لندن- “القدس العربي”:
قالت المعلقة في صحيفة “الغارديان” نسرين مالك، إن حس التواطؤ في إبادة غزة، دفع قادة بريطانيا والاتحاد الأوروبي لتبني خطاب جديد -مع أن هذا لن ينقذهم- وبالضرورة لن يغير مسار التاريخ.
لماذا؟ ولماذا الآن؟ هذا هو السؤال. فبعد 19 شهرا من الهجوم المتواصل والذي كان واضحا للجميع، وأعلنت عنه إسرائيل بنفسها، هل بدأ اتجاه الأمور يتغير بشأن غزة؟
تقول الكاتبة إن التغير الملحوظ في نبرة قادة بريطانيا والاتحاد الأوروبي، يمثل تحولا عن الهراء والمخاوف والتأكيدات المعادة والمكررة من أن إسرائيل لها الحق بالدفاع عن نفسها. وأصبح الخطاب الآن هو أن أفعال إسرائيل “غير مبررة أخلاقيا” و”غير متناسبة تماما”، وأن تهديدات قادتها “بغيضة”.
وتعتقد مالك أن الداعي للتغيير هو أن الحرب بلغت حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بطرق بات لا يمكن لأحد إنكارها أو تبريرها أو حرفها عن مسارها. وقد حاول البعض بجد لمدة عام ونصف إنكار ما يجري في غزة، لكنهم لا يستطيعون الآن الوقوف على منبر أو الجلوس على مائدة عشاء والقول، نعم، في الواقع، إن هناك حجة لقتل 100 شخص يوميا، كما حدث في الأسبوع الماضي. أو أن لدى إسرائيل خطة أخرى غير ما أعلنه قادتها باستمرار بأنها خطة تهجير واستيطان.
وأمام ما يحدث، لم يعد هناك مجال للتلويح بمبرر إسرائيل للحرب وهوالقضاءِ على حماس. فبحسب ما قال أحد أنصار إسرائيل في الإعلام الغربي، فالحرب المدمرة على غزة تركت حلفاءها في وضع صعب.
ورغم كل هذا، هناك فجوة كبيرة من الإدانة والغضب من جهة، وما يحدث حقيقة على الأرض من جهة أخرى.
وعندما يتعلق الأمر بإسرائيل، يتم تكسير كل الجهات التي تدين الدولة العبرية. فطوال الحرب، فشلت المنظمات الدولية والبعثات الإنسانيةُ ومحاكم العدل بترجمة أقوالها إلى أفعال. فالكلمات وحدها لا تعني شيئا، لأنها ترتد ببساطة عن قبة إسرائيل الحديدية وتفلت من العقاب. وفي كل يوم، يستيقظ العالم ويواجه قيادة إسرائيلية تنتهك كل قانون من قوانين الأخلاق والمنطق، ويصبح الضحايا هم المعتدون، والعاملون في المجال الإنساني متحيزون.
أما الجيش الذي يقتل المسعفين العزل، فهو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم. لقد تم قلب الأمور رأسا على عقب.
وترى مالك أن التغير في نبرة حلفاء إسرائيل الدوليين مهم، ولكن علينا ألا نبالغ في تقدير أهميته. وهذا ليس لأن إسرائيل لا تنزعج، بل لأنها تستمد القوة من الإدانة، وتعطيها مبررا للقول إنها تقف وحيدة وعليها الاستمرار في الحرب، والزعم بأنه يساء فهمها وتتعرض للتمييز، وفوق كل هذا، فهي محاطة بالأعداء.
لكن علينا ألا نقلل من أهمية التحول الأخير، مقارنة بما كان يحدث سابقا.
ولفترة طويلة، تم الهجوم وتشويه كل من حاول الحديث عن غزة وتوضيح ما يحدث هناك، بل وتم تجريم ما يقال عنها، وهناك أشخاص سجنوا لتجرئهم على وصف ما يجري بالإبادة.
