الحديث عن انتهاء دور جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، لا ينبغي فهمه بوصفه إعلاناً إدارياً عن حل تنظيم، ولا بوصفه تمنياً باختفاء تيار فكري واجتماعي بجرة قلم. التنظيمات التاريخية لا تنتهي بقرار، كما أن الأفكار لا تموت ببيان سياسي. لكنها قد تفقد وظيفتها، وتتجاوزها المجتمعات، وتصبح بنيتها القديمة عاجزة عن التعبير عن التحولات الجديدة.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن عصر الإخوان المسلمين في سوريا، بوصفهم الإطار المركزي الذي يحتكر تمثيل الاسلام السياسي السني، قد وصل فعلياً إلى نهايته التاريخية، حتى لو استمر التنظيم قانونياً وإعلامياً سنوات اخرى.
الجماعة ما زالت قائمة، وما زال قادتها يرفضون الدعوات إلى حلها، بل أعلنت في بياناتها بعد سقوط النظام انها ترى نفسها داعمة لبناء ما تسميه دولة مدنية حديثة بمرجعية اسلامية، وان وجودها لا يتعارض مع الاندماج في الحالة السورية الجديدة. وهذا يعني ان الحديث عن انتهاء الاخوان لا يصف واقعا تنظيميا مكتملا، بل يطرح قراءة حول انتهاء الحاجة التاريخية إلى التنظيم بصيغته القديمة.
التنظيم الذي صنعه المنع
لفهم نهاية الاخوان، يجب اولا فهم الظروف التي صنعت دورهم.
نشأت الجماعة السورية في مرحلة كانت الحياة السياسية فيها قائمة على الاحزاب والبرلمان والنقابات، وشاركت في العمل السياسي العلني قبل استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963. وبعد منع الاحزاب وإغلاق المجال العام، تحولت الجماعة تدريجيا من حزب سياسي ينافس داخل الدولة إلى تنظيم معارض يعمل خارجها، ثم دخلت قطاعات منها في مواجهة مسلحة مع النظام في أواخر السبعينيات، وانتهت تلك المرحلة بالمجزرة التي ارتكبها النظام في حماة عام 1982.
لم يكن نفوذ الاخوان ناجما فقط عن قدرتهم التنظيمية، بل عن فراغ سياسي كامل صنعه النظام. فحين منع الأسد الاحزاب، ودمر النقابات، وحول البرلمان إلى مؤسسة شكلية، لم يعد السوريون يملكون قنوات طبيعية للتعبير السياسي. في ذلك الفراغ ظهرت التنظيمات السرية والمنفية بوصفها بديلا عن الحياة الحزبية الطبيعية.
وبذلك كان النظام، من حيث لا يريد، واحدا من اهم منتجي ظاهرة الاخوان. لقد منحهم صورة التنظيم الاكثر تماسكا في مواجهة الاستبداد، ثم حولهم قانونيا وإعلاميا إلى العدو السياسي والديني الاول، حتى صار الانتماء اليهم أو مجرد الاشتباه بالتعاطف معهم سببا للاعتقال أو الإعدام.
لكن التنظيم الذي يكتسب اهميته من وجود نظام يمنعه ويطارده، يفقد جزءا كبيرا من وظيفته عندما يسقط ذلك النظام.
سقوط الأسد أسقط الوظيفة التاريخية للاخوان
بعد سقوط النظام، لم يعد السوري السني بحاجة إلى جماعة سرية أو تنظيم منفي حتى يعبر عن هويته الدينية أو موقفه السياسي. لم يعد الاخوان هم البوابة الوحيدة، ولا حتى الرئيسية، التي يمر عبرها الاسلاميون أو المحافظون إلى المجال العام.
الخريطة الاسلامية السورية تغيرت جذريا خلال العقود الماضية. فقد ظهرت تيارات سلفية محلية، وشبكات دعوية وصوفية، وجماعات ثورية مسلحة، ونخب محافظة مستقلة، ورجال اعمال ومتخصصون ومثقفون يجمعون بين المرجعية الاجتماعية الدينية وبين مفاهيم الدولة الحديثة. وتشير قراءات حديثة للمشهد السوري إلى ان تأثير التنظيمات الاسلامية السياسية التقليدية، ومنها الاخوان، بقي محدودا مقارنة بصعود قوى محلية جديدة تشكلت داخل سوريا خلال الحرب.
