تحديات الاستقلال السوري الثاني: دروسٌ من أميركا كيف نكون دولةً، لا سلطةً فقط؟ وكيف نصبح وطناً، لا مجرد خريطة؟

وائل مرزا

article
في كل يومٍ رابعٍ من تموز، تقفُ الولايات المتحدة الأميركية أمام مرآتها التأسيسية، وتنظر إلى الوثيقة التي كتبت بدايتها كأمّة: إعلان الاستقلال. لكنها لا تفعل ذلك باعتباره احتفالاً وطنياً وحسب، وإنما بوصفهِ فِعلَ مراجعةٍ دائم. فالمجتمع الأميركي لم يُبْنَ على اليقين، بل على التفاوض. وعلى الرغم من كل ما يبدو عليه من جبروتٍ مؤسساتي، فإن هذا الكيان الهائل لم يكفّ – منذ لحظة ولادته – عن التورّط في أسئلته الكبرى: من نحن؟ ومن يشمله العقد؟ من يملك القرار؟ كيف تُوزع الثروة؟ ما حدود الحرية؟ وكيف تُدار التعددية؟ وما حدود الحلم، حين يتصدّع الواقع؟ إنها دولةٌ لم تنتهِ من تأسيس ذاتها بعد، لأن مثل هذه الأسئلة الكبرى لا تنتهي عند لحظةٍ في الزمان أو المكان!

ففي اللحظة التي أعلنت فيها المستعمرات الثلاث عشرة استقلالها عام 1776، لم تكن أميركا دولةً، وإنما كانت وعداً.. تعبيراً عن شوقٍ جماعيٍ لقطع العلاقة مع التاج البريطاني، ليس فقط سياسياً، وإنما أيضاً معرفياً وقيمياً. ولم يكنْ أمامها، حتماً، طريقٌ مفروشٌ بالورود. فقد واجهت تحدياتٍ هائلة: من توحيد ولاياتٍ ذات مصالح متباينة، إلى بناء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ راسخة، مروراً بِصياغةِ دستورٍ يُوازنُ بين الحقوق والواجبات. والتاريخ الأميركي لم يكن، يوماً، نزهةً ديمقراطيةً ناعمة. وإنما كان ميداناً مليئاً بالتناقضات: بين العبودية، التي ظلت لعقودٍ وصمة عارٍ في جبينِ الأمة، وإعلان الحرية، بين المجازر بحق السكان الأصليين وخطاب العدالة، بين الفقر في الأحياء الخلفية ومفردات الحلم الأميركي. ومع ذلك، ظلت البلاد قادرةً على امتصاص أزماتها، لا لأنها تخطّتها دائماً، بل لأنها استطاعت أن تخلق «نظاماً يسمح بالبقاء داخل اللعبة» حتى في لحظات الغضب والانقسام. كانت تلك، إذاً، لحظة ولادةٍ لفكرةٍ عظيمة، لكنها كانت أيضاً بداية صراعٍ طويلٍ مع الواقع، ومع التناقضات الداخلية التي تُلازمُ أيَّ مشروعٍ بشريٍّ طموح.

وعليه، يمكن القولُ إن إعلان الاستقلال لم يكن وثيقةً قانونيةً باردة، وإنما بياناً فلسفياً في وجه الإمبراطورية، ونصاً يطمح إلى تأسيس هويةٍ جديدة على أسس «الحرية، وحق الحياة، والسعي نحو السعادة».

رغم كل هذا، لم يكن التحدي الحقيقي يكمن في الكتابة، بل في الصمود. فبعد أقل من قرن، دخلت البلاد في حربٍ أهليةٍ دموية، لأنه لم يكن ممكناً أن تبقى العبودية قائمةً في وطنٍ يدّعي أن «كل البشر خُلقوا متساوين». وقد ظلت تلك الثنائيات المتفجرة تتناسل حتى اليوم: الحرية مقابل الأمن، الرأسمالية مقابل العدالة الاجتماعية، الفيدرالية مقابل الوحدة، والمركز مقابل الأطراف.

