قدمتُ مجموعة قصصية ذات يوم إلى وزارة الإعلام، التي أحالتها بدورها إلى اتحاد الكتاب العرب، وبعد أشهر جاءني الرد برفض المجموعة ومما ورد في تقرير اتحاد الكتاب آنذاك: القصص تمسّ هيبة الدولة!
تساءلتُ يومها: ما هذه الدولة التي تضعف هيبتها مجموعة قصص قصيرة جداً؟ ألهذه الدرجة جدران الدولة هشة بحيث إن نصوصاً سردية تهزها وتضعف هيبتها؟ وفي لحظة فرح، بتُّ أسمي نفسي: الرجل الذي هزّ هيبة الدولة! وحين أمرّ بلحظات ضعف بشرية، أنظر إلى نفسي وأقول: يا زلمة أنت تضعف، أو يهزك حدث عابر، نسيت أنكَ هززت سمعة الدولة؟
لدى السجناء السوريين ذوي الخلفية السياسية حساسية خاصة من عبارة هيبة الدولة وهي غالباً ما تترافق في ذاكرتهم مع عبارتين أخريتين، حيث تلازمت لتوزيع الاتهامات عليهم في محاكم صورية: “إضعاف الشعور القومي والمس بهيبة الدولة ووهن نفسية الأمة” وباتت هذه الفقرة سلعة تباع وتشترى بين المحامين والسماسرة السوريين من جهة والقضاة من جهة أخرى، وباتت تلك الجمل أداة لقمع أي حالة معارضة في ظل النظام المخلوع!
العلاقة بين الدولة والمواطن تختلف باختلاف نظام الدولة، ففي البلدان ذات السلطة الشمولية والمخابراتية تكون العلاقة علاقة “الحيطان لها آذان”، خداع وإكراه وإجبار، لذلك تكون الهيبة مفروضة من الأعلى على الأدنى، من صاحب السلطة الذي يحسب نفسه ممثلاً للدولة على من لا يملكها، وهي علاقة تريح الأنظمة العسكرية لأنها لا تعرف طريقة سواها، ولا تفهم معنى الاستجابة الذاتية، أو القيام بأفعال المحبة والتطوع والرضا، بل الإكراه والأوامر! وبغير تلك الطريقة لا تشعر الدولة الأمنية أنها تمسك بالسلطة ولا تروق لها سواها!
أما الدولة المدنية الديمقراطية فإن لديها عيوناً مختلفة حيث إن هيبة الدولة تنبع من الرضا والاستجابة الذاتية واحترام القانون الذي كان للمواطن رأي في صياغته أو اقتراحه لأنه حاول أن يلبي متغيراً ما وينظمه ويضبطه كي يكون تنفيذه مطبقاً على الجميع.
العلاقة بين الدولة والمواطن عادة ما يكتنفها عاملان هما: القوة والرضا، والنظام السياسي الذي يستطيع أن يحقق تلك العلاقة مع مواطنيه وهو دليل من دلائل نجاحه.
هيبة الدولة في الأنظمة التي تحترم شعوبها من هيبة مواطنيها، لا انفصال بينهما، ولا يمكننا أن نطلب من المواطنين أن يحترموا دولة لا يشعرون أنهم جزء منها. وعادة ما يكون احترام هيبة الدولة رضائياً ولا يأتي بقرار أمني بل هو ثمرة شعور طويل من المواطنة ورضا عن قرارات الدولة وشعور غامر أنك جزء منها.
كيف نبني تلك العلاقة الجدلية اليوم في المشهد السوري بين استعادة هيبة الدولة وفي الوقت نفسه هيبة المواطن واحترامه وتقديره؟
احترام القانون وتطبيقه مثلاً؟
حين نرى أنه يطبق على الجميع وفيه خير للجميع، من هنا فإن الدول المدنية تهيء شعبها للمشاركة في صياغة القانون وضرورته وتشرح لمواطنيها فوائد الالتزام به، وهو يشعر أنه كان جزءاً من صياغته.
بناء مؤسسات للدولة تخدم المواطنين فيها أشخاص أكفاء هو جزء من هيبة الدولة، هل هذا ما نعثر عليه اليوم في سوريا؟ أم أن سلطة المحسوبيات هي السائدة؟
الثقة بين المواطن والدولة لا تبنى بيوم وليلة وهي ليست وليدة الخوف لأن الخوف يولد تنفيذاً شكلياً للقوانين ويلغي روح المبادرة.
