استخدم النظام البائد في سوريا التعليم كأداة للتلقين والتسلّط لعقود طويلة، واليوم مع بزوغ ملامح دولة جديدة، يجد السوريون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور المدرسة والمعلّم في مشروع بناء الوطن، ويأملون في أن تُمنح للإنسان مكانته، حيث تتصاعد التحديات المرتبطة بإصلاح قطاع التربية، ليس على مستوى البنية أو المناهج فحسب، بل في عمقها القيمي والمؤسسي.
لقد تعرّضت العملية التعليمية في سوريا، على مدار أكثر من عقد، لضربات شديدة بسبب الحرب والانقسام والدمار والتهجير؛ إذ دُمّرت آلاف المدارس جزئياً أو كلياً، وانقطع ملايين الأطفال عن التعليم، وتعدّدت المرجعيات والمناهج تبعاً للسلطات الحاكمة في مختلف مناطق النفوذ.
لكن، وعلى أهمية هذه الكوارث التحتية، لا يمكن إغفال أن جوهر الأزمة التعليمية في سوريا اليوم أعمق من الدمار، ويتعلّق ببنية النظام التربوي ذاته: نظام قائم على التراتبية والطاعة والتلقين، بدلاً من المشاركة والنقد.
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، تجد السلطة الجديدة نفسها أمام تركة ثقيلة، وقد اختارت، في مقاربة براغماتية واقعية، الحفاظ على البنى الإدارية القائمة في عموم المؤسسات الحكومية، تفادياً لانهيار كامل أو فراغ إداري يصعب تعويضه، لكن هذه المقاربة، رغم ضرورتها الآنية، تنطوي على خطر حقيقي، وهو استمرار الذهنية القديمة داخل المؤسسات الجديدة، ما لم تُصاحبها سياسة إصلاحية واضحة تُعيد تعريف دور المدرسة والمعلم في الدولة الوطنية القادمة.
وعليه، يناقش هذا التقرير واحدة من أعمق المشكلات السياساتية في العملية التربوية، وهي وجود جهاز إداري وتعليمي ما يزال يعمل ضمن منطق وظيفي سلطوي يُعطّل أي تحوّل تربوي حقيقي، وينطلق التقرير من هذا التشخيص لاقتراح سياسة إصلاحية تحت عنوان “التحوّل التربوي المؤسسي”، تُعنى بإعادة تأهيل الكوادر وبناء ثقافة تربوية جديدة، تكون المدرسة فيها نقطة انطلاق لبناء الإنسان السوري القادر على بناء وطنه.
ففي كل تجربة إعادة إعمار، شكّل التعليم حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة، وسوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المدارس، بل إلى إعادة بناء الإنسان، والتعليم هو بوابة ذلك كلّه.
التناقض بين الذهنية التربوية الموروثة والرؤية المأمولة للدولة الجديدة
تشكّلت عقلية العملية التربوية في سوريا في ظل نظام شمولي اختزل وظيفة التعليم بالضبط والتلقين، وحوّل المدرسة إلى أداة لإنتاج الطاعة لا المواطنة، وتجذّرت هذه الذهنية في وعي كثير من المعلمين والمديرين والمشرفين، الذين بقوا على رأس عملهم داخل المؤسسات التربوية المنوط بها تنشئة جيل جديد على قيم مختلفة تماماً.
يتمثّل جوهر المشكلة في أنّ المعلّم، كما شكّله النظام السابق، لم يُدرّب على التفكير النقدي ولا على ممارسة المساءلة، وسادت مفاهيم مثل “هيبة المعلّم” و”الصف المنضبط” و”الطالب المؤدّب” بوصفها مؤشرات للنجاح المهني، في حين غابت معايير مثل احترام الفضول، وتشجيع المبادرة، وتقبّل الخطأ كجزء من عملية التعلّم، وتحوّلت الإدارة المدرسية إلى هرم سلطوي لا تخضع قراراته للتقييم، بل ترسّخ ثقافة الخوف والامتثال.