وها هي أميركا اليوم، بعد 247 عاماً من إعلان استقلالها، لا تزال تُصارِعُ نفسها وحُلمها في الداخل أكثر مما تُصارع في الخارج. وفي هذا مفارقةٌ تستحق التأمّل: فالدولة التي تُنتج الخطاب العالمي عن الحريات والحقوق، تعاني اليوم من تدهور ثقة مواطنيها بمؤسساتها، ومن تصاعد القلق الطبقي، ومن تنامٍ عميق في الانقسامات الهوياتية على كل صعيد.

ففي السنوات الأخيرة، عادت أميركا لتعيش لحظة قريبة من قلب أزمتها التأسيسية: لا بسبب عدوّ خارجي، بل بسبب السؤال الداخلي: من يمتلك القرار؟ وما معنى أن تكون مواطناً؟ وهي اليوم، مع كتابة هذه الكلمات، لا تزال تبحث عن نفسها في هذا العالم، وعن تفاصيل حلمها الحقيقي فيه، أكثر مما يعتقد كثيرون، ممن ينظرون إليها من الخارج.

وفي لحظةٍ يبدو فيها أن دمشق وواشنطن تعيدان التفكير في قواعد الاشتباك، لا كعدوين مباشرين، بل كشريكين مترددين في واقعٍ يتغير، تلوح أمام سوريا فرصةٌ نادرة، ليس لإعادة تموضعها الدبلوماسي فقط، وإنما لمراجعة الذات السياسية والاجتماعية والثقافية من موقعٍ جديد. ذلك أن الدرس الأميركي ليس في النصوص فقط، وإنما يتجلى في الشقوق التي ظهرت فيها. وهو ليس في الدستور، وإنما في محاولات تعديله. ليس في تمثال الحرية، وإنما في الحركات التي وقفت تحتهُ للمطالبة بالحقيقة.

وعبر مسافة القارات والسنوات، تقف سوريا اليوم على عتبةٍ مفصلية، لا تَقلُّ أهميةً عن تلك التي واجهتها أميركا عند ولادتها. فالتقارب الدبلوماسي الأخير بين دمشق وواشنطن لا يجب أن يُقرأ فقط في سياق التحولات الجيوسياسية، وإنما في سياقٍ أعمق: سياق مراجعة الذات الوطنية. فكما أن أميركا لم تُبنَ على صورةٍ جاهزة، فإن سوريا – بعد عقدٍ ونيف من الحرب – مدعوةٌ لا إلى العودة إلى ما قبلها، بل إلى إنتاج ما بعدها.

لهذا، فإن سوريا اليوم، وهي تنفض عن نفسها ركام الحرب، يجب ألا تُغريها فكرة الاستقرار السريع، ولا وهمُ الإنجاز الفوري. فبناء الدولة ليس حدثاً صاخباً، وإنما هو مسارٌ شاق، مليءٌ بالمطبّات، وبالتراجعات والتصحيحات، كما هو الحال في أعرق الديمقراطيات.

من هنا، فإن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس دستوراً مُنمّقاً، وإنما صياغةٌ مُحكَمة، وحكيمة، لعقدٍ اجتماعيٍ يَشعر الناس أنهم جزء من صياغته. وليس مجرد «حكومة» تمثل الدولة، بل دولة تمثل المواطنين. نحن، في سوريا، أمام لحظة تأسيسٍ تُعيد طرح السؤال الجوهري: ما الدولة التي نريد؟ من هو المواطن؟ وما معنى التمثيل، وتداول السلطة؟ وكيف تتم إعادة توزيع الموارد؟ وما شكل العقد الذي يربط الجميع؟ وعلى أي أسس يتم إنتاج سرديةٍ جديدةٍ جامعةٍ لا تُلغي التعدد، بل تروّضه وتعيد توجيهه.

هذه أسئلةٌ لا يمكن الإجابة عليها بالاستعانة بقوالب مستوردة أو برفضها بالكامل، وإنما من خلال العودة إلى الجذور الحضارية السورية التي طالما عرفت كيف تدير التعدد، وتوازن بين السلطة والمعنى.

