جاء اجتماع خمسة أحزاب شيوعية ويسارية في دمشق يوم الخميس 17 أيلول/سبتمبر 2026، ليعيد النقاش حول طبيعة نشاط الأحزاب السياسية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، والمبادئ التي يمكن أن تجمع أحزاباً سياسية اختلفت تجاربها السياسية وبرامجها خلال عقود من الحكم الأسدي الدكتاتوري، فقد حضر الاجتماع حزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، والحزب الشيوعي السوري الموحد، والحزب اليساري الكردي في سوريا، وحزب الإرادة الشعبية، في إطار البحث عن سبل التنسيق والعمل السياسي المشترك.
تتجاوز دلالات هذا الاجتماع حدود التنسيق السياسي بين أحزاب تتقارب في مرجعيتها الفكرية المتمثلة في الماركسية، فهو يجمع أحزاباً ذات تجارب ومواقف سياسية متباينة خلال الحقبة الأسدية، ويحمل إلى الواجهة سؤالاً سياسياً مشروعاً: ما الذي يجمع هذه الأحزاب اليوم؟ هل هي المرجعية الماركسية المشتركة، أم أن الموقف من السلطة السورية الجديدة، ذات الخلفية الإسلامية، أصبح عاملاً أساسياً في تقريبها، بعد أن عجزت مرجعيتها الماركسية عن توحيدها في مراحل سابقة؟
تباين سياسي تاريخي وأسئلة مؤجلة
تنبع أهمية السؤال من التباين في التاريخ السياسي للأحزاب المشاركة، فبعض الأحزاب الشيوعية السورية تحالفت بدرجات مختلفة مع النظام الأسدي عبر المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوري الموحد، في حين اتخذت قوى يسارية أخرى، وفي مقدمتها حزب العمل الشيوعي والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، موقفاً معارضاً للسلطوية الأسدية، وتعرّض أعضاؤهما للملاحقة والاعتقال والتعذيب طيلة الحقبة الأسدية، وقد دفع معظم كوادرهما أثماناً باهظة بسبب مواقفهم السياسية المعارضة لنظام الأسد، فيما اختارت أحزاب أخرى العمل ضمن الأطر التي أتاحها النظام.
هذا التباين ليس مجرد تفصيل من الماضي يمكن تجاوزه بإعلان الرغبة في التعاون والتنسيق، إنه جزء من تاريخ سياسي ترك آثاراً عميقة في المجتمع السوري لا يمكن تجاوزها في اجتماع، ويطرح أسئلة تتعلق بمواقف هذه الأحزاب من الاستبداد والحريات والتعددية، وبكيفية تعاملها مع مسؤولياتها السياسية خلال العقود الماضية.
ولا يعني استحضار هذا التاريخ إغلاق الباب أمام التقارب أو رفضه بالمطلق، أو تحويل الخلافات السياسية السابقة إلى خصومات دائمة، لكنه يعني أن أي تحالف جديد يحتاج إلى قدر من المصارحة والمراجعة النقدية، خصوصاً عندما يجمع قوى اختلفت في موقفها من النظام الأسدي الذي حكم البلاد لعقود بالدكتاتورية المتوحشة، فهل ستخضع تلك التجارب للنقاش؟ وهل ستراجع الأحزاب المتحالفة مع الأسد مواقفها السابقة بوضوح ومسؤولية، أم ستترك الأسئلة الصعبة خارج الحوار، مكتفيةً بما يجمعها في المرحلة الراهنة؟
الدفاع عن الحريات لا يكون مبدئياً إلا إذا طُبّق على الجميع، بصرف النظر عن هوية السلطة الحاكمة أو موقع القوى السياسية منها.
لماذا الآن؟ وما الذي تغيّر؟
إذا كانت المرجعية الماركسية المشتركة هي المحرك الأساسي للتقارب، فمن المشروع التساؤل عن أسباب عدم تشكّل صيغة مماثلة من التنسيق في مراحل سابقة، ولا سيما خلال سنوات الثورة والحرب بين عامي 2011 و2024، حين كانت الحاجة إلى بدائل سياسية ديمقراطية أكثر إلحاحاً.
لكن هذا التساؤل لا يكفي وحده للقول إن العداء للسلطة الجديدة هو الدافع الحاسم وراء اللقاء. فتحديد دوافع الأحزاب يتطلب إعادة النظر في برامجها ومواقفها العملية، لا الاكتفاء بقراءة التوقيت السياسي، ومع ذلك فإن تزامن هذا التقارب مع التحولات التي شهدتها سوريا يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كان الموقف من السلطة الحالية قد أصبح عاملاً جامعاً يتقدم على الخلافات السياسية التاريخية الماضية.
الحالة الطبيعية أن تنتقد الأحزاب اليسارية والشيوعية توجهات السلطة الجديدة، وأن تعارض أي محاولة لتقييد الحريات أو احتكار القرار أو فرض تصور أيديولوجي واحد على المجتمع، غير أن معارضة السلطة الحالية بحد ذاتها لا تكفي لتأسيس مشروع سياسي بديل، فالمعيار الأساسي ليس هوية الحاكم أو مرجعيته الدينية والفكرية، بل طبيعة النظام السياسي، ومدى احترامه للمواطنة المتساوية وسيادة القانون، والتعددية، والحقوق، والحريات.
