منذ سقوط نظام الأسد، توالت زيارات الوفود من السويداء إلى دمشق، حيث شهِد قصرُ الشعب لقاءات متكررة بين ممثلين عن المحافظة والقيادة الجديدة في العاصمة. التصريحات الصادرة عقب هذه الاجتماعات كانت تؤكد دائماً على تعزيز التنسيق بين الجانبين، والسعي إلى رسم إطار جديد للعلاقة بين دمشق والسويداء في ظل المتغيرات الإقليمية والتطورات الداخلية التي تشهدها البلاد.
كانت الزيارة الأولى لوفد من السويداء إلى دمشق بعد تسعة أيام من سقوط الأسد، حيث التقى ممثلون عن القيادات المحلية بقائد إدارة العمليات العسكرية آنذاك، أحمد الشرع، قبل توليه منصب الرئاسة. ضمّ الوفد شخصيات عدة، من بينها سلمان الهجري، نجلُ الشيخ حكمت الهجري، وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي يحضر فيها نجل الشيخ ضمن هذه اللقاءات في دمشق.
خلال الفترة الأولى ما بعد التحرير، كثّفت دمشق من حضورها في السويداء عبر سلسلة زيارات قام بها ممثلها والقائم بأعمال المحافظة مصطفى بكور إلى فعاليات محلية ودينية. تبادلُ الوفود بين المدينتين كان نشطاً، لكن وفق مصادر خاصة للجمهورية.نت، لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولية فقط، بل نوقشت فيها فيها ملفات أمنية وعسكرية، إذ وضعت دمشق الملف العسكري في السويداء كأولوية، ما جعلها تكثّف من تواصلاتها مع الفصائل المسلحة المؤثرة، مثل حركة رجال الكرامة، ولواء الجبل، وليث البلعوس. وفي المقابل، بدا موقفها أقل حماسة تجاه الشيخ حكمت الهجري، الذي لا يمتلك جسماً عسكرياً خاصاً به، ما جعله خارج دائرة اللاعبين المفضلين لديها.
وفي الوقت الذي سعت فيه دمشق إلى ترتيب أوراقها في السويداء عبر الفصائل فقط، بقي الموقف من سلطاتها متحفظاً لدى القوى المدنية المحلية، خاصة في ظل تضييق دائرة احتكار السلطة وغياب أي بوادر فعلية لنهجٍ مختلف في المسار السياسي.
*****
في 24 شباط (فبراير) عاد مشهدُ الوفود بين السويداء ودمشق يتكرّر، ولكن في سياق مختلف. حرّك تصريحٌ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول استعداد بلاده «لحماية الدروز» التساؤلاتَ حول ملف السويداء وعلاقتها مع دمشق، وظهر بعد ساعات قليلة من التصريح وفد من السويداء في دمشق مجتمعاً مع الرئيس أحمد الشرع، شملَ عدداً من ممثلي الفصائل، وعلى رأسها ممثلي حركة رجال الكرامة ولواء الجبل، أكبر فصيلين عسكريين داخل المحافظة، إضافة إلى الشيخ سليمان عبد الباقي وليث البلعوس.
كرم منذر، أحد أعضاء الوفد، أكد للجمهورية.نت أن اللقاء لم يكن ردّاً مباشراً على التصريحات الإسرائيلية، بل جاء امتداداً لسلسلة اجتماعات سابقة مع مسؤولين في وزارة الدفاع، وعلى رأسهم «أبو البراء»، المسؤول في وزارة الدفاع بحسب منذر، بالإضافة لوزير الدفاع مرهف أبو قصرة. لكن رغم ذلك، لم تغب التصريحات الإسرائيلية عن الجلسة، وإن لم تكن عنوانها الرئيسي.