فهنا، تحديداً، تكمن الفرصة المهمة لسوريا في مرحلتها الحالية وللمراحل القادمة. وبدلاً من الوقوع في فخ اليأس من حجم الدمار والتحديات، أو محاولة استنساخ نماذجَ جاهزة لا تتناسب مع واقعها، يمكن لسوريا أن تستفيد من التجربة الأميركية بشكلٍ عميق. مرةً أخرى، ليس بتقليدها، وإنما بفهم جوهر عملية البناء المستمرة، والإقرار بأن التقدم ليس خطاً مستقيماً، وأن التحديات هي جزءٌ لا يتجزأ من المسيرة.

إن ما نراه في النموذج الأميركي ليس كمالاً، وإنما هو صراعٌ دائمٌ مع النقص. إنه ليس استقراراً، وإنما هي قابليةُ الاستمرار رغم العواصف. وهذا، تحديداً، ما يجب أن تتعلّمه سوريا الجديدة: أن تبني دولةً لا تخشى النقد، ولا تنهار عند أول اختلاف، ولا تقدّم الشكل على الجوهر.

وكما أن أميركا لا تزال تُصارع رغم مرور القرون، فإن على سوريا أن تدرك أن بناء الدولة لا يكون بإنهاء الحرب فقط، بل بابتكار نظام سياسي قابل لإدارة الحياة اليومية بتوازن وحسٍّ تاريخي. ففي لحظة الاستقلال، كتب الأميركيون إعلانهم، لا لأنهم كانوا أقوياء، بل لأنهم قرروا أن يكونوا كذلك.

وفي لحظة التحوّل، يجب أن يكتب السوريون رؤيتهم، لا بِوَهمِ الكمال، بل بشجاعة السؤال: كيف نبني ما لا يُكسر؟ وكيف نخلق وطناً نحبّهُ، ليس لأنه بلا عيوب، بل لأنه يُنصت إلينا ونحن نُشير إليها؟

ثمّة فرقٌ بين أن تستعير الأدوات، وأن تبني نسختك الخاصة. وسوريا لا تحتاج نسخةً مستنسخة من التجربة الأميركية. وإنما تحتاج إرادةً مؤسساتية تؤمن أن الخطأ قابل للتصحيح، وأن الإجماع لا يأتي من القسر، بل من التفاهم، وأن القوة لا تُقاس بكمّ السلاح، بل بعمق ثقة المواطن بمؤسساته.

وفي خضمّ تأمُّلنا في التاريخ الأميركي، وما فيه من دروس عن التحوّل والديناميكية، لا يمكن لسوريا – وهي الأمة التي وُلدت قبل الولايات المتحدة بآلاف السنين – أن تبدأ من الصفر. وإنما هي مدعوّةٌ لاستلهام ما اختزنته ذاكرتها الجماعية من تجارب حضارية جعلتها، في لحظات عديدة من التاريخ، مركزاً فكرياً وسياسياً وثقافياً في محيطها.

إن ما يُنتظر من سوريا اليوم ليس الانخراط في قوالب جاهزة، بل ابتكار نموذجها الخاص: نموذج يُجيد استعادة التوازنات القديمة، بين الفرد والمجتمع، بين المركز والأطراف، بين السلطة والمعنى، ويُعيد بثّ الحياة فيها بهيئةٍ مؤسسيةٍ حديثة، لا استعراضية.

لقد عرف السوريون، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، أن الدولة لا تكونُ بالإكراه وحده، بل بالتوازن. وفي حلب القديمة كما في دمشق، كانت الأسواق والجوامع والمدارس والحمامات العامة، دلالةً على مدينةٍ تَعرف كيف تُنظم العلاقات بين الإنسان والحياة. وتلك رؤيةٌ لا تزال قابلة للاستنهاض، لكن بشروط العصر: لا بحنين الماضي، بل بقوة الفكرة.

