
استعادت الدولة سيطرتها على السويداء، ولم يتبق غير جيوب متفرقة أو كامنة من مسلحي المجلس العسكري التابع لقيادة الشيخ حكمت الهجري، وتراجع التهديد الذي يمثله الانفصاليون، لكنه لم ينته، بل هو اليوم تحد يمكن أن يعود في أي وقت، في ظل عدم إنجاز حل حاسم لجذور الأزمة هناك.
لا يتعلق الأمر طبعا بالدروز، فهم مكون أساسي من السوريين، وغالبيتهم مع الدولة، ومع الاستقرار ووحدة البلاد، لكن المشكلة كما هو الحال دوماً يكمن في أجندات خاصة ترتبط بأخرى خارجية، وتستعين بأنماط جاهزة دينية وطائفية وعرقية يمكن استدعاءها في الوقت المناسب لفرض إملاءات وشروط على السلطات في دمشق وهي تؤسس لمستقبل سوريا.
والحقيقة أن هذا الواقع صار معلومة شائعة، مع التمادي الإسرائيلي في التماهي مع الانفصاليين، وعلنية العلاقة بين الطرفين، لكن الإشكالية التي عادت لفرض نفسها مع هذه الأزمة، هي طبيعة موقف القيادة السورية في التعامل مع هذا التحدي، والإجراءات التي اتخذتها أو التي ستتخذها في المستقبل لغلق هذه الثغرة بشكل فاعل وحاسم.
ورغم أن الانفصاليين من عناصر ميليشيات وقيادات روحية يتحملون المسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور، إلا أن السلطة في دمشق تتحمل بدورها مسؤولية عدم التعامل بشكل واضح وجاد مع المؤشرات العديدة التي ظهرت منذ سقوط النظام السابق، وكانت جميعها تفضي على ما وصلنا إليه اليوم، بل أن تلك المؤشرات كان يمكن أن تقود إلى ما هو أسوأ بكثير، لولا حسن الحظ في التوافق الإقليمي والدولي على القبول بنظام ما بعد الأسد لأسباب متعددة ومتشابكة.
أول المؤشرات تمثلت في التشكيك العام من قبل المكونات المختلفة غير “العربية السنية” في نوايا النظام الجديد. قام بقايا النظام المخلوع بتغذية هذه الشكوك والاستفادة منها في تنظيم تمرد الساحل في آذار الماضي. ولئن قد تم القضاء على التمرد بعد كثير من التضحيات، فإن الآثار الاجتماعية والسياسية ما زالت مستمرة حتى هذا اليوم. هذا التشكيك بالنظام الجديد وطبيعته ونواياه شملت السويداء أيضاً، وكان ذلك علنياً وواضحاً في طبيعة المناقشات والتصريحات العلنية، لكن وجود عدد كبير من الثوار ضمن هذه المدينة، وعلاقتها السيئة مع نظام الأسد المخلوع، وفرح أهلها بانتصار الثورة مثل غالبية السوريين، أخفى كثيراً من معالم التشكيك ونوايا التمرد، من دون أن يمنع ظهور صراعات مسلحة خلال شهر آذار في بلدات جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، تصاعد في أواخر نيسان الماضي إلى مواجهة واسعة مع القوات الحكومية، وامتد إلى ضواحي السويداء.
كانت تلك الحوادث أكبر من مجرد مؤشرات قوية على ما يمكن أن يحدث، فقد تزامنت مع بدء الاستثمار الإسرائيلي العلني والمباشر في الموضوع الدرزي، والسعي الواضح إلى تكوين كيان درزي شبه مستقل يتمتع بالحماية الإسرائيلية، ويكون سبباً في تقسيم سوريا، وهو سعي تراجع لاحقاً مع فتح صفحة العلاقات بين الولايات المتحدة ودمشق، لكن “الورقة الدرزية” لم تنته أبداً كعنصر ضغط تستخدمه إسرائيل لفرض أمر واقع جديد في العلاقة مع سوريا، وضمن سياق المحادثات الراهنة، وبالطبع فقد شجع هذا الاتجاه وجود عناصر قيادية مهمة في السويداء لها القابلية والرغبة في معارضة أي مبادرات وطنية لتسوية العلاقة مع حكومة دمشق والرهان على الحماية الاسرائيلية.
هذه العناصر، هي ذاتها التي تمردت منذ أول أيام انتصار الثورة، وهي ذاتها من حرض على الانفصال، وقاد الميليشيات المتمردة، وانقلب على الاتفاقات المتعددة مع الدولة، وأرسل في آذار الماضي العشرات من الشيوخ الدروز إلى داخل إسرائيل، في زيارة دينية ذات أهداف سياسية واضحة ومباشرة. ولم يكن الهجوم على محافظ السويداء في مكتبه في مارس الماضي، غير مظهر آخر من مظاهر التمرد، مضت بدورها من دون عواقب تذكر.
كل ذلك قاد إلى الأحداث الأخيرة التي سقط فيها العشرات من الضحايا عسكريين ومدنيين، وتسبب بتدخل إسرائيلي جديد، زاد في أزمة الدولة والسيادة والقدرة على مواجهة التحدي. ورغم ذلك، ما زال الخطاب الرسمي هو ذاته، بالأنماط والعبارات الجاهزة نفسها، من دون أي خطة واضحة أو خريطة طريق لحل الأزمة من جذورها، بل ومن دون شفافية في الكشف عن الأسباب التي وصلت بنا على هذا الحد من التهديد الأمني والسياسي والاجتماعي.
إن الموجة الأخيرة من الصراع في السويداء يمكن أن تتكرر بسهولة، ليس بالضرورة مع القوات الأمنية، بل بين الدروز والقبائل العربية في جبل العرب كما كان الحال في فترات متعددة، وربما في أماكن أخرى في الجغرافية السورية، وستكون الضحية مرة أخرى هو السلم المجتمعي، وهو أمر ليس له أن يحصل ما دام هناك سطوة لهيبة الدولة وسيادة للقانون، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وسيكون من المؤسف حقاً أن تنتهي هذه الأحداث ثم يجري ركنها خلفنا، كما حدث من قبل، من دون أخذ العبر، والعمل الجاد لمعالجة جذورها، وذلك لن يقتضي بالضرورة إجراءات عسكرية او قمعية للقضاء على المتمردين أو المتعاملين مع إسرائيل. فهناك على الدوام أساليب سياسية فاعلة في احتواء شكوك المكونات العرقية والدينية وتلبية رغبتها بالأمن المجتمعي، مع الاحتفاظ بمبادئ السيادة والوحدة الوطنية ورفض التدخل الخارجي.
ندرك طبعاً أن هواجس المكونات العرقية أو الدينية ليست هي السبب الوحيد وربما الأهم وراء هذه الأزمات، لكنها تمثل جزءاً أساسياً منها، ومن المهم التعامل بمقاربات مختلفة وربما إبداعية مع تحدي استيعاب الجميع، في هذه المرحلة الانتقالية الخطيرة والمعقدة، مع الانتباه الدائم إلى أن ما كان مناسباً لسوريا على صعيد هيكل الدولة وطريقة إدارتها، منذ الاستقلال وحتى اليوم، قد لا يكون مناسباً لها اليوم، في ظل تغير الظروف السورية والإقليمية في الداخل والخارج.
- المدن


























