بعد أن ارتبطت الأجهزة الأمنية السورية لعقود بصورة الدولة الأمنية في عهد الأسد، حيث تمحورت وظيفتها حول حماية النظام، وإحكام القبضة الداخلية، والمراقبة، والاعتقال، والابتزاز السياسي، إلى جانب بناء شبكات نفوذ استخباراتي امتدت إلى عدد من دول الجوار، وارتبط اسمها في الوعي الإقليمي بعمليات الاغتيال، والترهيب، والتجسس، وإدارة ملفات أمنية عابرة للحدود؛ تسعى الإدارة الجديدة في دمشق إلى تقديم صورة مختلفة، بحيث تقوم على مؤسسة أمنية تتولى إدارة الأمن القومي، وحماية الحدود، والتعاون مع الشركاء الإقليميين، بما يسهم في إعادة بناء الثقة مع الخارج.
مؤخراً، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع قراراً أعاد بموجبه تشكيل قمة الهرم الأمني في البلاد، وحمل هذا القرار في طياته أبعاداً تتجاوز حركة التعيينات الإدارية العادية، إذ تكشف قراءة توزيع المناصب، وتسلسل الصلاحيات، وتوقيت الإعلان عنها، عن انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة في بناء مؤسساتها الأمنية، مرحلة تتجاوز استبدال الأشخاص إلى إعادة تعريف وظيفة الأمن في الدولة، وتعيد رسم العلاقة بين الأجهزة، وتقدّم هيكلاً قيادياً أكثر وضوحاً أمام الشركاء الإقليميين والدوليين.
عادةً ما تبدأ الدول الخارجة من الصراعات إعادة بناء مؤسساتها بالجيش، غير أن استكمال بناء الدولة يرتبط بإصلاح الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لكونها حلقة الوصل بين الأمن الداخلي والأمن القومي، والواجهة الأولى للتعاون الأمني مع الدول الأخرى. ومن هذا المنطلق، تبدو التعيينات الأخيرة جزءاً من المرحلة الثانية في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، بعد إعادة تنظيم القوات المسلحة ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية. تحتكم هذه التغييرات باعتبارات من البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها دمشق اليوم، إذ إن سوريا أصبحت طرفاً في شبكة واسعة من ملفات الأمن الإقليمي، تشمل مكافحة تنظيم “داعش”، وضبط الحدود مع العراق ولبنان والأردن، وملاحقة شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وإدارة ملف المقاتلين الأجانب، وتنخرط في الوقت ذاته في ترتيبات أمنية تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج وعدد من الدول الأوروبية. وفي بيئة على هذه الدرجة من التشابك، يتحول شكل المؤسسة الأمنية وهيكلها القيادي إلى جزء أصيل من الرسائل السياسية التي تبعثها الدولة إلى الخارج.
من التعدد إلى المركزية
تتجه تعيينات الرئيس الشرع الأمنية الجديدة إلى إعادة توزيع الأدوار بين المؤسسات القائمة عوضاً عن استحداث أجهزة أمنية جديدة، بما يجعل مركز القرار أكثر وضوحاً على ما يبدو. احتفظ أنس خطاب بمنصبه وزيراً للداخلية، وأضيفت إليه إدارة مكتب الأمن الوطني، وتولى اللواء عبد القادر طحان رئاسة جهاز الاستخبارات العامة، وعُيّن حسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، والعميد ملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية.