إنّ عملية التغيير التربوي هي مشكلة سياساتية تمس جوهر الانتقال من الدولة السلطوية إلى دولة الإنسان، واستمرار الكادر التربوي في ممارسة دوره بذات الأدوات القديمة يعني عملياً إفشال أي محاولة لبناء منظومة تعليمية تعكس مبادئ المرحلة الجديدة المأمولة، وهذا لا يتعلّق بالنوايا، بل بالقدرة المؤسسية على تفكيك الإرث الذهني للعقود السابقة، وبناء تصوّر جديد للسلطة التربوية: سلطة معرفية أخلاقية، لا هرمية قمعية.
وبحسب ما أظهرت تجارب مثل رواندا والعراق، فإنّ تجاوز هذا التحدي يتطلّب سياسة واعية لإعادة صياغة هوية المعلم نفسه، إذ لا يكفي إزاحة رموز الاستبداد من الكتب المدرسية، بل لا بد من تكوين جيل جديد من المربّين يحملون القيم البديلة في وعيهم وممارساتهم، لأن تحديث المحتوى من دون تغيير حامله البشري سيُعيد تلقائياً إنتاج نماذج السيطرة والاستبداد.
إنّ أي إصلاح حقيقي للتعليم في سوريا لن يبدأ من المناهج، بل من إعادة بناء الإنسان الذي يدرسها، والسياسة التربوية المطلوبة لا تقتصر على التدريب التقني، بل تشمل نقل الكادر التربوي من موقع “المؤتمن على الاستقرار” إلى موقع “الشريك في التغيير”.
مسارات تدخل مقترحة
أثبتت تجارب السوريين في مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء المؤقتة، في الداخل والخارج، قصور المقاربات التي اعتمدتها السياسات التعليمية التقليدية، مثل الدورات التدريبية القصيرة لتحسين أداء المعلمين، وظهرت محدودية فعالية هذه الأساليب في إحداث تغيير حقيقي ومستدام، لأنّها تعالج الظاهر ولا تمسّ جذور المشكلة المتمثلة بثقافة تربوية هرمية ومغلقة.
لذلك، يتطلب تحديث التعليم في سوريا تفكيراً استراتيجياً شاملاً يتعامل مع البنية العميقة للمنظومة التربوية، وليس مجرد تحسين مهارات فنية سطحية للمعلمين، وضمن سياسة عامّة لإعادة تأهيل الكوادر في سياق ما بعد النظام السابق، يمكن اقتراح مسارات تدخل عميقة ومحددة لكسر الذهنية السلطوية وإعادة تشكيل البيئة التربوية بما ينسجم مع القيم الجديدة:
- 1. تفكيك الهرمية داخل المدرسة: من الضروري تمكين المعلمين وإشراكهم في صنع القرار داخل المدرسة، وتعزيز دور مجالس أولياء الأمور والطلاب، بحيث تُدار المدرسة بأسلوب حوكمة تشاركي وديمقراطي، فإنّ إشراك المجتمع المحلي في إدارة المدارس يعزّز المساءلة ويكسر احتكار السلطة داخل المؤسسة التعليمية.
- 2. إشراك الطلاب في تقييم المعلمين: إذا صُمّمت آلية التقييم هذه بعناية، بما يضمن النزاهة والتوازن، يمكن أن تُحدث تغييرًا في ذهنية المعلم، ويتحوّل من سلطة مطلقة في الصف إلى مرشد يستمع لاحتياجات طلابه ويسعى لكسب احترامهم عبر الأداء التربوي الجيد، كما تُنمّي هذه الخطوة حس المسؤولية المدنية لدى الطلاب وتعلمهم التعبير البنّاء عن رأيهم.
- 3. تحويل المدرسة إلى فضاء عام للمصالحة: عانى النسيج الاجتماعي السوري من انقسامات عميقة خلال سنوات الثورة، سبقتها فترة طويلة من التجاهل وتجريم أي حديث عن الطوائف والأعراق، وهنا، يمكن للمدرسة أن تؤدي دوراً حيوياً يتجاوز التعليم الأكاديمي، لتصبح ساحةً للمصالحة ومركزاً للالتقاء والحوار، من خلال تبنّي برامج تربوية تعزز السلام وترسّخ قيم التسامح وتقبّل الآخر وحل النزاعات سلمياً واحترام حقوق الإنسان.