في حديثه، أشار منذر إلى أن جميع الحاضرين اتفقوا على رفض الطرح الإسرائيلي وأي مشاريع تقسيم، بل إن النقاشات ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ سأل منذر الرئيسَ الشرع عن الموقف الدولي حيال الجنوب، وعن ما إذا كانت سلطة دمشق قد أبرمت أي اتفاق سري بخصوص ذلك، وكان الرد حاسماً: «التمدد الإسرائيلي مرفوض ولا يوجد أي اتفاق أو تواصلات بشأنه، والأجواء العربية والأوروبية غير متحمسة له». وأنهى منذر حديثه بالقول: «حتى لو كانت هناك اتفاقيات دولية للتقسيم، نحن لن نقبل بها».
وبحسب منذر، حَمل موفد حركة رجال الكرامة مطلباً رئيسياً لهذا اللقاء، وهو فتحُ معبر تجاري مع الأردن، والردُّ على هذا الطلب لم يكن مباشراً، إذ لم يرفض الشرع الفكرة بشكل صريح، لكنه قدّم بديلاً عنها وهو سوق تجارية حرة داخل السويداء بدلاً من إقامة معبر: «الكلمات كانت دبلوماسية، لكن الرسالة كانت واضحة: المعبر ليس خياراً مطروحاً الآن». وانتهى الاجتماع مع إدراك الحاضرين أن ملف العلاقة بين دمشق والسويداء ما زال في طور التشكّل.
كانت التداولات مطمئنة إذاً، لكن خلفها خطوات أعمق يجري العمل عليها، أبرزها ما تسعى إليه السلطة بالتعاون مع وزارة الدفاع: إعادة هيكلة الفصائل، ورسم ملامح جديدة لما سيبدو عليه المشهد الأمني والعسكري في الجنوب.
في اليوم نفسه الذي أطلق فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحه حول «حماية الدروز»، انتشر في السويداء خبر آخر، أكثر محلية، لكنه لا يقل أهمية: إعلان تشكيل «المجلس العسكري في السويداء». في الفيديو التأسيسي، ظهر مجموعة من الضباط المنشقين، وعساكر سابقين في جيش النظام، إلى جانب مدنيين مسلحين، يعلنون تأسيس المجلس، ويحملون أعلاماً زرقاء عليها خريطة سوريا، تتشابه بالشكل مع علم قوات قسد شمال شرق الفرات.
لم يتأخر الأمر طويلاً حتى بدأت مقاطع فيديو أخرى لمجموعات مسلحة من قرى مختلفة بالظهور معلنة ولاءها للمجلس الجديد، في مشهد أعاد إلى الأذهان بدايات التشكيلات العسكرية خلال السنوات الأولى من الحرب، في حين أن المجلس، الذي أعلن أن العقيد المنشق طارق الشوفي هو قائده، لم يقدّم تفاصيل واضحة حول هيكليته العسكرية أو اختصاصاته، لكنه كان واضحاً بأنه غير راضٍ عن الصيغة التي تحاول دمشق رسمها لعلاقتها بالمحافظة الجنوبية.
الجمهورية.نت حاولت التواصل مع الشوفي مباشرة، لكن لم تتلق رد، كما أرسلنا أسئلة إلى الصفحة الإعلامية للمجلس لكنها بقيت دون إجابة. وبعد محاولات عدة، نجحنا أخيراً في تحديد موعد للقاء ممثل عن المجلس شرط عدم الكشف عن اسمه، وذلك لمحاولة فهم أهداف تأسيس المجلس وخططه للفترة القادمة.
*****
في الثالث من الشهر الجاري توجهنا إلى السويداء لإتمام اللقاء، وعند دخول المدينة شاهدنا إحدى سيارات الأمن العام تتجول في شوارعها، في مشهد بات اعتيادياً في دمشق لكنه غير مسبوق هنا، حيث لم يُعلن رسمياً عن أي اتفاق يَسمح بوجودها، ولم يسبق أن سُمح للأمن العام بالتحرك بحرية داخل المحافظة منذ سقوط نظام الأسد.
وعند لقاء ممثل المجلس العسكري بدا القلق واضحاً في صوته. لم يُخفِ غضبه مما اعتبره خطوة غير منسقة، مؤكداً أن دخول هذه السيارات إلى السويداء «لم يكن محل تفاهم مسبق»، ومع مرور الدقائق بدأت الأخبار الواردة تجعل الأجواء مشحونة؛ السيارات وعددها سبع، لم تأتِ مباشرة من دمشق إلى السويداء عموماً، بل قُدّمت عبر اتفاق مع حركة رجال الكرامة خلال اجتماعهم الأخير مع دمشق، على أن تُستخدم لتعزيز الضابطة الشرطية والأمن الجنائي، ويكون عناصرها وسائقوها من أبناء السويداء. لكن بالنسبة لمسؤول المجلس العسكري، لم يكن الأمر بهذه البساطة: «هذه ليست هدية للمحافظة… هل السويداء بحاجة إلى هذه السيارات؟ هذه محاولة من دمشق للدخول إلى المدينة بشكل غير مباشر. هذه ليست سوى هدية فتنة»، مضيفاً أنه لو كانت السلطة صادقة في نواياها، لأعطت هذه السيارات للمؤسسات الرسمية، لا إلى فصيل بعينه. لم يطل اللقاء، إذ فضّل تأجيله مع تصاعد التوتر حول هذه القضية.
بعد ساعات، لم يُبقِ المعترضون الأمر في نطاق التصريحات. تحركت مجموعات مسلحة لاعتراض السيارات، ونجحت في احتجاز اثنتين منها، في خطوة بدت كرسالة مباشرة لحركة رجال الكرامة: الاتفاق لن يمر بسهولة.
استقدام سيارات الأمن العام دون إعلان مسبق، وفي ظل الأخبار الدموية القادمة من الساحل، بدا وكأنه استفزاز للقسم المتوجّس من شكل الحكومة في دمشق، إذ عزز هذا التزامن المخاوف من أن خطوات إعادة العلاقة إلى طبيعتها مع دمشق تجري وفق إيقاع لا يراعي حساسيات المرحلة، بل يفرض واقعاً جديداً دون نقاش. وبحسب مصادر خاصة تحدثت إلى الجمهورية.نت، فإن اجتماعاً لم يُعلن عنه انعقد في دارة الشيخ حكمت الهجري ببلدة قنوات، بهدف احتواء التوتر الذي تصاعد بعد اعتراض السيارات، وسط مخاوف من أن يتحول الأمر إلى صدام أوسع بين الفصائل، وحضره كل من شيخ العقل يوسف جربوع، الممثل الديني لعائلات مدينة السويداء، وشيخ العقل حمود الحناوي، الممثل الديني لعائلات الجنوب.
المصادر ذاتها أكدت أن الاجتماع ركّز على كيفية تجنب أي خطوة قد تُفسّر كإملاء سياسي من دمشق على السويداء، خاصة مع حساسية الأوضاع بعد اللقاءات الأخيرة في العاصمة. وفي نهاية الاجتماع، تم التوصل إلى اتفاق مؤقت غير معلن يقضي ببقاء السيارات لدى حركة رجال الكرامة، ولكن دون تشغيلها أو السماح لها بالتجول داخل المدينة، حتى يتم التوصل إلى تفاهم رسمي بين جميع الأطراف المعنية.
وفي بيان نشرته حركة رجال الكرامة بعد الحدث، حمّلت الحركة جهات لم تسمّها مسؤولية إثارة الفوضى، مؤكدة أنها اتفقت مع «مضافة الكرامة» و«تجمع أحرار جبل العرب» من جهة، ووزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة من جهة أخرى، على تفعيل الأمن العام في السويداء بكوادر محلية، بدعم وإمداد لوجستي من الوزارة. لكن ما بدا لافتاً في البيان هو الإشارة إلى أن التنسيق اقتصر على أطراف محددة، مثل سليمان عبد الباقي وحركة «رجال الكرامة»، متجاهلاً قوى أخرى فاعلة في المشهد على رأسها الشيخ حكمت الهجري، وهو ما اعتبره البعض خطوة استفزازية، خاصة في ظل حساسية التوازنات داخل المحافظة.