بالتالي، نحن امام إرادة مؤسساتية أكثر من توازنات شخصية، إذ يمثّل مكتب الأمن الوطني الجهة التي تنسّق بين مختلف المؤسسات الأمنية، وترسم أولويات الأمن القومي، وتتابع تنفيذها على مستوى الدولة، عوضاً عن أن يكون جهازاً استخباراتياً تقليدياً. ويتولى جهاز الاستخبارات العامة، من جهته، جمع المعلومات وتحليلها وإدارة العمليات الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب والتجسس والتنسيق مع الأجهزة النظيرة في الخارج، فيما تبقى وزارة الداخلية مسؤولة عن الأمن الداخلي، والشرطة، وإدارة الحدود (الهجّانة)، وحماية الاستقرار اليومي داخل البلاد؛ ليمنح هذا التوزيع كل مؤسسة اختصاصاً أكثر تحديداً، ويقلّص من تداخل الصلاحيات الذي طبع البنية الأمنية السورية خلال العقود السابقة.
مركز الثقل
يجمع منصب أنس خطاب بين حقيبة الداخلية وإدارة مكتب الأمن الوطني، مسؤولاً بذلك عن حلقة الوصل بين الأمن الداخلي والسياسات الأمنية العليا، ويحوّله ذلك إلى مركز التنسيق الرئيسي بين مختلف الأجهزة؛ وفي هذا الترتيب محاولة لتوحيد القرار داخل مؤسسة واحدة قادرة على إدارة الملفات العابرة للوزارات والأجهزة، بدءاً من أمن الحدود، ومروراً بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ووصولاً إلى العلاقات الأمنية مع الدول الشريكة والضامنة، عوضاً عن أن يعني احتكاراً للسلطة الأمنية. يقترب هذا النموذج من الصيغ المعتمدة في عدد من الدول التي تفصل بين الجهاز المنتج للمعلومات الاستخباراتية، والجهة التي تضع السياسات وتنسّق تنفيذها على مستوى الدولة.
يفسّر هذا المنطق أيضاً انتقال اللواء عبد القادر طحان إلى رئاسة جهاز الاستخبارات العامة، إذ تبدو الخطوة جزءاً من إعادة تعريف وظيفة الاستخبارات بوصفها جهازاً متخصّصاً في إنتاج المعرفة الأمنية وإدارة العمليات، بينما يتولى مكتب الأمن الوطني صياغة السياسات العامة والتنسيق بين المؤسسات المختلفة. تعكس رتبة الطحان اتجاهاً نحو منح الجهاز قيادة تتمتع بخبرة عملياتية، وقدرة على إدارة مؤسسة يفترض أن تتعامل مع ملفات الإرهاب، والتجسس، والتعاون الاستخباراتي الدولي، وهي ملفات تتطلب خبرة ميدانية وإدارية في آن واحد.
الأمن السوري كلغة دبلوماسية
تبدو الرسالة الخارجية أثقل من الرسالة الداخلية في هذه المرحلة، إذ جاء توقيت التعيينات بعد سلسلة خطوات هدفت إلى إعادة تقديم سوريا كشريك أمني للإقليم والغرب، مثل ضبط الحدود، وملاحقة شبكات تهريب السلاح والمخدرات، لا سيما في الأسبوعين الأخيرين، والانفتاح الدبلوماسي على عدد من الدول، فبدت التعيينات استمراراً لمسار بناء الثقة مع الخارج. وتمس طبيعة المناصب المعاد تنظيمها؛ أي مكتب الأمن الوطني والاستخبارات العامة، الدول التي تتعامل مع سوريا أمنياً أكثر مما تمسّ المواطن السوري في حياته اليومية، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة، أو تركيا، أو دول الخليج، أو الأردن أو العراق، وتريد هذه الدول أن تعرف من يتولى المسؤولية، ومن يملك القرار، ومن يمكن بناء قنوات اتصال معه؛ وبالطبع بالاستناد إلى إرثهم الأمني سابقاً.