- 4. تطوير ميثاق سلوك تربوي جديد: لا يمكن تغيير الثقافة التربوية من دون وضع معايير أخلاقية ومهنية جديدة تحكم أداء وسلوك الكادر التعليمي، والمطلوب هو صياغة ميثاق سلوك تربوي وطني يتوافق مع القيم السورية الجديدة (مثل احترام التنوّع، نبذ العنف بما فيه العقاب البدني أو اللفظي، النزاهة والشفافية، حماية كرامة الطالب، تعزيز التفكير النقدي بدل التلقين، تشجيع المبادرة، والتركيز على التصحيح والتحسين المستمر بدل العقاب فقط)، وينبغي أن يكون هذا الميثاق واضحاً ومحدداً ومدعوماً ببرامج تدريبية، إلى جانب آليات رقابة ومساءلة فعّالة لضمان تطبيقه.
- 5. تغيير جذري في نظام الإشراف التربوي: طالما ارتبط المشرف التربوي في النظام التعليمي السوري بدور رقابي عقابي يُمثّل السلطة المركزية، مما كرّس ثقافة الخوف لدى المعلمين وأضعف روح المبادرة لديهم، إذ لا بد من إعادة تصميم هذا الدور ليُصبح داعماً وتطويرياً بدلاً من كونه أداة تفتيش بيروقراطية.
وتوصي الأدبيات التربوية الدولية بأن تكون زيارات المشرفين الصفية فرصة لتقديم تغذية راجعة بناءة، ومساعدة المعلم على تحسين أدائه. على سبيل المثال، يُعدّ إنشاء مجتمعات تعلّم بين المعلمين أحد الأساليب الفعالة لتحسين الممارسات التعليمية عبر التشارك والتعلّم الجماعي.
- 6. الاستفادة من الخبرات العائدة: على مدى أكثر من عشر سنوات، تفرّق ملايين السوريين في جميع أنحاء العالم، تلقّوا خلالها التعليم والتدريب في العديد من المؤسسات، وأصبحوا، في أحيان كثيرة، جزءاً من الكوادر الإدارية والتعليمية في مؤسسات دولية أخرى، إن عودة هؤلاء وأبنائهم إلى وطنهم ستخلق نوعاً من التفاعل الإيجابي مع البيئة التعليمية في سوريا الجديدة، وسيلعب المناخ الذي تفرضه المديريات التربوية دوراً مهمّاً في الاستفادة من هذه الخبرات العائدة من دون الانتقاص من حقوق المعلمين والإداريين القدامى.
في ظل سعي سوريا للخروج من دوامة النزاع وبناء دولة جديدة تقوم على المصالحة والمواطنة والنهضة العلمية والاقتصادية، يبرز قطاع التعليم كحجر زاوية في إعادة البناء المجتمعي، فقد ورثت المدرسة السورية إرثاً ثقيلاً من الذهنية التربوية السلطوية التي ترسّخت عبر عقود من الحكم الاستبدادي، استُخدم خلالها التعليم كأداة لغرس الطاعة العمياء، وخدمة الأجندات الأيديولوجية للنظام.
ومع انطلاق جهود إعادة الحياة إلى البلد والإنسان، تلوح فرصة تاريخية لإعادة بناء الكادر التربوي على أسس جديدة تنسجم مع قيم سوريا المستقبل، لكن تحقيق هذا التحوّل يتطلّب سياسة عامة شاملة تتجاوز الحلول التقنية السطحية، وتعتمد مسارات تدخل عميقة لتفكيك الثقافة المدرسية القديمة، وبناء علاقة تربوية صحية في المدارس تُشجّع على الحوار والمبادرة والبحث العلمي.
في النهاية، يجب أن تنظر الدولة إلى إصلاح التربية كاستثمار استراتيجي في مستقبل البلاد، فتتبنّى رؤية تحويلية يشارك في صياغتها جميع المعنيين، وبهذا، تنتقل المدرسة السورية من كونها أداة للضبط الأيديولوجي السلطوي في الماضي، إلى فضاء لبناء الإنسان الواعي، القادر على المشاركة في بناء سوريا الجديدة، إنها عملية شاقة، بلا شك، لكنها ضرورية وأساسية لإعداد جيل يرتقي بالبلاد، ويحمي قيمها الجديدة.
- تلفزيون سوريا



























