يقدّم نص أحمد مولود الطيار، في مقاله المنشور في صحيفة (العربي الجديد) (أيار/مايو 2025) قراءةً نقديةً حادةً للنظام السوري الجديد من خلال عدسة فلسفية واحدة تتمثل في مقولات حنة أرندت عن التوتاليتارية. ينشغل الكاتب في النص بفكرة مركزية: أنّ كل ما يحدث في سوريا بعد سقوط نظام الأسد ما هو إلّا إعادة إنتاجٍ لمنطق الديماغوجية التوتاليتارية، الذي يختزل الحاضر والمستقبل في حيلةٍ خطابية. ورغم ما في هذا الطرح من إشاراتٍ نقدية مهمة، فإنّ النص يعاني من مشكلات منهجية جوهرية تجعله يبتعد عن التحليل العلمي المتوازن للدولة، فيتحوّل إلى حكمٍ أيديولوجي مسبق يُفرغ الوقائع من سياقاتها المتعدّدة.
أولاً. اختزال الدولة في النظام وحده
يبدأ النص من فرضية أساسية لم يبرهن عليها: أنّ النظام الجديد في سوريا هو نسخة مطابقة لأنظمة بشار الأسد. هنا يتجاهل النص التمييز الجوهري بين الدولة (بمعناها المؤسسي، الإداري، الاقتصادي، والقانوني) وبين النظام السياسي القائم فيها. فالنظام السياسي هو مجرد أحد مكوّنات الدولة، وليس كلّها.
في العلوم السياسية، يُفهم بناء الدولة على أنه عملية معقدة متعددة المستويات، تتضمن:
- هيئات إدارة مدنية (وزارات، بلديات)
- أجهزة قضائية وأمنية تتنافس على الشرعية والسيطرة.
- سوق اقتصادي يعيد تشكيل قواعد النفوذ.
- علاقات مع المجتمع المدني والفاعلين المحليين.
لكن النص يتجاهل كل هذه الأبعاد، ويُركّز فقط على رأس النظام وبعض التعيينات السياسية، ثم يعمم نتائج هذا الفحص المحدود على الدولة كلها. والنتيجة: صورة مشوهة تختزل الدولة السورية الجديدة في مجرّد “حيلة أيديولوجية”، دون فحص حقيقي لمسار بناء الدولة أو تفاعلاتها.
ثانياً. القراءة الأيديولوجية المغلقة
يستند النص بشكل حصري، تقريباً، إلى أطروحات أرندت، وتحديدًا فكرة “التلاعب بالمستقبل” لتجنب نقد الحاضر. ومع أن هذه الأداة الفكرية ثمينة في فهم التلاعب السياسي، إلا أنّ تحويلها إلى عدسة شاملة لتفسير كل الممارسات يفقدها قيمتها العلمية.
وبدلاً من تحليل القرارات ضمن سياقها المعقّد، يقرؤها الكاتب كدليل مُطلق على توتاليتارية حتمية:
- البيان الدستوري = حيلة للسيطرة.
- التعيينات السياسية = تجسيد للريع والهيمنة.
- هيئة العدالة الانتقالية = غطاء للانتهاكات.
هذا النهج يُهمل تماماً الأسباب الواقعية أو الضغوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تُجبر الحكومات الانتقالية على اتخاذ إجراءات متسرعة أو غير مثالية. أي أنه لا يفسح المجال أمام التفسير الهيكلي (Structural Interpretation)، بل يظل سجين “محاكمة أيديولوجية” ترفض رؤية أي أفقٍ بديل.
ثالثاً. تغييب الديناميكيات الداخلية وتفاعلات بناء الدولة
باستقراء التجارب الانتقالية عالمياً، تُظهر الدراسات المقارنة (في رواندا، جنوب إفريقيا، تشيلي…) أنّ الديناميكيات الداخلية للدولة غالباً ما تنشأ من تفاعل عوامل متناقضة:
- مصالح الأجهزة الأمنية والعسكرية.
- الضغوط الدولية والإقليمية.
- مطالب المجتمع المدني.
- التنافس داخل الائتلافات الحاكمة نفسها.
والنص المذكور لا يناقش أياً من هذه الديناميكيات؛ بل يختزل كل حركة داخل الدولة الجديدة إلى مناورات استبدادية أحادية الغاية. هذا التجاهل يُفرّغ النص من طابعه التحليلي، ويجعله أقرب إلى بيان أيديولوجي منه إلى دراسة علمية.
رابعاً. تجاهل مفهوم الشرعية ومتطلبات بناء الاستقرار
يفترض النص أنّ “كل ما جرى حيلة”! وأن لا شيء فيه يُمكن تفسيره بغير منطق الهيمنة. لكن التجربة التاريخية لبناء الدول تُظهر أنّ أي نظام جديد يسعى، حتى لو كان في سياق أزمة، إلى تأسيس شرعيته:
- أحيانًا عبر الإنجاز (الخدمات، الأمان)
- أحيانًا عبر التمثيل الشعبي (حتى لو كان نسبيًا أو ناقصاً)
- أحيانًا عبر التفاوض مع قوى أخرى (قبلية، مدنية، اقتصادية)
وغياب الحوار في هذه الأسئلة في النص يحرمه من تحليلٍ فعّال لعلاقة النظام بالمجتمع، وهي علاقة تُحدّد مستقبل الدولة وليس فقط خطاب السلطة.
خامساً. إصدار أحكام مطلقة على المستقبل
أخطر ما في النص أنه يحكم على المستقبل بأحكام نهائية:
- “ما يُقال اليوم مجرّد وعد كاذب لن يتحقق”
- “كل ما يحدث سيقود حتماً إلى استبداد مشابه”
مثل هذه الأحكام تُنافي طبيعة الظواهر السياسية التي تتشكّل باستمرار، في سياقات متقلّبة، وبفعل ضغوط وتناقضات لا يمكن التنبؤ بها تماماً. في حين أن علم السياسة يُدرّبنا على رؤية الاحتمالات، لا على إطلاق أحكام قطعية مطلقة.
والأكثر خطورةً، في هذا المقام، أنّ مثل هذه النظرة قد تُسهم، ولو عن غير قصد، في إشاعة حالة اليأس الشعبي، وكأن كل محاولة إصلاحية محكومة بالفشل قبل أن تولد.
وإذا أردنا أن نفهم مسار الدولة السورية الجديدة، لا بدّ من تجاوز الاختزال الأيديولوجي، والانتقال إلى تحليل الدولة كمجال معقد، متناقض، ويحتاج دوماً إلى التفاوض والتفاعل مع المجتمع ومؤسساته، بدلاً من اختزاله في “حيلة أبدية” لا تعكس الواقع بكل تناقضاته. ثم إن إعادة تحليل الحالة السورية في ضوء مفاهيم الدولة، وليس فقط في ضوء الأيديولوجيا، يفتح أفقاً جديداً للفهم، ويتيح نقداً أكثر علميةً وواقعية. فبدلاً من مصادرة المستقبل وتأطيره ضمن ثنائية “الخلاص أو التكرار”، ينبغي مساءلة الحاضر بموازين دقيقة تُفرّق بين محاولات الهيمنة، ومحاولات بناء الدولة، مهما كانت محدودة أو متعثرة. وهذه القراءة هي، وحدها، الكفيلة بتقديم فهم موضوعي للتحولات الجارية في سوريا، بعيداً عن محاكمات أيديولوجية مسبقة.
ختاماً، فإنّ النص، برغم مهارته البلاغية، يظلُّ في مجمله أقرب إلى بيان أيديولوجي ينتصر لرؤية واحدة، دون محاولة فحص الدولة السورية الجديدة بوصفها كياناً متعدّد الأبعاد، قابلاً للتفاوض والتطور بفعل ضغوط المجتمع وقوى الداخل والخارج. وإذا أردنا فهماً علمياً جاداً لمسار الدولة السورية بعد الثورة، فلا بدّ من مقاربة تنفتح على تناقضات الدولة والمجتمع معاً، بدلاً من الانغلاق في فرضية أيديولوجية واحدة.
- كاتب سوري
- متخصّص في مرحلة الدكتوراة (منذ أكثر من عشرين عاماً) في مجال “انتقال وتحوُّل الأنظمة السياسية / Regime Transition”، من “جامعة كليرمونت للدراسات العليا” في كاليفورنيا، التابعة في مناهجها لجامعة ستانفورد. وحقل الدراسة المذكور يعتمد على مفاهيم رئيسة، من أهمها: الشرعية (Legitimacy) / العقد الاجتماعي (Social Contract) / إعادة بناء الدولة (State-building) وغيرها.


