*****
استمرّت الحياة في السويداء كالمعتاد، مع ازدحام الأسواق وحركة المرور اليومية، كانت النقاشات تتصاعد في الدوائر المغلقة، وتتراوح بين الغضب والاستنكار والقلق مما يجري. في المقاهي وأماكن اللقاء، كان الجدل مستمراً حول حادثة السيارات وما تمثله.
كثير من ناشطي المجتمع المدني عبّروا خلال أحاديثهم عن رفضهم لإيقاف السيارات، معتبرين أنها تعزز عزلة السويداء وتقطع أي إمكانية لتنظيم العلاقة مع دمشق وفق أسس واضحة، ورأوا في ذلك خطوة غير محسوبة، قد تزيد من تعقيد المشهد في المحافظة، خاصة أن العديد منهم، رغم اعتراضهم على سياسات السلطة الرسمية، لا يرفضون بالمطلق أي تواصل من شأنه أن يضمن استقرار المنطقة. لكن وسط كل هذا النقاش، كان هناك إجماع غير معلن: لا يوجّه أحد انتقاداً علنياً للشيخ حكمت الهجري، معتبرين أن أي انقسام داخلي قد يكون أخطر على السويداء من أي قرارات خارجية.
بينما تستمرُّ النقاشات داخل الأوساط المدنية في السويداء حول العلاقة مع دمشق، يبرز تيار واضح يرفض القطيعة الكاملة مع السلطة المركزية، لكنه يتحفظ على سياساتها ويخشى من محاولاتها فرض الهيمنة.
بشار سريوي، عضو مكتب التنسيق في الحركة السياسية الشبابية، رغم حضوره مؤتمر الحوار الوطني في دمشق ومشاركته في عدد من الجلسات داخل العاصمة، لا يُطلق على السلطات الرسمية هناك اسم «سلطة»، بل يصفها بأنها «إدارة مؤقتة» تفتقر إلى الأطر الدستورية التي تمنحها الشرعية الكاملة. لكنه في المقابل لا يرى في هذا سبباً لقطع العلاقة مع دمشق، بل يعتبر أن أي محاولة لتعطيل هذه العلاقة هي جزء من مشاريع تهدف إلى إضعاف الجنوب وعزله.
يرى سريوي أن القوى داخل السويداء تنقسم إلى ثلاثة تيارات: الأول يؤمن بالمركزية ويدفع نحو تعزيز الارتباط مع دمشق، والثاني يدعو إلى الفيدرالية كخيار وسط، بينما يدعو الثالث إلى الانفصال الكامل.
وبينما تواصل دمشق إعادة هيكلة الفصائل بالتعاون مع بعض القوى المحلية، فإن هناك أطرافاً تحاول عرقلة هذا المسار تحت شعارات مختلفة، وهو ما يراه سريوي محاولة لإبقاء الجنوب في حالة اضطراب دائمة. ويؤكد سريوي أن الموقف من دمشق تحكمه التحفظات، لا القطيعة، فهو يعارض ما يصفه بنهج «المنتصر والمهزوم» الذي تتبعه السلطة الحالية، لكنه يرى أن تعطيل العلاقة معها، أو البحث عن بدائل غير واقعية، لا يخدم مصلحة السويداء، لذلك، يعارض أي مشاريع تسعى لاستغلال الأوضاع الداخلية لإضعاف موقف المحافظة أكثر، سواء عبر ربطها بأجندات خارجية أو دفعها نحو مواجهات غير محسوبة.
*****
في اليوم التالي، عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، كان موعدنا الجديد مع ممثل المجلس العسكري. اختار المصدر أن يتم اللقاء في مبنى رسمي قديم وسط مدينة السويداء، وعند الدخول، لم يكن المشهد متوافقاً مع الصورة التي يسعى المجلس العسكري إلى ترسيخها في بياناته؛ مكاتب متفرقة وأوراق متناثرة لا توحي بنظام واضح. بدا المكان وكأنه ما زال في طور التجهيز، ولا يعكس صورة الكيان العسكري المنظم الذي يسعى المجلس إلى تقديمها في بياناته.