حتى خلال سنوات الثورة، حين كان الاخوان من اكثر قوى المعارضة تنظيما في الخارج، واجهوا مشكلة جوهرية: قيادة مسنة تعيش في المنفى وتحاول التأثير في ثورة يقودها جيل شاب تشكل داخل البلاد. وقد رصدت دراسات مبكرة هذه الفجوة بين قوة الجماعة داخل مؤسسات المعارضة وضعف حضورها الاجتماعي المباشر داخل سوريا.
اليوم ازدادت هذه الفجوة عمقا. فالجيل السوري الذي خاض الثورة والحرب والنزوح واللجوء لا ينظر إلى السياسة من خلال الانقسامات التي سادت في خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. هذا الجيل لا يريد بالضرورة حزبا عقائديا يشرح له العلاقة بين الاسلام والسياسة، بل يبحث عن الامن والعمل والعدالة والكرامة وإعادة بناء الدولة.
لهذا لا ينتهي الاخوان لأن خصومهم هزموهم فقط، بل لأن المجتمع السوري تجاوز الوظيفة التي كانوا يؤدونها.
من التنظيم العقائدي إلى المجال الاجتماعي الواسع
الخطأ الذي تقع فيه بعض القراءات هو الاعتقاد بأن تراجع الاخوان يعني تراجع الدين في المجتمع أو انتصار العلمانية السياسية بصيغتها التقليدية.
الواقع مختلف.
المجتمع السوري، ولا سيما في بيئاته السنية الواسعة، مجتمع محافظ ومتدين بدرجات متفاوتة، لكن هذا التدين لم يكن يوما ملكا للاخوان. التدين السوري أقدم من الجماعة، وأوسع منها، واكثر تنوعا من قدرتها على احتوائه. ففي سوريا تدين مديني دمشقي وحلبي، وتدين ريفي وعشائري، وتصوف شعبي، ومدارس فقهية، ومحافظون غير حزبيين، ومسلمون يؤمنون بالدين بوصفه مرجعية اخلاقية وثقافية من دون الرغبة في إقامة تنظيم ديني مغلق.
ولهذا فإن ما سيملأ الفراغ بعد الاخوان ليس حزبا اسلاميا آخر بالضرورة، بل كتلة اجتماعية واسعة تجمع بين المحافظة الدينية والانفتاح السياسي والاقتصادي.
هذه الكتلة لن ترى تناقضا حتميا بين الاسلام والديمقراطية، ولا بين الالتزام الديني والحريات الفردية، ولا بين هوية المجتمع والدولة المدنية، ولا بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية. وهي لن تحتاج إلى العودة إلى ادبيات التنظيمات العابرة للحدود كي تعرف موقعها السياسي.
سيكون انتماؤها سوريا قبل ان يكون تنظيميا، ودستوريا قبل ان يكون عقائديا، ووطنيا قبل ان يكون امميا.
كيف يجتمع الدين والليبرالية؟
قد يبدو الجمع بين الدين والليبرالية متناقضا لدى من يفهم الليبرالية بوصفها عداء للدين، أو يفهم التدين بوصفه مشروعا للسيطرة على المجتمع. لكن التاريخ السياسي يقدم نماذج عديدة لتيارات محافظة ديمقراطية تجمع بين القيم الدينية وبين المؤسسات الليبرالية.
فالليبرالية السياسية لا تشترط ان يكون المجتمع بلا دين، بل تشترط ان تكون الدولة محكومة بالقانون، وان تكون السلطة محدودة، وان يتمتع المواطنون بحقوق متساوية، وان يجري تداول السلطة سلميا، وان تكون الانتخابات والمؤسسات هي مصدر الشرعية السياسية.
