نشر موقع الحوار المتمدن مقالاً للكاتب سليم نصر الرقعي بتاريخ 2025 / 6 / 23 تحت عنوان – التصوّر الإسلامي الليبرالي لدولة سوريا الجديدة والرشيدة!؟ – وفيه يخبرنا بداية المقال بأنه مدّون ليبي من اقليم برقة- أما نهاية المقال فكان التوقيع على الشكل التالي:
– أخوكم العربي/ البريطاني المحب – !!
وسواء كان الكاتب ليبياً أم بريطانياً فقد سررت بمقاله جداً, كونه يتعاطف مع السوريين في محنتهم الحالية , ويتمنى أن تنتهي بأقرب وقت, ولكن المقال احتوى على تناقضات عجيبة غريبة . بدأ المقال كما يلي :
(كمسلم ليبرالي غير علماني وغير أصولي ،فإنني أرى أنه يمكن بناء دولة سوريا الجديدة والرشيدة وفق الفكر العربي الإسلامي (الليبرالي) بعيدًا عن إيديولوجيات الأصولية العلمانية، وكذلك الأصولية الدينية، لتصبح سوريا أول دولة عربية مسلمة تعلن في دستورها بأنها دولة ((ليبرالية)) دينها الإسلام، أي أنها دولة مسلمة لكنها (ليبرالية) وليست (أصولية …..)
لو أن الكاتب قال:كلبرالي مسلم: لهان الأمر لكنه يصّر على ان تكون اللبرالية ملحقة بالإسلام . وهكذا تكون الليبرالية أداة بيد أصحاب الأنظمة السياسية سواء كانت دينية أم علمانية، لنقول ليبرالي مسيحي , ليبرالي يهودي , ليبرالي علماني, لبرالي ديمقراطي؟!
إن الليبرالية يا صاحبي نظام سياسي متكامل معنيُ بالعدالة الاجتماعية أولاً، وبالأخلاق والقيم الإنسانية ثانياً, ظهر إلى الوجود في القرن السابع عشر الذي عُرف بقرن الأنوار، وقد قام تنويره على أساس استبدال الأخلاق القائمة على الدين, بأخلاق نقدية عقلانية كأساس لحضارة كونية تتدخّل فيها الدولة لتطوير المجتمع اقتصادياً وسياسياً كي يأتي التطوير متناسباً مع الواقع ومع موهبة الأفراد وجهدهم لتحصيل ثروتهم . تطورت الليبرالية على يد الفلاسفة الأوروبيين- بدءاً من جون لوك, مروراً بـ(ستيوات ميل), وصولاً إلى (جون رويلز)- بما يتناسب مع العلم ومكتشفاته الجديدة .وجميعهم ميّزوا بين اللبرالية كنظام سياسي معنيّ بالعدالة الاجتماعية, وبين الديمقراطية كأداة في الحكم, لا علاقة لها في العدالة الاجتماعية, وهي أقدم من اللبرالية ومع أن الكاتب أشار إلى شيء من هذا بقوله: (أنا أنصح كل الدول العربية وخصوصًا سوريا الجديدة بعدم الاستعجال في الدخول إلى حلبة التنافس واللعبة الديمقراطية، إلا بعد تعزيز روح الليبرالية في المجتمع والدولة ….) لكنه عاد إلى التناقض عندما بدأ بالحديث عن عائلة الشرع – واحتمالية تشكيلها في سوريا لإمارة إسلامية ليبرالية ديمقراطية- ناقض نفسه- تماماً مثل ترامب؛ ليخلط عباس بدبّاس, فهو يتحدث عن إمكانية تحويل سوريا إلى إمارة إسلامية ديمقراطية تستند على آيات قرآنية تمثل الروح الليبرالية، حسب وصفه، مثل ((لا إكراه في الدين)) ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين!؟؟))((لست عليهم بمسيطر)) ((وما أنت عليهم بجبار)) (((من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) ((لكم دينكم ولي دين))، ويتناسى أن هناك آيات أخرى في القرآن تحضّ على العنف، وهي أكثر من الآيات التي ذكرها صديقنا، والآية التالية هي النموذج ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) سورة المائدة الآية ( 33) .كما أنه لم يخبرنا ما مصير غير المسلمين في سوريا الإسلامية ؟ هل سيدفعون جزية أو ضريبة لقاء حماية الدولة الإسلامية لهم!! أنا أنصح الكاتب أن يقرأ كتاب – الدولة المستحيلة – للدكتور وائل حلاق وهو مسيحي فلسطيني يحترم الإسلام كثيراً، وقد كتب في كتابه حرفياً ص 284 ( إن الفقراء في الإسلام جزء أصيل من الله وهو جزء أصيل منهم، وحين تقوم على خدمتهم فكأنك تخدم الله ) .ليتعرف على وجهة نظره حول استحالة تحويل تشكيل دولة اسلامية في القرن الواحد والعشرين .
