كشف تحقيق صحافي دولي أن منظمة قرى الأطفال (SOS)، حجبت تقريراً مستقلاً بشأن مسؤوليتها عن استقبال أطفال سوريين انتزعتهم الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد من عائلاتهم، ولم تقدم تعويضات للأسر المتضررة رغم تعهدات سابقة، وسط خلافات أدت إلى انسحاب جمعيات وطنية من الاتحاد الدولي للمنظمة وإقالة مسؤولين بارزين.
وأظهر التحقيق، الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، بالتعاون مع مؤسسة “لايتهاوس ريبورتس” وصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية ومؤسسات إعلامية أخرى، أن مسودة تقرير أعده مكتب محاماة نرويجي خلصت إلى أن المنظمة لم تكن مجبرة على قبول الأطفال الذين سلمتهم إليها الأجهزة الأمنية السورية، وأن مكتبها الدولي في فيينا كان يتحمل المسؤولية النهائية عن المرافق المعنية في سوريا.
واستند التحقيق إلى وثائق ومراسلات داخلية وتسجيلات لاجتماعات مسؤولين، إلى جانب شهادات عائلات سورية وموظفين حاليين وسابقين.
تقرير محجوب ومسؤولية دولية
وبحسب التحقيق، كلف الاتحاد الدولي للمنظمة، الذي يضم جمعيات في أكثر من 130 دولة، مكتب المحاماة النرويجي “ويرسهولم” بتحديد المسؤوليات المتعلقة باستقبال أطفال المعتقلين وإخفاء هوياتهم وأماكن وجودهم.
وتسلمت المنظمة التقرير في كانون الأول/ديسمبر 2025، وأبلغ المحامون “بي بي سي” في كانون الثاني/يناير 2026 بأن نسخة منه، بعد حجب بيانات الهوية، ستُنشر على الأرجح.
لكن رئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي، دومينيكو باريزي، أبلغ الموظفين في أيار/مايو أن التحقيق تعرض للتلاعب، وأن التقرير لن يوزع داخلياً أو ينشر. وفي تسجيل حصل عليه الصحافيون، اتهم موظفين لم يسمهم بمحاولة التأثير في نتائجه لتصوير المنظمة باعتبارها الطرف المسؤول عن الانتهاكات.
في المقابل، أظهرت المسودة التي اطلع عليها الصحافيون أن المنظمة لم تكن مضطرة لقبول الأطفال، وأن المسؤولية النهائية عن مرافقها المعنية كانت تقع على مكتبها الدولي في فيينا.
وقالت المنظمة إن مجلس إدارتها حصل على استشارة قانونية مستقلة بشأن التقرير، وإن مراجعته مستمرة لتحديد المسؤولية المؤسسية، رافضة التعليق على المناقشات الداخلية.
موظفون دوليون علموا بالانتهاكات
وكشف تحقيق منفصل كلفت به الجمعية الألمانية التابعة للمنظمة أن أكثر من 12 موظفاً دولياً أُبلغوا مبكراً بوجود أطفال انتزعتهم الأجهزة الأمنية من عائلاتهم وأودعتهم مرافق المنظمة.
ووفق بيان سابق للمديرين الألمان، لم تُعتبر الممارسة في البداية مشكلة تستدعي التدخل، ولم تتوقف إلا بعد نحو 18 شهراً، لأسباب ارتبطت أساساً بالمخاوف على سمعة المنظمة.
لكن البيان أزيل لاحقاً، وقالت الإدارة الألمانية الجديدة إن نشره كان سابقاً لأوانه، وإن المحققين اعترضوا على دقة عرض نتائجه.
وأقرت المديرة التنفيذية للجمعية الألمانية، سابينا شوتر، في 12 تشرين الأول/أكتوبر، بأن مسؤولين داخل المنظمة علموا بما حدث في سوريا، دون اتخاذ الإجراءات اللازمة بالسرعة والحسم المطلوبين.
وأوضحت أن تحقيقات بدأت عام 2021، وتبعها تكليف فريق مستقل في أيار/مايو 2024 بتحديد المسؤوليات، لكن الإدارة السابقة أوقفت عمله أواخر عام 2025 قبل إنجاز تقريره النهائي، فيما قررت الإدارة الجديدة استئنافه.
آلية منظمة لإخفاء الأطفال
وتعود القضية إلى سنوات الحرب السورية، حين استخدمت أجهزة أمن نظام الأسد دور الرعاية لإخفاء أطفال المعتقلين والمختفين قسراً، والضغط على عائلاتهم واستخدام بعضهم في مفاوضات تبادل الأسرى.