هنا يصبح التوزيع الواضح بين مكتب الأمن الوطني والاستخبارات العامة ووزارة الداخلية إشارة إلى الشركاء الدوليين مفادها أن سوريا تمتلك هيكلاً مؤسساتياً يمكن التعامل معه، عوضاً عن أن تبقى مجرد مراكز نفوذ متداخلة ومجرد عقليات متناحرة ومحسوبيات فصائلية سابقة. لا يمكن فصل التعيينات الأمنية الأخيرة عن التحول الذي تشهده السياسة الخارجية السورية منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، فالدول الخارجة من النزاعات لا تعيد بناء مؤسساتها الأمنية لأسباب داخلية فقط، وإنما لأن الأمن يمثّل أول مجالات التعاون مع العالم الخارجي، وأسرعها في إنتاج الثقة المتبادلة. فقبل أن تبدأ الاستثمارات، وقبل أن تعود الشركات، وقبل أن تتوسع العلاقات الاقتصادية، تبحث الدول عن شريك أمني قادر على حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط التجارة، ومنع انتقال التهديدات عبر الحدود.
الولايات المتحدة وشراكات أمنية
قد تبدو العلاقة بين دمشق وواشنطن محكومة بتاريخ طويل من الخلافات، فقد أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1979، وأقرّ الكونغرس عام 2003 “قانون محاسبة سوريا”، وفرضت واشنطن عقوباتها الأولى على رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد، شخصياً في 2011، عقب اندلاع النزاع، ثم أقرّ الكونغرس في 2019 “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”، الذي استهدف قطاعات النفط والغاز والبناء والجيش، وامتد ليطال حتى الأطراف الأجنبية المتعاملة مع النظام عبر ما عُرف بالعقوبات الثانوية، وأضاف الكونغرس إلى هذا المسار قانونين لمكافحة تجارة الكبتاغون في 2022 و2024. غير أن الواقع الأمني الذي تشكّل بعد سقوط النظام السابق فرض معادلات مختلفة، إذ التقى الرئيسان ترامب والشرع في الرياض في 14 أيار/ مايو 2025 وأعقب ذلك توقيع الأمر التنفيذي رقم 14312 الذي أنهى برنامج العقوبات الشامل، وزار الشرع واشنطن في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 في أول زيارة لرئيس سوري إليها منذ ستة عقود، وألغى الكونغرس “قانون قيصر” نهائياً في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وبقي تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وحده معلقاً حتى الآن بوصفه العقدة الأكثر تعقيداً في هذا المسار، وهو ما يفسّر لماذا تبدو التعيينات الأمنية الأخيرة حلقة إضافية في المسار ذاته، تسعى إلى ترسيخ ما تحقق من انفتاح عبر تقديم مؤسسة أمنية أكثر وضوحاً لواشنطن. وتنظر الولايات المتحدة إلى سوريا اليوم، في ضوء هذا التحول، من خلال مجموعة محددة من الملفات، يأتي في مقدمتها مكافحة تنظيم “داعش”، وضبط نشاط الجماعات المتطرفة، ومنع تحول الأراضي السورية إلى مساحة فراغ أمني، إلى جانب الحد من شبكات تهريب السلاح التي قد تؤثر في أمن الإقليم.
الأمر المهم هنا أن إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية تبدو جذابة للغاية في هذا الإطار، إذ تحتاج واشنطن إلى معرفة الجهة التي تملك القرار الأمني، والجهة التي تدير التعاون الاستخباراتي، والجهة المسؤولة عن تنفيذ الالتزامات الميدانية، لا سيما بعد تكثيف مهام توم براك في المنطقة وتسلمه ملفات لبنان والعراق وسوريا جميعاً؛ وكلما ازدادت هذه البنية وضوحاً، ازدادت قدرة الطرفين على إدارة الملفات المشتركة، حتى في ظل استمرار التباينات السياسية في قضايا أخرى. وتحمل التعيينات الأخيرة رسالة ضمنية أن سوريا تسعى إلى تقديم مؤسساتها الأمنية باعتبارها مؤسسات دولة، تمتلك اختصاصات واضحة، وقادرة على الالتزام بتفاهمات طويلة الأمد، وهو ما يمثّل أحد الشروط الأساسية لأي تعاون أمني مستدام.
