أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، تصريحات قوية يؤكد فيها إن الحروب المندلعة في أرجاء العالم ما كانت لتحصل لو كان رئيسا لأمريكا بدل جو بايدن. لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حسب تلك التصريحات، سيجتاح أوكرانيا، وما كانت حركة «حماس» لتقوم بعمليتها العسكرية ضد إسرائيل.
ما جرى في فلسطين، بعد انتخاب ترامب رئيسا، هو أن الهجمات الإسرائيلية تصاعدت بشكل جنوني، ثم أصبحت، بعد تصريحاته الفظيعة عن تحويل القطاع إلى «ريفييرا»، وتهجير سكانه، إلى معتقل جماعي لمليونين وأربعمئة ألف شخص، ترتكب ضد المحتجزين فيه، أطفالا ونساء ورجالا، أشكال الوحشية والقتل بمعدلات غير مسبوقة في القرن الحالي.
مع استحالة هذا مشروع «الريفييرا» الإباديّ، وبالتوازي مع خططه لصفقات مع بعض الدول العربية الخليجية بمئات مليارات الدولارات، كان مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يتجول بين قطر ومصر وواشنطن لإعادة الأسرى الإسرائيليين تحت يافطة وقف إطلاق النار، وبعد جولات عديدة، انتهت جولته الأخيرة إلى الفشل في الوصول إلى اتفاق وقف لإطلاق النار رغم أن حركة «حماس» وافقت على صفقة شاملة تترك فيها إدارة الحكم في غزة وتنجز تبادل الأسرى وتنهي الحرب وتمهد لإعادة إعمار القطاع، كما وافقت على مقترحات متوازنة من الوسيط الأمريكي بشارة بحبح، لكن ويتكوف قام مرة أخرى، وبعد اجتماع مع مسؤولين مقربين من نتنياهو، بتعديل تلك المقترحات لتتناسب مع الشروط الإسرائيلية في إطالة الحرب لاعتبارات خاصة برئيس وزراء إسرائيل وشركائه في الائتلاف الحكومي.
على المستوى الدولي، ونتيجة خرق إسرائيل كل المحرّمات القانونية الدولية، وانفلاتها الإجراميّ ضد الفلسطينيين، والفشل الأمريكي في الوصول إلى حل، بدأت الدول الأوروبية، الحليفة تاريخيا لإسرائيل، في التململ، وأعلنت دول كبرى، مثل فرنسا وبريطانيا، اعتزامها الاعتراف بدولة فلسطين، كطريقة للضغط على نتنياهو وشركاه.
تبلورت هذه المواقف مع إعلان مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، فشله في تمرير مشروع قرار لوقف إطلاق النار في غزة لإتاحة دخول المساعدات الإنسانية بدون قيود إلى القطاع وذلك بعدما استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) ضده.
على المستوى «الإنساني»، أيضا، تحول المشروع الأمريكي لإيصال مساعدات إلى غزة عبر «مؤسسة غزة الإنسانية»، المدعومة من الولايات المتحدة، إلى «مصائد موت» للفلسطينيين المتجمعين للحصول على المساعدات، أما قوات الاحتلال الإسرائيلي فأعلنت الطرق المؤدية إليها «مناطق قتال»، وهو ما دفع المؤسسة إلى «إرجاء إعادة فتح مراكزها في القطاع».
بدأ الاجتياح الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير 2022، أي ما يقرب من سنتين قبل حرب غزة، ورغم مضيّ أكثر من ستة أشهر على تسلّم ترامب لمنصبه، فإن وعوده بإنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية (التي كلّف لعقد مفاوضاتها مبعوثه نفسه لحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني) لقيت الفشل أيضا.
رغم أن أوكرانيا هي الحليف الرسميّ للغرب، وأن الهجوم الروسي عليها كان موجها، بشكل مباشر، ضد أوروبا وحلف الأطلسي، فإن خطط ترامب لإنهاء الحرب لم تقم على ردع روسيا بل بدأت بالتودد إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي اعتبر الانفتاح الأمريكي عليه هدية كبرى بدأ مباشرة باستخدامها في تحسين شروط الحرب، وفرض مطالبه على كييف.
بدأت إدارة ترامب، بعد ذلك، بالضغط بشكل كبير على أوكرانيا، وكان مشهد الإذلال العلني لرئيسها فولوديمير زيلينسكي في «البيت الأبيض»، ثم الضغوط لدفعها لاتفاقية تسليم معادنها النادرة ذروة في هذا الضغط.
بدلا من تشجيع بوتين على التوقيع على اتفاق سلام، أدت تصرفات ترامب إلى تصلّب موسكو، وهو ما دفع أوروبا لتقديم دعم أكبر لكييف، وساهم ذلك في توجيه أوكرانيا ضربة عسكرية كبيرة لروسيا.
رغم الفوارق الحاسمة بين حالة أوكرانيا، التي تعتبر امتدادا للمعسكر الغربيّ، وحالة «حماس» في غزة، التي تواجه هذا المعسكر، الذي يعتبر إسرائيل امتدادا له، فإن ترامب اختار، في الحالتين، الوقوف مع المعتدي.
في تصريح القاه أول أمس الخميس، قال ترامب إنه من المستبعد أن يحصل اتفاق بين روسيا وأوكرانيا، وهو تصريح يلخص المآل البائس لمزاعم الرئيس الأمريكي حول «إنهاء الحروب»، وإعلان صريح عن فشل «مشاريع السلام» التي وعد بها ناخبيه والعالم.
العبرة من سياسة الرئيس الأمريكي لـ«إنهاء الحروب» هي تحميل الآخرين أكلافها (زيادة مساهمة أوروبا في حالة أوكرانيا، والانسحاب من اليمن والتفاوض مع إيران في حالة غزة)، والوقوف مع المعتدي، روسيا وإسرائيل، والضغط على الطرف الأضعف، وهذه الأخيرة سياسة «مبدئية» لأنها تنبع من صلب المنظومة الأيديولوجية التي يقوم عليها عالم ترامب الذي يمكن فيه للقويّ أن يهجّر الأضعف من أرضه ليبني «ريفييرا»، وتكون السيطرة على ثروات أوكرانيا المعدنية أهم من التزام نظامها بالقيم الغربية للديمقراطية!
- القدس العربي


