وكشف تحقيق سابق نشر في أيلول/سبتمبر 2025 أن نقل الأطفال جرى وفق آلية شاركت فيها المخابرات الجوية ومحافظة ريف دمشق ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مع إصدار وثائق تتضمن تعليمات بعدم الإفصاح عن بيانات الأطفال، وتغيير أو إخفاء أسماء بعضهم وأعمارهم.
ووثق التحقيق استقبال المنظمة 140 طفلاً تراوحت أعمارهم بين الولادة و16 عاماً، معظمهم بين عامي 2013 و2018. وبقي 83 طفلاً في مرافقها حتى ثلاثة أشهر، و21 طفلاً أقل من عام، و36 طفلاً عاماً أو أكثر.
وأقرت مسؤولة حماية الأطفال في الجمعية الألمانية، سيمونه توبفر، بأن تمويل الجمعية لمرافق المنظمة في سوريا جعلها، خلال فترة معينة، جزءاً من النظام المستخدم لفصل الأطفال عن عائلاتهم.
وقالت المنظمة إنها علمت عام 2017 بوجود أطفال فصلوا قسراً عن ذويهم، واتخذت إجراءات لوقف الممارسة عام 2018. وحددت مراجعة داخلية 139 حالة فصل قسري دون وثائق مناسبة، إضافة إلى حالة مختلف على تصنيفها، فيما تلقت المنظمة 297 بلاغاً واستفساراً بشأن القضية بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وحزيران/يونيو 2025.
شهادات عائلات الضحايا
ومن بين الحالات التي وثقها التحقيق الشقيقتان ليلى وليان غبيس، اللتان كانتا في الثامنة والرابعة عندما انتزعتهما الأجهزة الأمنية من والدتهما أمامة عام 2015، وأودعتهما مرافق المنظمة ثلاث سنوات، قبل لمّ شمل الأسرة ضمن صفقة تبادل أسرى.
وقالت الأم إن ليان لم تتعرف إليها عند لقائهما مجدداً، وإن آثار الانفصال لا تزال تلاحق الأسرة التي انتقلت لاحقاً إلى الولايات المتحدة بصفة لاجئين، مؤكدة أنها لم تتلق اعتذاراً أو تعويضاً من المنظمة.
ووثق التحقيق أيضاً قضية الطفل محمد، الذي انتزعته الأجهزة الأمنية من المستشفى بعد أربعة أيام من ولادته في آب/أغسطس 2015، بينما كانت والدته تتعافى من عملية قيصرية قبل نقلها إلى السجن.
وقال والده عبد الرحمن، الذي عمل على سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر السوري وساعد في نقل الإمدادات الطبية، إن عناصر الأمن أرسلوا إليه صورة رضيعه وطالبوه بتسليم أسرى مقابل استعادة عائلته. ولم يجتمع بابنه إلا بعد سنوات، عقب صفقة تبادل بين النظام والمعارضة.
تعويضات معلقة وانقسامات داخلية
وكشف التحقيق أن المديرين السابقين للجمعية الألمانية، أكبر مساهم منفرد في تمويل الاتحاد الدولي، خصصوا صندوقاً للتعويضات الطوعية، لكن وثائق مسربة أظهرت عدم صرف أي مبالغ للعائلات حتى نشر التحقيق.
وقالت المنظمة إن تقديم المساعدة يتطلب استيفاء شروط قانونية وعملية والتنسيق مع الجهات المعنية، فيما أكدت شوتر ضرورة تعويض الضحايا، مشيرة إلى أن وقف التحقيقات أخّر تنفيذ ذلك.
وامتدت الخلافات إلى جمعيات المنظمة في بريطانيا والنرويج وسويسرا والسويد وفرنسا وهولندا، التي قررت مغادرة الاتحاد الدولي والعمل بصورة مستقلة.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، صوت مديرو الجمعية الألمانية الثلاثة لمصلحة الانفصال، لكن مجلس الرقابة رفض القرار وأقالهم في شباط/فبراير 2026، متهماً إياهم بمخالفات جسيمة، بينها وقف التحقيق المستقل دون إبلاغه. ورفض المديرون الاتهامات وطعنوا بإقالتهم قضائياً.
مصير الأطفال المفقودين
وفي سوريا، أعلنت الجمعية الألمانية في كانون الثاني/يناير 2026 تحديد أماكن وجود 106 أطفال من أصل 140 أودعوا قسراً في مرافق المنظمة، ما يعني أن مصير 34 طفلاً لم يكن قد حُدد.
وفي شباطك/فبراير، أعلنت وزارة العدل السورية توثيق 314 حالة لأطفال أودعوا دور الرعاية خلال حكم النظام السابق، والتحقق من عودة 160 منهم إلى أسرهم، فيما بقيت أوضاع 154 طفلاً دون حسم معلن.
- المدن





