أمن الحدود وأمن الاستثمارات
تحتل الأردن والعراق وتركيا موقعاً مختلفاً في قراءة هذه التعيينات، إذ ترتبط العلاقة مع دمشق مباشرة بأمن الحدود، وتنظر العاصمتان إلى المؤسسة الأمنية السورية بوصفها الضامن الأول لمنع انتقال التهديدات عبرها، سواء تعلق الأمر بتهريب السلاح، أو شبكات المخدرات، أو تحركات تنظيم الدولة، أو الجريمة المنظمة. وتمتد الحدود السورية العراقية وحدها أكثر من 600 كيلومتر، وتشكّل واحدة من أكثر مناطق التماس أمنياً في الإقليم، إذ شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً مكثفاً لتنظيم الدولة، إلى جانب عمليات تهريب السلاح والمخدرات والأشخاص.
وتقدّم الأسابيع الأخيرة نموذجاً ملموساً على ما تعنيه هذه المعادلة عملياً، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية في 16 تموز/ يوليو الماضي، إحباط محاولة تهريب شحنة ضخمة من الأسلحة النوعية عند الحدود مع العراق، شملت صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع، وطائرات مسيّرة، بعد أن رصدت الوحدات المختصة مركبة متوقفة داخل النطاق الحدودي في ظروف أثارت الاشتباه فأخضعتها للتفتيش، وكشفت التحقيقات الأولية أن الشحنة كانت معدة للعبور نحو حزب الله في لبنان. وسبق لهذه الوحدات أن أحبطت في كانون الثاني/يناير الماضي، محاولة مماثلة لتهريب صواريخ وقذائف عبر الحدود مع لبنان، بما يعكس نمطاً متكرراً من عمليات الضبط أكثر مما يعكس حادثة معزولة. ودفعت هذه التطورات بغداد ودمشق إلى تكثيف التنسيق الأمني خلال الأشهر الأخيرة، وعقد الجانبان مطلع تموز/ يوليو الجاري، أول اجتماع حدودي مشترك لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية وإحكام السيطرة على الشريط الحدودي، وشكّلت قيادة العمليات المشتركة العراقية، عقب واقعة الصهريج، لجنة تحقيقية عليا وأطلقت تنسيقاً وثيقاً مع الجانب السوري لملاحقة المتورطين ومحاسبة المقصرين.
شمالاً، تنظر أنقرة إلى المؤسسة الأمنية السورية بوصفها الشريك الرئيس في إدارة أمن الحدود، ومكافحة تهريب المهاجرين، وتنظيم ملف اللاجئين، ومتابعة وجود القوات والمقاتلين الأجانب داخل سوريا. ومن هذا المنطلق، تمنح إعادة هيكلة القيادة الأمنية تركيا جهة واضحة تمتلك القرار التنفيذي، وقادرة على تنفيذ التفاهمات الأمنية الثنائية بصورة مؤسسية.
بالتركيز أكثر على تدفق المال والاستثمار، فلا ينفصل الأمن عن الاقتصاد في المقاربة الخليجية، إذ تنظر الدول الخليجية إلى استقرار البيئة الأمنية بوصفه أحد أهم معايير الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار، ويتعلق الأمر بقدرة الدولة على إنتاج الاستقرار، وحماية البنية التحتية، وتأمين حركة رؤوس الأموال، أكثر مما يتعلق بحجم القوات المسلحة أو عدد الأجهزة الأمنية. وتصب عمليات الضبط الأخيرة على الحدود الشرقية في الاتجاه ذاته، إذ تمنح الدول الخليجية مؤشراً ميدانياً على أن المؤسسة الأمنية السورية تنتقل من مرحلة الاستجابة المتأخرة إلى مرحلة الاستباق والتنسيق العابر للحدود.
