية بمواجهة الضغوطات التي ترمى علينا من كل الجهات، وليتوافر لهذه السلطة أوسع استفادة من علاقاتها الدولية، فأي سلطة مؤقتة اليوم (أياً كانت) ستصطدم باستحقاقات مصيرية تزدحم وتتكثف وتتلبد بفعل فاعل غالباً، وهذا -على الأقل – يحتم مواجهة وهزيمة كل من يساعد إسرائيل في سياستها هذه من الداخل أو الخارج، عن وعي أو غباء. ناهيكم عن تفاقم جبل الأزمات العاجلة التي ورثناها عن نظام الخنزرة السابق.
لا بد الآن من (وقفة عملياتية) نحدد فيها نقاط الضعف والقوة، والفرص والمخاطر، ونقوّم فيها ما تم خلال ثلاثة أشهر، وهو في حالتنا زمن طويل، لأن ما جرى في كل يوم منها، كان اشكالياً وتجريبياً فنحن لسنا دولة مستقرة وكل شيء فيها يومياً يتغير أو يهدد. وتدار بدون خبرات أو خطة واضحة مسبقة، وهذا النوع من الوقفات يجب أن يتم بشكل دوري حتى نستقر على استراتيجية متفق عليها وخطة عمل وطنية، تمثل رأي التوافق الوطني.
وبشكل عام يمكن القول أن هناك ملامح رئيسة يمكن أن تشكل المشهد الوطني السوري اليوم وتحدد مساراته وتحتاج لإعادة تقويم وتحديد موقفها الحالي وعلى رأسها :
- المهمةَ الأولى التي فرضها الواقعُ ليستْ إعادةَ إنتاجِ السلطة، بلْ إعادةَ إنتاجِ الدولةِ والعقدِ الاجتماعي. والأهمَ إعادةَ تأهيلِ المجتمعِ السوريِ للعيشِ المشترك. وهذه مهام لا يستطيع طرف مهما عظمت كفاءته إنجازها لوحده. فاين نحن الآن من هذا، وهل نحن هنا على المسار الصحيح؟
- كلَ شيءٍ يمسُ حياةً السوريينَ بحالةِ كارثة، وبحاجةِ لحلولٍ إبداعيةٍ وعاجلةٍ جدًا. وسيحتاج لتظافر الجهود من الجميع. فهل استطعنا أن نحدد جدول الأولويات، وما هي الفرص التي يمكن أن نستفيد منها اليوم؟
- الحدَ الأدنى منْ المواردِ المطلوبة لا يتوفر، وسيحتاجُ توفيرهُ معَ الحفاظِ على استقلاليةِ القرارِ إلى تبادلِ أدوارِ وبراعةِ استثنائية. فاين نحن من معالجة هذه الملفات، وماهي فرص نجاحنا؟
- بعد ما حدث في الساحل السوري، ازدادت الصعوبات في العلاقة مع الغرب والاتحاد الأوربي بشكل خاص، والسوريون اليوم بأمس الحاجة للإفراج عن أموالهم المجمدة، والمساعدات الدولية. ورفع العقوبات. فما هي استراتيجيتنا في معالجة هذا الواقع الذي يتدحرج ككرة الثلج المدمرة؟
- السلطةِ بوضعها الحالي ستكونُ مضطرةً لمراوغةِ الثعالبِ في الداخل، والذئابُ في الخارجِ في آنٍ معا وهذا ما سيؤخر أي حل أو إنجاز عاجل ومطلوب. والأكيد أن هناك أطرافاً عدة سيساومونها على ما يمكن أن يسمى مصالح عليا للسوريين. فكيف نشكل مظلة سياسية تحميها وتحمينا ككل، وتساعدنا على إنجاز المطلوب؟
- السلطةِ الحالية ستحملُ مسؤوليةَ أيِ تأخيرٍ أوْ فشل، ولكنها لن تدفع ثمنه هي لوحدها، بل سيدفع ثمنه كل السوريين.
إذاً .. المطلوب اليوم بوضوح صيغة أخرى للإدارة والاستراتيجية تتشكل من (مجلس حكم انتقالي) تتوزع فيه الأدوار، ويمكن أن يتشكل على أساس تمثيل الوحدات الإدارية أي المحافظات الـ 14 (أي على أساس تمثيل الوحدة الإدارية وليس على أساس مذهبي أو عرقي) بشخصية واحدة لكل محافظة (مثلاً) من الشخصيات السياسية الوطنية في هذه المحافظات المؤثرة داخليًا ودوليًا وليكن هذا المجلس برئاسة أحمد الشرع برقم 15. يقوم هذا المجلس بكل الأعمال السيادية المطلوبة، ويسمي هذا المجلس الحكومة الانتقالية المنتظرة كحكومة تكنوقراط متخصصة غير سياسية. من جهته يعدل الإعلان الدستوري الذي تسبب بإثارة الغبار أكثر مما أنتج هواءً نقياً ليبنى من جديد على أساس استيعاب هذا التغيير في الاستراتيجية، فالواقع اليوم لم يعد كافياً أمام حجم الثقوب المريع التي تتوسع يومياً في المركب الوطني السوري، وليس أمامنا لتتماسك مركبنا السورية المهشمة، إلا أن نسد الثقوب فيها بأجسادنا حتى نجتاز هذه العاصفة، فلا يقل لنا أحد اليوم ولا يهمكم دعوا الأمر لي.
- كاتب سوري


