كثر الحديث مؤخراً في سوريا عن أن تصرفات شريحة سورية ما في جغرافيا سوريا ما تمس بهيبة الدولة، فردّ فريق آخر بنوع من الشماتة: ماذا عن انتهاكات الجارة اللدودة؟ وهذا يشير إلى شرخ بين الدولة ومواطنيها، فالأصل أن يشعر كل سوري بالإهانة إن تعدت دولة ما على بلده، وليس ان ينتظر منها أن تخلصه من ظلم ما يعيش في أعماقه، الأمر أبعد من تخوين وإشارة وبحث في سمات شخصية لشريحة سورية ما، فنحن لسنا في زمان القبائل بل في زمن الدولاة والدولة لا تنظر إلى الخلف بل إلى القانون وتأمين الأساسيات التي تسعد مواطنبها وتحقق العدالة وليس الثأر.
هيبة السوريين ترتبط اليوم بالحفاظ على أمانهم واحترام مكانتهم وتأمين سبل العيش الكريم والحرية والعدالة وتفعيل عمل القانون. أما هيبة الدولة السورية فتكمن في احترام ممثليها ومؤسساتها واحترام الأنظمة وسيادة القانون والغيرة على كل شبر فيها.
السؤال مرة أخرى: هل يمكن أن نطلب من المواطنين السوريين أن يحترموا هيبة الدولة السورية إن لم يكونوا يشعرون أنهم جزء منها ومن مؤسساتها ونظامها السياسي؟
وعلى المقلب الآخر: هل يمكن أن نطلب من الدولة السورية أن تحترم هيبة مواطنيها وهم لا يقرون بنظامها السياسي ولا يحترمونه ويقومون بما يزعزع أمنه؟
هل من طريق بين الطريقين؟
أحسبُ أن الطرفين في الحالة السورية المعاصرة بحاجة للقراءة أولاً كي يزيلا اللبس ويتفاهما: المواطن عليه أن يتعرف مفهوم الدولة وواجباته وحقوقه وما هي حدود المرونة وما يريده من الدولة وما تريده منه. وممثلو الدولة بحاجة لقراءة أساليب الحكم الرشيد وأن يحسموا خياراتهم: هل يريدون بناء دولة أمنية مخابراتية قمعية متغولة؟ أم دولة رضا ومشورة وديمقراطية ومودة ورحمة وتعاون وعدالة وقانون وحوار وتبادل؟
السؤال المهم: هل تسمح ظروف ما بعد النزاع للدول الخارجة من حروب إمكانية تطبيق مثل هذه المفاهيم أم أن الظروف ظروف أمنية متغيرة والسماء متلبدة بالكراهية والتشكيك وعدم الثقة؟ ولا بد أولاً من تحقيق الأمان أولاً وحصر السلاح بيد السلطة المركزية؟
ويتبعه سؤال: هل يثق المواطن السوري أو عدد من المواطنين بتلك السلطة؟ هنا لا بد من حوار ونقاش وخطوات لبناء الثقة من الطرفين في غطار العدالة الانتقالية! ومعلومٌ أن بناء الثقة يحتاج إلى وقت ويجب أن تكنتنفه خطوات تبدّد الأوهام والمخاوف وعادة ما ينتظرها الناس من الدولة!
السؤال المكرر للسلطة السورية الحالية هو: أي نظام تريد أن تبنيه مع مواطنيك؟ هل تريد متابعة سيرة النظام السابق المتغول المتوحش؟ بحيث إننا استبدلا نظاماً متغولاً أفادت منه شريحة ما، واليوم يُبنى نظام آخر تستفيد منه شريحة أخرى مختلفة، وبالتالي نبقى ندور في فلك التغول والتوحش والاستبداد أم أن هناك نية لبناء دولة تليق بحضارة الشعب السوري وبالمنظومة العالمية؟
الإجابة لا تملكها الدولة وحدها، بل كذلك مدى رضا المواطنين السوريني ومطالباتهم ومشاركاتهم ومساعيهم لبناء ذلك النظام ودعوتهم لتطبيق القانون والالتزام به، وعدم حصر السلطات بيد شخص أو مجموعة شخصيات!
- تلفزيون سوريا


