في المحصلة، تحمل هذه التعيينات رسالة إلى العراق والأردن وتركيا ودول الخليج بأن دمشق تعمل على بناء مؤسسة أمنية موحدة لإدارة الحدود وتعزيز التنسيق الإقليمي، بما يوفر أحد أهم متطلبات الأمن الاقتصادي والاستثمار في المنطقة
هشاشة الداخل
الآن، وعلى الرغم من أهمية هذه التعيينات وما تحمله من رسائل طمأنة إلى الدول الإقليمية والدول الضامنة، إلا أن المتلقي الداخلي لم يكن الجمهور الأول لها؛ على اعتبار أن المواطن السوري يقيّم أداء المؤسسة الأمنية من خلال النتائج التي تنعكس على حياته اليومية، أكثر من اهتمامه بإعادة توزيع المناصب داخل الهرم القيادي. لذلكَ، تقاس أي إعادة هيكلة أمنية بقدرتها على خفض معدلات الجريمة، وتعزيز سيادة القانون، واستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وضبط السلاح المنفلت، والحد من الجرائم ذات الدوافع الطائفية أو العرقية، وهي مؤشرات ما تزال تواجه تحديات واضحة في عدد من المناطق السورية.
تخوض الأجهزة الأمنية، بعد أشهر من تشكيل الحكومة الجديدة، مرحلة انتقالية معقدة بين تفكيك الإرث الأمني السابق وبناء منظومة جديدة. فما تزال جرائم القتل والخطف مقابل الفدية والابتزاز والجريمة المنظمة تمثل تحدياً يومياً، كما تستمر محاولات تهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود، وآخرها ضبط شحنة مخدرات في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة السويداء. وفي الوقت نفسه، تواصل الخلايا النائمة التابعة لتنظيم الدولة وغيرها من المجموعات المسلحة تنفيذ هجمات متفرقة تستهدف مواقع أمنية وعسكرية وشخصيات محلية، كما ظهر في التفجيرات التي شهدتها دمشق خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو الأمر الذي يعكس أن البيئة الأمنية ما تزال بعيدة عن مرحلة الاستقرار الكامل.
هنا تبرز محافظة السويداء بوصفها النموذج الأوضح لهذه التحديات، إذ يشكل انتشار السلاح، وتعدد القوى المحلية، وخصوصية البنية الاجتماعية، والتطورات الأمنية الأخيرة، بما فيها الاشتباكات مع قوات الأمن العام على المحور الشمالي الغربي، اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على بسط سيادتها الأمنية على كامل الجغرافيا السورية. ولا تقتصر هذه التحديات على السويداء وحدها، إذ ما تزال مستويات السيطرة الأمنية متفاوتة بين منطقة وأخرى، بما يعكس أن إعادة توحيد المجال الأمني السوري ما تزال مهمة قيد الإنجاز.
يبقى الأثر المباشر لهذه التعيينات محدوداً في نظر شريحة واسعة من السوريين، لأن المواطن يقيس نجاح الدولة بقدرته على التنقل بأمان، وانخفاض جرائم القتل والخطف والابتزاز، وسرعة استجابة الأجهزة الأمنية، واستعادة سيادة القانون، أكثر مما يقيسه بأسماء القادة الجدد أو توزيع الصلاحيات بينهم. أما بالنسبة إلى العواصم الإقليمية والدولية، فتكتسب هذه التعيينات دلالة مختلفة، إذ تُقرأ بوصفها مؤشراً على إعادة بناء مؤسسة أمنية ذات قيادة واضحة، واختصاصات محددة، وسلسلة قرار يمكن الاعتماد عليها في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وضبط الحدود، وتنفيذ التفاهمات الأمنية. ومن هنا، تبدو الرسالة الخارجية أكثر حضوراً من أثرها الداخلي في هذه المرحلة، بينما يبقى نجاح هذه الهيكلة داخل سوريا مرهوناً بقدرتها على تحويل الإصلاح المؤسسي إلى أمن ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
- المدن





















