يندر أن تجد في أحاديثك مع المواطن السوري، المنخرط بانغماس كامل في بحثه اليومي عن لقمة العيش، من يناقشك في السيناريو المتداول لاحتمال تورط سوريا في “مستنقع اليمن” بعدد من المقاتلين، أو بمهمات دفاعية تنسجم مع مستلزمات العلاقة المميزة مع السعودية. كذلك لا يناقش الكثير منهم تفاقم المداهمات والاعتقالات وعمليات تدمير المحاصيل من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي في درعا والقنيطرة. ولا يعنيهم كثيراً التهليل لبروز موقع سوريا بوصفه بديلاً لوجستياً جزئياً جراء اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
فالسوري الذي لطالما عُرف باهتمامه المفرط بالسياسة الخارجية أصبح منذ سنوات متقوقعاً على اهتماماته المعيشية المباشرة وكل ما يرتبط بها. ينطبق ذلك على شريحة الأغلبية منهم، ونحن هنا لا نتحدث عن نخب فكرية أو إعلامية أو تعمل بالشأن العام. نتحدث عن سائق تاكسي أو صاحب محل بقالة أو بائع على بسطة. قد تجده مهتماً لدقائق بالنقاش معك حول خبر طارئ عن قضية إقليمية ربما تنعكس على الوضع السوري. لكنه على الأرجح سيجعل دفة النقاش تتجه نحو همّه المعيشي، واضطراباته.
في الوقت الراهن، فإن الشغل الشاغل لمعظم السوريين ما يتعلّق بألوان البنزين الواصل إلى خزانات سياراتهم، ورائحته. فالأعطال الناجمة عنه باتت تتكلّف مئات من الدولارات تثقل جيوب اللاهثين منهم وراء لقمة العيش. لا تشغلهم السياسة كثيراً، لا الداخلية التي تبدو بلا معالم، ولا الخارجية التي تحظى بتقدير كبير لا يكفي للتغطية على الاستياء الناجم عن تخبطات الإدارة الداخلية لمعيشتهم.
بعيد سقوط نظام الأسد، فرح السوريون برفع القيود عن استيراد السيارات المستعملة، وانساقوا وراء قرار السلطات يومها، والذي اختار هدفاً يرتبط بتحصيل رضا شعبي عام، فأصبح لدى شريحة كبيرة من ذوي الدخل المحدود منهم، سيارة مستعملة اشتراها بحصيلة العمرة المدخرة بشق الأنفس. فازدحمت الشوارع وتفاقمت الفوضى المرورية وارتفعت كلف الصيانة وتبديل قطع الغيار على حساب الاقتصاد الكلي للبلاد، قبل أن تنتبه الجهات المعنية لمقدار تسرّع القرار وتضيِّق باب استيراد السيارات المستعملة. وحينما تتحدث اليوم مع سوريّ مرهق معيشياً لكنه يقود سيارة مستعملة عن صوابية قرار فتح الاستيراد ذاك، تجده يجادلك “كان دولاب السيارة حلم”، مدافعاً عن الإجراء ذاته الذي فتح عليه باباً للإنفاق هو بغنى عنه، بعد أن باتت مستلزمات السيارة، من وقود وصيانة وقطع غيار، تحدياً معيشياً مزمناً.
وعلى غرار الحسابات الآنية قصيرة الأفق، التي تحكم منهجية التفكير حينما نفكّك قرار استيراد السيارات المستعملة بعيد سقوط النظام البائد، وموقف الشارع منه، نجد إدارة جانب كبير من الجهات المعنية للملفات المرتبطة بحياة السوريين، لا تذهب في دراسة أي قرار أو إجراء، إلى تبعاته البعيدة. وتبدو المعالجات آنية وتنقصها الاستباقية المفترضة بصانع قرار رسمي في ملف عام.
لا يجوز التعميم بطبيعة الحال، فهناك بناء تراكمي إيجابي في أكثر من ملف: في الداخلية، في المالية، وفي مسار دمج القطاع المصرفي السوري بالمنظومة الدولية.. إلخ. لكن تبدو الملفات الأكثر التصاقاً بمعيشة السوريين، هي الأكثر عشوائية في إدارتها. من ذلك ملف المحروقات الذي تتكرر أزماته، والتي تؤشر إلى غياب منهجية إدارة استباقية تقوم على دراسة التحدّي وتفصيل الحلول لمواجهته، وتفنيد كل حل وتبعاته، وصولاً لاختيار أفضل المُتاح واعتماده بعد اختبار نجاعته على أرض الواقع.
في أزمة البنزين سيء الجودة الذي يجتاح سيارات السوريين اليوم، تظهر إحدى الأمثلة الصارخة على اتخاذ إجراءات في حلقة ما من سلسلة التوريد، لم تكن مدروسة التبعات. تكثر الشائعات حول سبب الأزمة الراهنة: إحداها تقول إنه بنزين مخصص لآليات عسكرية من زمن النظام البائد تم الاستسهال بطرحه في السوق، أخرى تتحدث عن صفقة مشبوهة، وثالثة تقول إنها آثار شوائب من مصفاة حمص قبل إحالتها للعُمرة. تملأ الشائعات فراغ المعلومة الرسمية وسط اضطراب رد الفعل الحكومي حيال الأزمة. بالتوازي تبدأ أزمة أخرى تتعلق بتوريدات المازوت مع بدء فصل الشتاء، في محافظات الشمال السوري.
لا بد أن إدارة ملف استيراد وتوزيع المشتقات النفطية، من أكثر المسؤوليات جسامة. ونقرّ بهذا الثقل في ملفٍ لطالما قضّ مضاجع السوريين، وجعل طوابيرهم على محطات الوقود موضع منافسة في موسوعة “غينس” للأرقام القياسية. لكن هل يُعقل أن هذا التحدّي المستمر منذ سنوات –حتى قبل سقوط الأسد- لم يجد سبيله نحو بناء منهجية مستقرة للمعالجة! بعد نحو سنتين من استلام الإدارة الجديدة لهذا الملف، يصبح من الصعب تبرير الأزمات بحداثة المسؤولية والحاجة للوقت بغية تعرّف بنودها وتحدياتها. وهنا نزعم، بعيداً عن تحديد أين حصل الخلل في سلسلة توريد البنزين المغشوش، أن إجراءً ما اتُخذ في واحدة من حلقات هذه السلسلة باستسهال، ودون أي احتساب لتبعاته.
وفي الوقت الذي تُدار فيه السياسة الخارجية لسوريا بحذر وبخطوات متمهلة، يمكن القول إنها تخضع لدراسة مستفيضة قبل الإقدام عليها، تُدار السياسة الداخلية المرتبطة بمعيشة السوريين بحسابات آنية قصيرة الأفق في كثير من الحالات، وتنعكس اضطرابات في استقرار الوضع المعيشي تجد ترجمتها في ترسّخ التقييم السلبي للأداء الداخلي للحكومة لدى شريحة واسعة من الشارع السوري، وهو ما يمكن تلمّسه بشكل جلّي في الأحاديث الشعبية اليومية. وهو ما يجعل التحدّي الأبرز أمام الحكومة اليوم، أن تنقل منهجية الدراسة المتأنية واحتساب العواقب المتبعة في صنع القرار الخارجي إلى ملفات الإدارة اليومية لحياة السوريين المعيشية. لأن الهم المعيشي يغلب على تفكير السوريين، ويجعل تقييمهم لأداء السلطات التي تحكمهم مرتبطاً بصورة رئيسية بهذا الهم، وكيفية إدارة السلطات له.






