ولهذا، فإن ما تحتاجه سوريا ليس فقط إصلاح القوانين، وإنما إعادة اكتشاف الطاقات الكامنة في شعبها، وتحريرها من القوالب الضيقة، سواء تلك التي فَرَضها الصراع، أو تلك التي فَرضها الخوف من المبادرة. فالإبداع يجب أن يتحوّل من رفاهية إلى ضرورة وطنية. وكل طاقة سوريّة – في الداخل أو الشتات – هي جزءٌ لا يتجزأ من هذه المهمة.

ولأن المشروع الوطني لا يكتمل دون إخراجٍ مؤسسيٍ حقيقي، فإن المطلوب أن تتحوّل هذه الرؤية إلى برامج قابلة للتنفيذ، تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا على أساس الوصاية، بل على أساس الشراكة.

لقد آن لسوريا أن تُدرك أن التحدي ليس في إعلان السيادة بل في إدارة هذه السيادة داخل نسيجٍ مجتمعيٍ معقّد، متعدد المشارب، متشظّي الذاكرة. وأن الحداثة لا تعني القطيعة مع الأصالة، بل تعني تأسيس توازنٍ جديدٍ بين الاستقرار والتمثيل، بين الفكرة والدولة، بين التاريخ والواقع.

إننا لا نبحث فقط عن استقلالٍ جديد، وإنما عن سيادةٍ على الفكرة، وعن قدرةٍ على تحويل التجارب المتراكمة، المحلية والعالمية، إلى مسارٍ سوريٍ خالص، يحمل اسم هذا الشعب، وتوقيعه، وملامحه، ولا يشبه إلا نفسه.

ولذلك تحديداً، يصبح الإنسان السوري أهمَّ من كل شيء، بمعنى أن يُنظرَ إليه، في هذه اللحظة المفصلية، نظرةً شاملة: ككائنٍ منتجٍ للمعنى، وليس فقط مخلوقاً مُستهلِكًا للقرارات. ووفق تلك النظرة ينبغي أن يُعادَ توجيه التعليم والثقافة، والإعلام والاقتصاد، ليكون الإنسان فيها هو المركز: قيمته، حريته، قدرته على المشاركة.

نعم. قد يكون من السابق لأوانهِ الحديثُ عن «ديمقراطيةٍ سوريةٍ ناضجة» بالمعنى الأميركي، لكن ما ليس مبكراً، أبداً، أن نبدأ السير في درب الأسئلة: كيف نخلق نظاماً سياسياً يحتمل النقد من الداخل؟ كيف نؤسس لفكرة المواطنة في ظل الخوف والشك والخذلان؟ كيف نستفيد من تقاطع المصالح، لا لنُذيب هويتنا، وإنما لنُعيد صياغتها بأدوات أكثر فاعلية؟

إنَ كل وثيقة استقلال، مهما كانت عظيمةً، لا تنفع إن لم تُترجم إلى قدرةٍ على بناء الإنسان، وتوسيع أفقه، وتمكينه من المشاركة في صناعة مصيره. وبين فيلادلفيا ودمشق، طريقٌ طويل، لكنه ليس مغلقاً. فقط، ما دام هناك من يجرؤ على مساءلة اللحظة، وطرح السؤال الكبير: كيف نكون دولةً، لا سلطةً فقط؟ وكيف نصبح وطناً، لا مجرد خريطة؟

نحن، في سوريا، لا نحتاج لأن نُصبح أميركا. بل أن نفهم لماذا لا تزال أميركا – رغم تقدمها – بحاجةٍ مستمرة إلى إعادة تعريف ذاتها.

ولعلَّ مقولة بنيامين فرانكلين حين خرج من قاعة التأسيس في فيلادلفيا: «أعطيتكم جمهوريةً.. إذا استطعتم الحفاظ عليها»، لا تزال ترنّ اليوم كتحدٍّ أخلاقيٍ ومعرفي. فالجمهوريات لا تُبنى مرة واحدة، بل تُصان كل يوم.. بالفكرة، والمؤسسة، والإنسان، قبل كل ذلك، وبعده.

  • الجمهورية نت
Next Post

اترك رد

منتدى الرأي للحوار الديمقراطي (يوتيوب)

ديسمبر 2025
س د ن ث أرب خ ج
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist