مع السقوط المدوّي لنظام الأسد، في 8 كانون الأول 2024، وجد صانع القرار الإسرائيلي نفسه، حبيس ما يُعرف في أدبيات علم السياسة والعلاقات الدولية بـ “معضلة الأمن”، حيث لا ثقة بنوايا الطرف الذي سيطر على السلطة في دمشق، وبات قريباً من هضبة الجولان المحتل، الهادئ والمستقر تحت السيطرة الإسرائيلية، منذ عقود.
“معضلة الأمن”، تلك، إن لم تتوفر عوامل لحلحلتها، فإنها في طريقها لأن تقود صانعي القرار، في كلٍ من دمشق وتل أبيب، نحو الوقوع فيما يُعرف بـ “معضلة السجين”، حيث تدفع خشية كل طرف من نوايا الآخر، وعدم الثقة به، إلى تعزيز مساعي التسلح، وخوض حروب محدودة متصاعدة، ومحاولة كل طرف الإضرار بالآخر، وصولاً إلى الحرب الشاملة. وقد بدأت المعطيات تشي بأن صانع القرار في دمشق، تحرك باتجاه التورط في هذه “المعضلة”، كنتيجة لتفاقم الاستفزازات الإسرائيلية في الشهرين الأخيرين، بالتزامن مع مساعي إدارة الرئيس أحمد الشرع، في توطيد أركان سلطتها.
أبرز تلك المعطيات، أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع في درعا وريف دمشق، جاءت في سياق إجهاض محاولات الإدارة السورية لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية في جنوبي سوريا، خصوصاً فيما يتعلق ببطاريات الدفاع الجوي والصواريخ، بعد أن تعرّضت تلك البنية لاستهداف إسرائيلي شامل، بعيد سقوط النظام، في كانون الأول الفائت.
هكذا تقود السياسة الإسرائيلية صانع القرار في دمشق، رغماً عنه، نحو إيلاء أهمية أكبر لتعزيز القدرة العسكرية والقتالية في جنوب البلاد، وللالتصاق أكثر بالحليف التركي.
وللمفارقة، فإن مسعى دولة ما، لتحصين أمنها، تحت تأثير “معضلة الأمن”، على حساب الدولة الأخرى المستهدفة، عادةً ما يدفع تلك الأخيرة إلى رد فعل موازٍ، ومعاكس بالاتجاه. إما عبر العمل على تعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية، أو الذهاب باتجاه تحالفات مع قوى أخرى، لموازنة قوة الدولة المعتدية. أو الاثنين معاً. الأمر الذي يقود الدولة الأولى إلى رفع مستوى استهدافها لقدرات ونفوذ الدولة الثانية، مما يؤدي إلى رد فعل موازٍ من الطرف الثاني، وهكذا دواليك، وصولاً إلى الحرب الشاملة. وهو ما يُعرف بـ “معضلة السجين”، التي كانت السبب المباشر لمعظم الحروب في التاريخ.
وهكذا تقود السياسة الإسرائيلية صانع القرار في دمشق، رغماً عنه، نحو إيلاء أهمية أكبر لتعزيز القدرة العسكرية والقتالية في جنوبي البلاد، وللالتصاق أكثر بالحليف التركي. وفي حين يتحدث الخبراء الإسرائيليون بصورة علنية عن مخاوفهم من مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا في سوريا، تدفع السياسة الإسرائيلية الراهنة نحو هذه المواجهة بالفعل، على المدى الزمني المتوسط والبعيد، بدلاً من تفكيك مقدماتها. وكأن الأمر حتمية لا مفر منها.
في العام 2005، عارض رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، آرييل شارون، رغبة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في تغيير النظام بسوريا. وقال له، يومها، إن من الأفضل لإسرائيل أن تبقى مع “الشيطان” الذي تعرفه. وبعيد العام 2011، قررت إسرائيل حسم موقفها حيال التطورات في سوريا، بتفضيل استمرار نظام الأسد، بوصفه “شراً معروفاً” بالنسبة لها، خشية أن تؤدي تداعيات سقوطه إلى فوضى أو صعود الجماعات الجهادية، بصورة تزيد من الخطر الأمني على حدودها الشمالية.
وحتى بعد أن قادت حصيلة النزاع المسلح، في العام 2018، إلى تصاعد النفوذ الإيراني في سوريا، الذي رأته إسرائيل تحدياً استراتيجياً طويل الأمد، رغم ذلك سعى صانع القرار الإسرائيلي إلى احتواء هذا التحدّي، عبر تنسيق دولي دقيق، مستنداً بصورة رئيسية إلى التعاون مع روسيا، وإلى قواعد اللعبة المُصاغة منذ سنوات بعيدة، بين نظام الأسد ذاته، والكيان الإسرائيلي، والتي تعود إلى عقود حكم حافظ الأسد.
في سبعينيات القرن الماضي، حاول العالم السياسي الأميركي، روبرت أكسلرد، إيجاد حلول للخروج من “معضلة السجين” من خلال لعبة على كمبيوتر طبق خلالها استراتيجيات مختلفة في إدارة “معضلة السجين”، فتوصل إلى أن أفضل النتائج تلك التي يمكن تطبيقها وَفق مبدأ “هذي بتلك” –إن تعاونت أتعاون وإن غدرت أغدر-. وخلص أكسلرد إلى أن مجموع المنافع من اللعبة يزيد بتعلم التعاون، لكن ذلك يتطلب الاستمرار في اللعبة لوقت طويل.
فإذا علمت أنك ستلعب مع نفس الناس لمدة طويلة يمكن أن تتعلم التعاون. وهذا بالتحديد ما حدث على صعيد العلاقة طويلة الأمد، بين نظام الأسد وإسرائيل، منذ حكم الأسد الأب. واستمر حتى بعد تضعضع نفوذ بشار الأسد لصالح النفوذ الإيراني على الساحة السورية، بعيد العام 2018. لكن ذلك كله انهار دفعةً واحدةً، مع سقوط نظام الأسد قبل ثلاثة أشهر، بحيث وجدت إسرائيل نفسها تدخل مرغمة في غياهب “معضلة الأمن”، لتقود نفسها، وصانع القرار في دمشق، بالتزامن، باتجاه “معضلة السجين”. مستقبل هذا المسار معروف. فما تخشى منه إسرائيل، تتسبب في حدوثه فعلاً.
من مصلحة واشنطن دعم الاستقرار وضمان بسط حكومة الشرع لسيادتها على كامل التراب السوري، لأن خلاف ذلك، سيُعرّض أهداف أخرى للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، للخطر.
أبرز الحلول المتاحة للخروج من هذه “المعضلة”، هي تعلّم التعاون بين الطرفين. وهذا يتطلّب وسطاء قادرين على إقناع الطرفين بتفكيك مخاوف كل منهما، حيال الآخر. في هذا السياق، تندرج توصية معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في تحليل صادر قبل بضعة أيام، دعا إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أن تتصدى لهذه المهمة. وجاءت تفاصيل هذه التوصية متبصّرة بشكل ملحوظ، حيال ما يصب في مصلحة واشنطن، وما يجب أن تفعله، حيال هذه “المعضلة” المستجدة بين حليفها الإسرائيلي، وجاره الشمالي. فمن مصلحة واشنطن دعم الاستقرار وضمان بسط حكومة الشرع لسيادتها على كامل التراب السوري، لأن خلاف ذلك، سيُعرّض أهدافا أخرى للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، للخطر. لذلك نصح معهد واشنطن إدارة ترمب بأن تتعاون مع الشركاء لتحسين الأوضاع الاقتصادية في سوريا، وتخفيف العقوبات بشكل فوري، والمساعدة في الحد من التشرذم والانقسام بين قيادات المجموعات المسلحة السورية، وتشجيعهم على الاندماج
في جيش سوري جديد. وأوصى المعهد الإدارة الأميركية بأن تنخرط في محادثات مع إسرائيل بخصوص استراتيجيتها في سوريا، والتوسط بينها وبين دمشق، للتفاوض على إقامة منظومة أمنية جديدة على الحدود.
أي مسار مختلف عن ذلك، يعني الذهاب باتجاه استدامة التوتر الأمني والاشتباك العسكري، وأضراره الفادحة على استقرار سوريا ومسعى إعادة إعمارها. وهو مسار لن يخدم بالمحصلة، اعتبارات الأمن القومي الإسرائيلي، بل على العكس، سيتسبب بتخليق الخطر الذي يخشاه صانع القرار في تل أبيب.
- تلفزيون سوريا



