قال المصدر إن المجلس العسكري يضم 16 سرية، مع تزايد مستمر في العدد، ويعمل على توحيد الفصائل تحت مظلة عسكرية واحدة. لكن حين طُرحت الأسئلة حول حجم السيطرة الفعلية، بدت الإجابات أكثر عمومية؛ «المسائل اللوجستية ليست للنشر الإعلامي»، قال هذا مكتفياً بتأكيد فضفاض على وجود المجلس في أكثر من 20 نقطة عسكرية موزعة في أنحاء المحافظة.
لم يكن حجم السيطرة وحده موضع الجدل، بل أيضاً بعض الوجوه التي ظهرت خلال إعلان المجلس. أحد الضباط السابقين في جيش النظام، والذي خدم في منطقة القطيفة بريف دمشق، حيث كانت تُطلق الصواريخ الباليستية باتجاه الشمال خلال السنوات الماضية، كان حاضراً في الاجتماع التأسيسي، وفتح حضوره باب التكهنات حول طبيعة الأدوار التي قد يلعبها مستقبلاً داخل المجلس، لكن المصدر نفى أي علاقة رسمية لهذا الضابط بالمجلس، موضحاً أنه حضر بصفته الشخصية، وأن الباب لم يكن مغلقاً أمام أي طرف لحضور الاجتماع. نفيه كان مباشراً، لكنه لم يحمل ما يكفي من الحزم لإغلاق باب الشكوك، خاصة أن هذا الظهور لم يكن الأول لشخصيات ذات خلفيات مشابهة في الجنوب السوري. وعن الجدل المرتبط براية المجلس العسكري، أقرّ المصدر بوجود تشابه بصري بينها وبين راية قوات سوريا الديمقراطية، لكنه رأى أن المسألة محصورة في البعد السوري: «نحن عرب سوريون»، قال، قبل أن يضيف أن إسرائيل، إن كانت لديها مشاريع فعلية في المنطقة، فهي ليست بحاجة إلى مغازلات أو تفاهمات، بل تستطيع فرضها على الأرض دون الحاجة إلى هذا الجدل.
تشكل علاقة المجلس العسكري بالشيخ حكمت الهجري النقطة الأكثر غموضاً، حيث نفى الشيخ الهجري خلال لقائه الوفود الزائرة أي ارتباط رسمي بالمجلس، لكنه، بالنسبة للمصدر في المجلس العسكري، هو الأب الروحي للمجلس، وصاحب تأثير حقيقي: «إذا قرر حل المجلس، سينتهي». كل هذا يجعل من المجلس العسكري وكأنه كيان يتشكل في الهواء، هشٌّ أكثر بكثير مما يظهر في خطاباته المصورة.
في اليوم التالي لإيقاف سيارات الأمن العام، دخلت مجموعات مؤيدة للشيخ حكمت الهجري إلى مبنى محافظة السويداء عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، في خطوة بدت كأنها رفضٌ للتطبيع وردٌّ على وصول سيارات الأمن العام إلى المدينة دون إعلان مسبق. تزامن ذلك مع إنزال العلم السوري ورفع علم الدروز فوق المبنى، في إشارة واضحة إلى موقف مناهض للإجراءات المرتبطة بدمشق، كشف عمقَ التباينات داخل المدينة حول العلاقة مع دمشق، وأعاد طرح السؤال القديم الجديد: كيف ترى السويداء مستقبلها في ظل المعادلات الحالية؟
في هذا السياق، يرى الناشط فادي الحلبي أن تبسيط الموقف تجاه دمشق إلى ثنائية «مع أو ضد» هو اختزال مخلّ بالواقع. بالنسبة للبعض، لا يمكن للمدينة أن تخرج من حالة الفوضى دون تعاون مع الحكومة، خاصة بعد عقد من الاضطرابات التي أنتجت كيانات مسلحة خارج أي إطار مؤسساتي. لكن في المقابل، يرفض آخرون هذا الطرح، معتبرين أن العودة إلى أحضان دمشق في ظل شكل السلطة الحالية تعني إعادة إنتاج المشكلات نفسها.
بالنسبة للحلبي، المشكلة ليست فقط في الخيارات المطروحة، بل في الطريقة التي يُفرض فيها النقاش، حيث يتم تصوير أي موقف مستقل على أنه خيانة أو انحياز لمحور معين، وهو ما يعرقل أي محاولة للوصول إلى حل حقيقي، ويرى الحلبي أن ظهور المجلس لا يعكس حاجة ملحّة بقدر ما يعكس تدفقاً في التمويل، مشيراً إلى أن التشكيلات العسكرية التي سبقته لم تستطع فرض واقع جديد في المحافظة.
يرفض الحلبي التصور الذي يقدّمه البعض على أن المجلس العسكري بات طرفاً حاسماً، معتبراً أن الحديث عن سيطرته على المحافظة «ادعاء مبالغ فيه»، إذ أن معظم المواقع التي يزعم السيطرة عليها كانت مقرات مهجورة لعناصر النظام. مضيفاً أن هذا النوع من الخطاب التضخيمي لا يعكس بالضرورة قوة فعلية، بقدر ما يعكس محاولة لفرض صورة ذهنية عن نفوذ غير مكتمل.
أما عن المشهد الداخلي، فيرى الحلبي أن التوتر في السويداء لا ينبع فقط من الصراع مع دمشق، بل أيضاً من تعقيدات العلاقات بين القوى المحلية. أمراء الحرب، كما يسميهم، بنوا نفوذهم خلال السنوات الماضية، وأي محاولة لإعادة ترتيب المشهد تعني المساس بمصالح راسخة، وهو ما يجعل احتمال التصادم الداخلي أكثر قرباً مما يظن البعض. ويضيف أن التخوين المتبادل، إلى جانب البعد الديني الذي بدأ يتسلل إلى الخطاب، يزيد من خطورة أي صراع قادم، مشيراً إلى أن تاريخ السويداء مليء بالاقتتال الداخلي، والرهان على استثناء هذه المرحلة منه قد يكون وهماً خطيراً.
*****
في 11 من الشهر الحالي تكررت مشاهد إنزال ورفع الأعلام فوق مبنى محافظة السويداء دون حدوث أي تصادم، في تعبير واضح عن الانقسام حول العلاقة مع دمشق. فبعد إعادة رفع العلم السوري على المبنى، سرعان ما أُنزل مجدداً ليُرفع علم الدروز مكانه، وكأن المشهد بات مرآة للواقع السياسي في المحافظة، حيث لا يحسم أي طرف السيطرة بشكل نهائي.
تزامن ذلك مع توقيع السلطات الرسمية وثيقة تفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، ما دفع ناشطي السويداء الذين يصرون على التواصل مع دمشق إلى تصوير فيديو وهم يرفعون العلم الأخضر فوق المبنى، في خطوة بدت محاولة لإيجاد طريق سياسي أكثر وضوحاً نحو دمشق، ورداً على ذلك رفع مناهضون لإعادة العلاقة مع دمشق علم الدروز أمام المبنى الذي يحمل العلم السوري، ليكون مبنى المحافظة عليه العلم السوري وأمامه السارية التي تحمل علم الدروز.
في اليوم نفسه أعلنت بعض الفصائل التي أجرت محادثات مع دمشق أنها توصلت إلى اتفاق مع السلطات هناك، في حين انسحب ممثلو الشيخ حكمت الهجري من المحادثات وفق ما أكده الناطق الرسمي لحركة رجال الكرامة. بدا موقف الشيخ حكمت الهجري مهزوزاً بعد إعلان ممثل حركة رجال الكرامة انسحاب ممثليه من الاجتماع مع السلطات الرسمية في دمشق، لكن سرعان ما اتخذ المشهد منحى آخر، فظهرت في اليوم التالي، 12 آذار (مارس)، وثيقة اتفاق بين الإدارة الجديدة وممثلين عن الشيخ الهجري، وتضمنّت، وفق ما جاء فيها، التزام السلطات الرسمية في دمشق بتنفيذ مشاريع خدمية في السويداء.