أما المحافظة الدينية فتعني، في صورتها الاجتماعية، احترام الاسرة والتقاليد والقيم العامة والهوية الثقافية للمجتمع، من دون تحويل هذه القيم إلى جهاز حزبي يحتكر تفسير الدين أو يفرض وصايته على الناس.
وعندما تلتقي المحافظة الاجتماعية مع الليبرالية السياسية، تتشكل كتلة وسطية تستطيع مخاطبة أغلبية المجتمع من دون تخويف الاقليات، وتستطيع حماية هوية البلاد من دون بناء دولة دينية، وتستطيع الانفتاح على العالم من دون الذوبان فيه.
هذه الصيغة ليست مستحيلة في سوريا، بل ربما تكون اكثر الصيغ انسجاما مع بنيتها الاجتماعية.
لماذا ستكون هذه الكتلة قوية؟
هناك مجموعة من العوامل التي تدفع نحو نشوء كتلة سورية محافظة وليبرالية في الوقت نفسه.
اولا، فشل الاستبداد العلماني.
لقد استخدم نظام الأسد شعارات العلمانية والتقدمية والقومية لتغطية حكم أمني عائلي، فأصبح لدى قطاعات واسعة من السوريين شك عميق تجاه كل خطاب يفصل الحداثة عن الحرية. لم يعد كافيا ان يصف أي نظام نفسه بأنه علماني حتى يكتسب الشرعية. التجربة السورية اثبتت ان الدولة قد تكون علمانية في خطابها، لكنها طائفية في بنيتها واستبدادية في ممارساتها.
ثانيا، فشل التنظيمات العقائدية المغلقة.
كما فشل البعث في احتكار القومية، فشلت التنظيمات الاسلامية في احتكار الدين. السوريون دفعوا ثمنا هائلا بسبب الايديولوجيات التي قدمت الولاء للتنظيم على الولاء للدولة، وحولت المجتمع إلى اتباع وخصوم. ولهذا سيكون المزاج السوري المقبل اكثر ميلا إلى التيارات المرنة وأقل ثقة بالاحزاب التي تدعي امتلاك الحقيقة الكاملة.
ثالثا، تجربة اللجوء والاغتراب.
ملايين السوريين عاشوا في أوروبا وتركيا ودول الخليج وغيرها، واحتكوا بأنظمة اقتصادية وإدارية وتعليمية مختلفة. هذه التجربة لم تحولهم بالضرورة إلى علمانيين، لكنها عرفتهم على معنى المؤسسات والقانون والبلديات والانتخابات والادارة العامة وحقوق المواطن.
السوري الذي عاش في ألمانيا، مثلا، يستطيع ان يكون متدينا ومحافظا، وفي الوقت نفسه مقتنعا باستقلال القضاء وحرية الصحافة وتداول السلطة وحقوق الملكية. هذه ليست ازدواجية، بل تركيب سياسي واجتماعي جديد.
رابعا، صعود الطبقة المهنية.
الأطباء والمهندسون ورجال الاعمال والاكاديميون والاعلاميون والناشطون الذين تشكلوا خلال سنوات الثورة واللجوء لا يجد كثير منهم نفسه داخل التنظيمات العقائدية القديمة. هؤلاء يريدون دولة مستقرة تحمي مصالح المجتمع، وتضمن الحريات، وتفتح المجال للاستثمار والتعليم والعمل، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للبلاد.
هذه الفئات هي المرشحة لتشكيل العمود الفقري للتيار الجديد.
هل السلطة الحالية بديل عن الاخوان؟
من الخطأ اختزال التحول الجاري بالقول إن جماعة اسلامية جديدة استبدلت جماعة قديمة.
القوة التي تولت قيادة المرحلة الانتقالية جاءت من خلفية مختلفة تماما عن خلفية الاخوان. لقد تشكلت في الحرب، ومارست سلطة محلية، وامتلكت جناحا عسكريا وأمنيا، ثم انتقلت من خطاب جهادي عابر للحدود إلى خطاب وطني يسعى إلى الاعتراف الدولي وبناء مؤسسات الدولة.
وصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه نزع للتطرف جرى من أعلى القيادة، مع بقاء أسئلة مفتوحة حول عمق التحول داخل المؤسسات والقواعد. كما أن تركيز السلطة في شبكات ضيقة، وضعف المشاركة السياسية الواسعة، واستمرار المخاوف المتعلقة بالتعددية والفصل بين السلطات، كلها تجعل من المبكر اعتبار النموذج الحالي الصيغة النهائية للحكم السوري.
لذلك فإن انتهاء دور الاخوان لا يعني منح أي سلطة جديدة حق احتكار المجال الديني أو السياسي. فإذا انتهى احتكار الاخوان لتمثيل الاسلام السياسي، فلا ينبغي ان يحل مكانه احتكار جديد صادر عن سلطة الدولة.
البديل الحقيقي ليس تنظيما اسلاميا منتصرا، بل فضاء سياسي مفتوح يسمح للمحافظ والليبرالي والقومي واليساري والمستقل بالتنافس تحت سقف الدستور.
الكتلة الجديدة ليست حزبا واحدا
الكتلة الاجتماعية المتوقعة لن تكون تنظيما هرميا له مراقب عام ومجلس شورى ومكاتب سرية. ستكون فضاء واسعا يضم احزابا وشخصيات ومؤسسات وجمعيات ونقابات ورجال اعمال ومثقفين ومجالس محلية.
قد تختلف مكوناتها في الاقتصاد والسياسة الخارجية وشكل النظام الانتخابي، لكنها ستلتقي على جملة مبادئ مركزية:
الدولة الواحدة ورفض التقسيم
المواطنة المتساوية
احترام هوية المجتمع الدينية والثقافية
عدم احتكار الدين من حزب أو سلطة
حرية العمل السياسي والإعلامي
استقلال القضاء
حماية الملكية والاقتصاد المنتج
تداول السلطة
احتكار الدولة للسلاح
ورفض عودة الحكم الأمني تحت أي شعار
هذه المبادئ تستطيع ان تجمع قطاعا واسعا من المتدينين المعتدلين والليبراليين الوطنيين والمحافظين الاجتماعيين والطبقات الوسطى.
لماذا قد يخرج منها الرؤساء والوزراء؟
في الدول المستقرة، لا تنتج القيادة السياسية من الهامش الايديولوجي، بل من الكتلة الاجتماعية التي تمثل الوسط الواسع.
إذا نشأت في سوريا طبقة سياسية تجمع بين هوية المجتمع ومتطلبات الدولة الحديثة، فإنها ستكون الاكثر قدرة على إنتاج الرؤساء والوزراء والبرلمانيين والإداريين. ليس لأنها ستحتكر الدولة، بل لأنها ستملك اللغة السياسية القادرة على التواصل مع معظم السوريين.
التيار المتشدد دينيا سيجد صعوبة في طمأنة الاقليات والنساء والنخب المدنية والمجتمع الدولي. والتيار العلماني المتطرف سيجد صعوبة في التواصل مع مجتمع محافظ يرى الدين جزءا اساسيا من هويته. أما التيار الذي يجمع بين القيم الدينية والدولة المدنية فسيكون اكثر قدرة على بناء التحالفات العابرة للمناطق والطوائف والطبقات.
لكن القول إن هذه الكتلة ستحكم سوريا لعدة قرون يجب فهمه بوصفه تعبيرا سياسيا عن العمق المتوقع، لا نبوءة يمكن اثباتها. فالمجتمعات لا تمنح أي تيار تفويضا ابديا، وكل كتلة قد تنقسم أو تفشل أو تفسد إذا غابت الرقابة والمؤسسات.
القوة الحقيقية لا تأتي من الادعاء بأنها ستحكم طويلا، بل من قدرتها على قبول الخسارة الانتخابية، وتداول السلطة، وتصحيح أخطائها.
الخطر: صناعة اخوان جدد بلا اسم الاخوان
قد يختفي اسم الاخوان، لكن العقلية الاخوانية بمعناها التنظيمي قد تعود بأسماء جديدة.
والمقصود هنا ليس التدين، بل مجموعة ممارسات سياسية: التنظيم المغلق، والولاء للجماعة قبل الدولة، والخلط بين الدعوة والسلطة، واحتكار تفسير الدين، وتقسيم المجتمع إلى اهل مشروع وخصوم مشروع.
