ليس الزلزال الذي أحدثه دونالد ترامب أمس واليوم خلال زيارته الخليجية، أتياً من فراغ، ولا هو فكرة نبتت في ذهن الرئيس الأميركي في ليلة أو خطرت على باله فجأة، على الرغم من أن الأمرين ليسا غريبين عنه.
لكن قبلة الحياة التي منحها ترامب لسوريا أمس، والشرعية التي أضفاها على حكم أحمد الشرع اليوم، إنما هي نتاج مفاوضات وشروط وطلبات مضنية وُضعت عل سوريا، وسبق أن أُبلغ بها الشرع وتسربت إلى الصحافة قبل أن يتحدث عنها الأميركيون علناً، وأفضت الموافقة عليها، إلى ما خرجت به لقاءات الرياض والمبالغ الخيالية التي دُفعت خلالها.
على أن نتائج الجولة الخليجية لم تتوقف هنا. فترامب وإن بدا هذه المرة أكثر رصانة ودبلوماسية في تعامله مع دول المنطقة مقارنة بزيارته السابقة، لم يفُته إضفاء طابعه الخاص على الصفقة. فتحول اللقاء مع الشرع إلى لقاء رباعي حضره أيضاً ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهي ليست مجرد لفتة دبلوماسية تجاه الراعي التركي، و”الممول” السعودي.
اللقاء تجاوز بأشواط كونه مجرد لقاء دبلوماسي. حمل في طياته إعلاناً عن مرحلة جديدة تشهدها سوريا والمنطقة. مرحلة تعاد فيها خلط الأوراق، وتتغير فيها التحالفات، وتنتقل فيها الشراكة في ضمان الحكم بسوريا، من سورية-إيرانية، إلى سعودية-تركية، يرجح أن تكون مهمتها الأساسية ضمان التنفيذ الأمثل للمطالب الأميركية. وهو بهذه الخطوة، أرضى الطرفين، ولاقى بين الرغبة السعودية في إعادة ترتيب الأوراق في الساحة السورية، وربما إنهاء النفوذ الإيراني هناك، وبين ورغبات تركيا وطموحاتها الاستثمارية في سوريا، والتي لن تستطيع تحقيقها منفردة.
هذه المواقف المنسقة تشير إلى أن الرياض وأنقرة لم تكونا مجرد متفرجتين، بل لاعبين فاعلين في التمهيد لهذا التحول الأميركي التاريخي تجاه سوريا، كما تجيب عن الكثير من التساؤلات العميقة حول مستقبل سوريا ودور القوى الإقليمية والدولية في رسم ملامحه، دون أن تنتهي تلك التساؤلات وتشابك العوامل المؤثرة فيها، خصوصاً أن لاعباً إقليمياً أساسياً غاب عن الاتفاق بعد فشل كل محاولاته لإحباطه.
استخدمت إسرائيل كل أسلحتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية، لإضعاف الحكم السوري الجديد. واستفادت من الفترة الفاصلة بين إدارتي ترامب والرئيس السابق جو بايدن، لاحتلال أراضٍ سورية، وتدمير كل مقدرات جيش الأسد على رثاثتها، والتي كان يُفترض أن ترثها إدارة الشرع، وحاولت بكل ما تملك من تأثير على السياسة الأميركية، إبقاء العقوبات التي كانت ستحوّل سوريا حتماً إلى دولة فاشلة مشتتتة، تشبه شكل الدول التي تطمئن إسرائيل وترتاح لمجاورتها.
لكن إعلان ترامب جاء ليعلن نهاية فترة السماح الأميركية لإسرائيل التي يُرجح أن ترضخ لإرادة الرئيس الأميركي، خصوصاً أنها وإن لم تكُن مدعوة إلى الوليمة، فترامب لم ينسَ ذكر اتفاقات “أبراهام” في كل كلمة ألقاها تقريباً، والأخيرة مكاسبها كبيرة الأرجح أن لا تخاطر إسرائيل بخسارتها في فترة سياسية تحتمل أكثر من تحليل حول علاقتها مع الإدارة الأميركية.
لا يشبه أداء ترامب في زيارته الحالية إلى المنطقة، أداؤه خلال زيارته السابقة بشي، وعلى الرغم من أن هذه الزيارة تنافس سابقتها بحجم المليارات التي أنفقت فيها، لكنها تتخطاها بأشواط بعيدة من حيث النتائج السياسية، والحلف الأميركي-السعودي القديم الذي رسّخه ترامب وجعله في مرتبة قريبة إن لم تكن موازية للحلف الأميركي-الإسرائيلي، ووصل الأمر به حد التهديد بالقوة العسكرية ضد أي من يفكر بالاعتداء على السعودية.
وفي سوريا، حيث الفرحة برفع العقوبات توازي فرحة سقوط الأسد دون أن تنافسها بالنتائج المترتبة عليها، يبدو من بعيد أن المستقبل بدأ يصبح مشرقاً، لكنه يظل أسير التوازنات الإقليمية وصراعات القوى الكبرى، بانتظار حلول سياسية حقيقية. الزيارة أدت قسطها للعلى، لكن استثمار النتائج سيتوقف على القدرة على ترجمة مفاعليها إلى سياسات ملموسة، أو ستظل مجرد خطابات دبلوماسية.
– المدن


