الماركسية المشتركة وحدود الوحدة السياسية
تؤكد تجربة الأحزاب الشيوعية السورية أن التقارب الأيديولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى وحدة سياسية، فقد نشأت خلافات بين أحزاب تتشارك شعارات ومفاهيم أيديولوجية واحدة، لكنها اختلفت في تقدير طبيعة النظام الأسدي، فمنها من عدّه نظام التقدم والاشتراكية والمقاومة، وأخرى صنّفته نظاماً دكتاتورياً فاسداً يتوجب إسقاطه، وكذلك في الموقف من المشاركة في مؤسساته، وهكذا لم تكن الانقسامات نتاج اختلافات تنظيمية فحسب، بل ارتبطت أيضاً بتباينات جوهرية في فهم السياسة وممارستها الوطنية، لذلك لا تُقاس قيمة التحالف بعدد الأحزاب المنضوية فيه، ولا بدرجة التشابه بين أيديولوجياتها، بل بقدرته على تقديم برنامج سياسي اجتماعي واضح يلبي تطلعات معظم السوريين للمستقبل، وتحديد أهداف قابلة للتحقق، ووضع قواعد ديمقراطية لإدارة الاختلاف داخله، كما أن الدفاع عن الحريات لا يكون مبدئياً إلا إذا طُبّق على الجميع، بصرف النظر عن هوية السلطة الحاكمة أو موقع القوى السياسية منها.
تحديات البنية السياسية الاجتماعية السورية الجديدة
تواجه القوى اليسارية والشيوعية السورية تحدياً يتجاوز إعادة ترتيب علاقاتها التنظيمية: كيف تستعيد صلتها بمجتمع تغيّرت بنيته السياسية والاجتماعية بفعل عقود الاستبداد وسنوات الحرب والتهجير؟ إن استئناف الحوار بين هذه الأحزاب قد يكون خطوة إيجابية، لكنه لا يعني تلقائياً استعادة حضور اجتماعي واسع، ولا يثبت أن هذه القوى باتت قادرة على تمثيل الفئات التي تدافع عن مصالحها في خطابها، فالمجتمع السوري أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تمثله كتلة أيديولوجية واحدة، وتحتاج المرحلة الجديدة إلى فضاء سياسي واسع يسمح بتفاعل القوى السياسية والمدنية والنقابية السورية كافة، ضمن إطار دستوري يحترم الاختلاف ويمنع احتكار المجال العام، ولا يستلزم ذلك أن تتخلى الأحزاب عن خصوصياتها الفكرية أو برامجها، بل أن تميّز بين قناعاتها الخاصة والمبادئ الوطنية المشتركة التي ينبغي أن تحكم الحياة السياسية.
تحتاج سوريا، في المرحلة الانتقالية، إلى أحزاب سياسية تتعامل مع الماضي بمسؤولية، والحاضر بواقعية، والمستقبل برؤية ديمقراطية جامعة، وإذا نجحت الأحزاب المجتمعة في تحويل حوارها إلى مراجعة نقدية للماضي..
لقاء سياسي يحتاج إلى إجابات
يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل يجمع هذه الأحزاب المجتمعة اليوم مشروع فكري وسياسي نضج عبر مراجعة التجارب السياسية السابقة، أم أن الخصومة مع السلطة السورية الجديدة تشكل القاسم المشترك الأكثر حضوراً بينها؟ قد تتداخل العوامل الأيديولوجية والسياسية في تفسير هذا التقارب، لكن الإجابة لن تتضح من خلال الاجتماعات والبيانات وحدها، بل من خلال ما ستقدمه هذه الأحزاب من برامج وآليات عمل.
إن الاختبار الحقيقي لهذا التحالف، إذا حصل، يكمن في قدرته على مواجهة أسئلة الماضي بشجاعة، وتوضيح موقفه من الاستبداد والحريات والتعددية، وبناء علاقة فعلية مع المجتمع السوري تتجاوز الأطر الحزبية الضيقة، فمعارضة السلطة لا تتحول تلقائياً إلى مشروع وطني لمجرد أنها معارضة.
تحتاج سوريا، في المرحلة الانتقالية، إلى أحزاب سياسية تتعامل مع الماضي بمسؤولية، والحاضر بواقعية، والمستقبل برؤية ديمقراطية جامعة، وإذا نجحت الأحزاب المجتمعة في تحويل حوارها إلى مراجعة نقدية للماضي، وبرنامج مشترك منفتح على بقية الأحزاب والتيارات السياسية السورية، فقد يشكل لقاؤها خطوة نحو تعاون جاد، أما إذا بقي الجامع الأساسي بينها هو الموقف المعارض للسلطة القائمة، من دون اتفاق واضح على طبيعة الدولة السورية المستقبلية، فقد يظل التقارب تقاطعاً سياسياً مؤقتاً، لا مشروعاً قادراً على الاستمرار.
- تلفزيون سوريا






