بكل أسف ومرارة أقول : جرى لليبرالية ما جرى لكل الأنظمة السياسية في التاريخ، سواء كانت قومية أم دينية حيث استطاعت الطبقات المسيطرة أن تهضمها، وتجعلها بالنهاية تخدم مصالح فئة في المجتمع على حساب باقي الطبقات الاجتماعية. وبناء على ذلك أصبحت الليبرالية على يد تاتشر وأمثالها، وكأنها هي الأداة, والديمقراطية هي النظام السياسي !! أمّا تدخّل الدولة في الاقتصاد، فهو ضار جداً لحركة السوق، لأنه سيحرم المجتمع من الصراع التنافسي الذي يراكم فيه الأذكياء الثروة بين أيديهم, في حين سيعاني الفقراء الأغبياء من تبعات عجزهم. وهو ما أدّى بالنهاية إلى تفاوت شديد في توزيع الثروة القومية داخل دول تسمي نفسها لبرالية, وهل يعقل أن تُسمّى دولة مثل أمريكا ليبرالية، وفيها يمتلك ترامب وإيلون ماسك وعدد محدود من المليارديرين أكثر من 95% من الدخل القومي؟ نعم يمكننا أن نسمّي هذه الدولة ديمقراطية . لكن بموجب هذه الديمقراطية وصل هتلر إلى السلطة في ألمانيا, أما بريطانيا التي تسكن فيها يا صديقي، فهي أول من شوّه الليبرالية ولحقتها فيما بعد أمريكا وفرنسا وكل الدول الأوروبية تقريباً.
سوريا الى أين ؟ تحت قيادة الشرع .
تفاءل السوريون بسقوط النظام السوري المتوحش الذي أذاقهم العذاب ألواناً, زادت جرعة التفاؤل بتلك الطريقة التي تمّ فيها فتح أبواب السجون في الداخل, والسماح لمن يرغب في الخارج للعودة إلى وطنه دون أن تتم مساءلته كما كان يتمّ سابقاً, لكن جرعة التفاؤل خفّت كثيراً بعد استبدال الشيخ بالضابط, الأنكى من هذا هو إجراءاتهم السياسية التي نمّت عن رغبة في الاحتفاظ بالسلطة الى الأبد مثل الطريقة التي تعاملوا فيها مع عقد ما سمّوه مؤتمر وطني, وبعده محاولة تركيب برلمان من دون انتخابات يفصّلونه على مقاسهم، ويجعل الوصول إلى انتخابات مضمونة لصالحهم, ولو أنهم قرؤوا التاريخ السوري وانتخاباته أيام الانتداب الفرنسي أولاً، ومن ثم بعد الاستقلال لغيروا رأيهم. إن انتخابات عام1928 أيام الانتداب الفرنسي نتج عنها دستور ينصّ على عدم التجديد لولاية رئاسية ثانية للرئيس، وكان الغرض منه قطع الطريق على أي رئيس يضعف أمام كرسي الحكم, والبرلمان المشكّل بموجب تلك الانتخابات لم يعجب فرنسا التي ادّعت أنها منتدبة إلى سوريا لتحديثها. وكأن التحديث يتمّ بقصف البرلمان لأن انتخاباته جاءت بما لا يناسبها!.
أما بعد الاستقلال فقد جرت الانتخابات بشكلين .
الشكل الأول: لإنتاج دستور جديد للدولة (تجرى مرة واحدة فقط )، وقد استطاعت الكتل السياسية المنتخبة التفاهم فيما بينها بعد جلسات دامت شهوراً متعددة، وتوافقت على دستور يتألف من 167مادة, كانت المادة الثالثة فيه حول دين الدولة والتي أخذت وقتاً يوازي كل المواد الأخرى.
الطريف في الأمر أن النواب المسلمين كانت بينهم جهتان:
– جهة تودّ أن ينصّ الدستور على أن يكون دين الدولة هو الإسلام، وهم حزب الاخوان المسلمين بقيادة مصطفى السباعي.
– جهة أخرى تريد أن ينصّ الدستور على أن يكون دين الدولة هو الإسلام، وهي رابطة العلماء المسلمين بقيادة الشيخ أبو الخير الميداني.
بالنهاية توافق المجتمعون على أن يكون دين رئيس الدولة مسلماً.
الشكل الثاني : انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان تجرى بشكل دوري كل أربع سنوات ينتج عنها وزارة تشكلها الأغلبية, في حين تتحول الأقلية إلى معارضة رسمية في البرلمان.
نُشر الدستور في الجريدة الرسمية في أيلول عام 1950وكان أول دستور في المنطقة يسمح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات ويلغي الطائفية السياسية فيها .
استمرت الانتخابات – بعد أن عاد العسكر إلى ثكناتهم أثر هزيمتهم في حرب 1948- بنفس الروح، وجرت انتخابات في عام 1954نتج عنها كتل سياسية تمثّل كل فئات الشعب تمثيلاً واقعياً مما أطار صواب كل الدول العربية المجاورة ومن ورائها أمريكا والغرب، وقد اشتركوا جميعاً في إجهاض الحكم النيابي السوري وإعادته إلى الحظيرة العربية .
العجيب الغريب في حكومة سوريا الحالية بقيادة الشرع أن تسلك سلوكاً مشابهاً لحكومات الشرعية
الثورية ,وإلا ما معنى تشكيل ما سمته “مؤتمر وطني” بتعيين أعضائه من قبلها؟ وهي الآن تستعد لتشكيل برلمان بالتعيين، وللرئيس الشرع حصة الأسد بهذا التعيين ؟ ولماذا لم تعتمد الدستور السوري أيام الخمسينات والذي يصلح للفترة الحالية صلاحية تامة طيلة المرحلة الانتقالية؟ ربما لم يفت الوقت كي تتبنى الحكومة الحالية دستور الخمسينات تعمل بموجبه طيلة الفترة الانتقالية، وتهيّئ الجو لانتخابات حرة بإشراف دولي، وبهذا السلوك تكون حقاً قد أسست لاعتبارها امتداداً لحكم الخمسينات وشرعيته الدستورية، وليس لها علاقة بالشرعية الثورية التي حكمت سوريا بموجبها من عام 1963 حتى عام 2024.
- كاتب سوري

