وتعتقد مالك أن عاما ونصف العام شهدا عددا من الاختراقات التاريخية التي لم تغير الكثير؛ بسبب رفض الحكومات الغربية ممارسة أي نفوذ على إسرائيل. وتشمل هذه الاختراقات، تنظيم احتجاجات تاريخية، وتحولا في الرأي العام العالمي من إسرائيل، وظهور صراع في قلب المؤسسات السياسية والقانونية والأكاديمية الغربية حول الحق في الاحتجاج ضد إبادة جماعية متواصلة.
وتقول مالك إن فلسطين، التي كانت قضية هامشية في يوم من الأيام، أصبحت قضية رئيسية تكمن في قلب السياسة والخطاب الغربي.
ونظرا لتقاعس الغرب عن ممارسة ما لديه من نفوذ، فقد تمكنت إسرائيل من تصعيد حملتها في غزة إلى مستوى تجاوز حتى هذا الحد العالي. وتقف الحكومات مكتوفة الأيدي بينما يتضور السكان في غزة جوعا، وتتلاشى الأرواح أمام أعين الجميع، وتبرز أضلاع وعيون الأطفال الذابلة الملطخة بوصمة التواطؤ.
إن حرمان الناس من الطعام، وممارسة هذه السلطة عليهم، ليس حملة عسكرية ذات أهداف استراتيجية تنطوي على أضرار جانبية مؤسفة، بل هو خلق غيتو للعقاب الجماعي وفصل تاريخي حاسم يكتب الآن.
ورعاة هذا العمل واضحون ويدعمونه بشدة، ولكنهم أصبحوا منزعجين من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه.
وسبب انزعاجهم نابع من طول الحرب، بحيث بات من المستحيل عليهم إجبار الناس على التعود على القتل الجماعي. ولكن، قد يكون هذا أيضا هو المرحلة الخاصة من حملة إسرائيل، التي أصبحت أكثر وحشية ووضوحا في نواياها أكثر من أي وقت مضى.
وهناك نقطة أخرى في تفسير التحول، وتتعلق بمحاولة قادة الغرب الإفلات من العقاب وتجنب المحاسبة. ومع ذلك، فموقفهم متأخر وبضاعتهم قليلة: لقد تورطتم بالفعل.
وإذا كان الهدف هو ردع إسرائيل عن تنفيذ خططها الرامية إلى تقويض الحياة، وإجبار الناس على الرحيل من غزة، وتجويع وقتل من تبقى منهم، فإنهم يواجهون قوة ضاربة لا تنفع معها البيانات الصحافية.
ولا تزال الفجوة بين أفعال إسرائيل ورد فعل العالم واسعة جدا. فقد أهان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فرنسا وبريطانيا وكندا، متهما حكوماتها بالانحياز إلى حماس لمجرد إعلانها أخيرا عن الأمر الواضح: أن على إسرائيل أن تتوقف عن قتل وتجويع الناس.
وتتساءل مالك: في أي عالم يعلن عضو في الحكومة أنه ينوي محو ما تبقى من منطقة، ويهدف “بعون الله” إلى تهجير سكانها، فقط ليكون الرد مجرد تهديدات غامضة “بإجراء ملموس”؟ ما هو الردع المطلوب لمنع وقوع مجازر حيث تذهب طبيبة إلى عملها ثم تعود لتشاهد جثث تسعة من أطفالها العشرة المتفحمين، أُبيدوا بضربة واحدة؟
يتطلب الأمر أكثر بكثير من مجرد مراجعة وتعليق محادثات التجارة المستقبلية بين إسرائيل وبريطانيا. والإجراء المطلوب يستلزم قلب المخاوف والافتراضات الراسخة، مثل أن إسرائيل حليف مستقر في منطقة معادية، وأنها دولة تشارك القيم الغربية المتحضرة، ولذا يجب دعمها.
وفي النهاية، يدفع الفلسطينيون من غزة إلى الضفة الغربية، ثمنا باهظا للتقاعس الغربي، لكن جرحا غائرا قد أصاب بقية العالم، وإن لم يحدث شيء، فإن مرضه الأخلاقي والسياسي سيشمل الجميع.
- القدس العربي


