نشرُ الوثيقة بدا وكأنه محاولة لتسوية الخلافات وإظهار الهجري على أنه خضع لشروط دمشق، إلا أن الشيخ لم يمنح موافقة صريحة، بل تراجع خطوة إلى الوراء، في موقف بدا أشبه بالتريث، وسارعت الرئاسة الروحية إلى إصدار توضيح بأن ما جرى كان مجرد اجتماع، وأنها غير ملزمة بأي من القرارات التي خرجت عنه.
تراجعُ الشيخ الهجري عن موقفه أثار موجة انتقادات للهجري تضمّنت إعادة نشر فيديوهات تشير إلى علاقاته مع بشار الأسد في السنوات الأولى للثورة، واتهامه بالعمالة لإسرائيل. لم يخرج الهجري لإجراء أي مقابلات تلفزيونية، بل خرج كل من يوسف جربوع شيخ عقل مدينة السويداء، وحمود الحناوي شيخ عقل القسم الجنوبي من المحافظة حمود الحناوي، بمقابلات تلفزيونية، اعتبروا خلالها أن التباين في موقف السويداء جاء نتيجة سلوك السلطات الرسمية في دمشق، وسيطرة أعضاء من هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية على مفاصل الدولة، وعزز هذا الظهور لشيخي العقل موقف الهجري بالتريُّث في التوصل إلى اتفاق مع دمشق، باعتباره موقف المحافظة الذي جاء على لسان الطبقة الدينية التقليدية فيها.
وفي 15 آذار (مارس) اندلعت جولة جديدة من حرب الأعلام في السويداء، بدأت مع ظهور قائد المجلس العسكري في تسجيل مصوّر أعلن خلاله عن تنسيق سياسي مع «تيار سوريا الفيدرالي»، وهو تيار يحمل طرحاً قريباً من توجهات قوات سوريا الديمقراطية، وبعد ساعات من الإعلان اقتحم محتجون موالون للشيخ حكمت الهجري مبنى المحافظة، وأزالوا العلم السوري ورفعوا راية الدروز، وكأنهم يردّون على تصريحات المجلس بخطوة مباشرة تعيد رسم حدود السيطرة الرمزية في المدينة.
في اليوم التالي، وأثناء وقفة لإحياء ذكرى الثورة في ساحة الكرامة، ساد اتفاق على عدم رفع أي علم، في محاولة لخلق مساحة محايدة وسط الانقسام المتصاعد، لكن الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ رفع أنصار المجلس العسكري أعلامهم، ما أشعل عراكاً بينهم وبين المحتجين الآخرين، وكأن الأعلام تحوّلت إلى أدوات للصراع.
*****
يبدو أن حرب رفع الأعلام وإنزالها في السويداء ليست مجرد مشهد رمزي، بل اختصار مكثف لحالة المحافظة ككل، حيث لا يحسم شيء بالكامل. ورغم أن الحياة اليومية تمضي بإيقاعها المعتاد، إلا أن الصراع على رفع العلم يكشف أن السويداء لم تختر موقفاً موحداً، بل اختارت أن تظل في حالة إعادة تموضع دائمة، تُعيد فيها ترتيب أوراقها وفق المتغيرات، دون أن تحرق جسورها.
هذا التذبذب، وإن بدا علامة ضعف، يمنحها في الواقع قدرة على المناورة وتجنب قرارات قد يصعب التراجع عنها لاحقاً. الخروج بموقف واحد من السويداء ليس خياراً مطروحاً الآن، وربما لن يكون كذلك في المستقبل القريب. ستظل المحافظة تتحدث بعدة أصوات، تتعارض أحياناً، لكنها تتقاطع عند الضرورة. وحتى في علاقتها بدمشق، لا يكمن التحدي في مجرد التوصل إلى اتفاق، بل في القدرة على جعله صامداً حين ينتقل من الورق إلى الواقع، حيث يصير الالتزام أصعب من التوقيع، وحيث لا يكفي رفع علم أو إسقاط آخر لحسم المواقف.
- الجمهورية نت


