إذا انتقلت هذه العقلية إلى حزب جديد أو مؤسسة دينية أو جهاز حكومي، فلن تكون سوريا قد تجاوزت تجربة الاخوان، بل غيرت الاسم فقط.
لذلك لا يكفي القول للسوريين: انسوا شيئا اسمه اخوان. المطلوب بناء نظام سياسي يجعل وجود التنظيمات السرية والمغلقة غير ضروري وغير جذاب. وهذا لا يتحقق بالقمع، بل بفتح المجال العام، وإصدار قانون عصري للاحزاب، ومنع التمويل السياسي الغامض، وضمان شفافية التنظيمات، والفصل بين المؤسسات الدعوية والمؤسسات الحزبية.
سوريا لا تحتاج إلى استئصال التيارات بل إلى تجاوزها
تجربة البعث تعلمنا ان استئصال الاحزاب بالقانون لا ينهيها، بل يحولها إلى تنظيمات سرية ويمنحها مظلومية تاريخية. ولذلك فإن إنهاء دور الاخوان لا ينبغي ان يتم من خلال الحظر الأمني أو اجبار افرادهم على الصمت.
الطريق الافضل هو السماح لهم، مثل غيرهم، بالعمل السياسي العلني وفق قواعد واضحة: حزب سوري معلن، بقيادة منتخبة، وتمويل شفاف، وبرنامج وطني، ومن دون ارتباط تنظيمي خارجي، ومن دون احتكار للدين أو تشكيلات مسلحة.
عندها سيقرر المجتمع حجمهم الحقيقي.
ربما يحصلون على نسبة محدودة من الاصوات، وربما ينقسمون إلى تيارات متعددة، وربما يندمج شبابهم في احزاب محافظة أوسع، وربما يتحول التنظيم تدريجيا إلى ذاكرة سياسية. وفي جميع الحالات يكون المجتمع قد تجاوزهم ديمقراطيا، لا استأصلهم أمنيا.
الخلاصة
انتهى الزمن الذي يستطيع فيه تنظيم واحد ان يقول إنه يمثل الاسلام في سوريا، كما انتهى الزمن الذي يستطيع فيه حزب واحد ان يقول إنه يمثل القومية أو الدولة أو الثورة.
وقد يكون الاخوان المسلمون من اوائل ضحايا هذا التحول، لأنهم ينتمون إلى عصر التنظيمات العقائدية الكبرى التي بنت شرعيتها على السرية والمظلومية والانضباط الحديدي والصراع مع الدولة.
أما سوريا المقبلة، فسوف تحتاج إلى شيء آخر: تيار وطني واسع، محافظ في قيمه الاجتماعية، ليبرالي في نظامه السياسي، واقعي في اقتصاده، سوري في هويته، وديمقراطي في علاقته بالسلطة.
تيار لا يخجل من دين المجتمع، ولا يستخدم الدين لإخضاع المجتمع.
لا يعادي الغرب، ولا يستورد نموذجه كاملا.
لا يقصي الاقليات، ولا يسمح بتحويلها إلى كيانات سياسية منفصلة.
لا يقدس الحاكم، ولا يهدم الدولة.
ومن داخل هذا المجال الاجتماعي الواسع يمكن ان يخرج قادة سوريا ورؤساؤها ووزراؤها ومفكروها خلال العقود المقبلة.
ليس لأنهم ورثة الاخوان، بل لأنهم أبناء المرحلة التي جاءت بعدهم.
فالمستقبل السوري لن يكون للاخوان، ولن يكون لخصوم الدين، بل لمن يستطيع ان يصالح بين هوية المجتمع وحريته، وبين الدولة والأمة، وبين الايمان والمواطنة، وبين المحافظة والتقدم.
وهذه هي الكتلة التي لم تتبلور نهائيا بعد، لكنها مرشحة لأن تكون القوة السياسية والاجتماعية الاكثر عمقا في سوريا الجديدة.
- كاتب سوري




















