ينتظر جلّ السوريين من حكومتهم أن تعالج مشكلات الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية، وتوفر فرص العمل، وتعيد بناء المؤسسات، وتحقق الأمن والاستقرار. ولكن هل تستطيع الدولة وحدها أن تنهض بكل هذه المسؤوليات؟ وهل الصحيح أصلاً أن يبقى المجتمع السوري منتظراً الحلول التي تأتيه من أعلى، بينما يمتلك طاقات وخبرات وقدرات هائلة يمكن أن تسهم في معركة البناء؟
لقد أورثنا النظام البائد ثقافة مشوهة في النظر إلى علاقة الدولة بالمجتمع، جعلت السلطة مركز كل شيء في البلاد، حتى أصبح المواطن ينظر إليها بمزيج من الرهبة والاحترام، ويحار في التعامل معها، فتجده تارة ينتظر قراراتها وتوجيهاتها ويتوقع منها الحلول السحرية، وتارة أخرى يلقي باللائمة على المسؤولين لأنهم لم يشركوه في الحلول التي يستطيع أي مجتمع حر يشعر بالمسؤولية تحقيقها بنفسه.
إن قدرة المجتمع على المبادرة لابتكار الحلول بدلاً من الانتظار هي التي تميز بين “دولة المواطنة” و”دولة الرعايا”. فحيث يكون المواطنون، تكون المشاركة في القرار والسلطة وصنع المستقبل. أما الرعية، فهي تنتظر من الحاكم تدبير شؤونها، وتتوقع منه أن يحل مشكلاتها، ويغدق عليها المكرمات، بينما يتوقع الحاكم منها أن تثق بقراراته وتُسلِمه قيادها. وحتى عندما يكون الحاكم في هذه الحالة حريصاً على مصالح رعيته، وصادقاً في رغبته بخدمتهم، تبقى العلاقة قائمة على احتكار السلطة والمبادرة والقرار.
وإذا كانت السلطة الرعوية سادت خلال عهود الإمبراطوريات البائدة، فإن بعض المجتمعات المعاصرة ما زالت أسيرة ثقافة الرعية، تسيطر عقلية الانتظار على مواطنيها، بينما يتوقع صانع القرار من رعيته أن ينصرفوا إلى أعمالهم الخاصة، ويتركوا للحكم مسؤولية التفكير والتخطيط واتخاذ القرارات، بل وحتى المراجعة والمحاسبة الذاتية وتصحيح الأخطاء.
وإن بدا هذا التصور مريحاً ظاهرياً لأي سلطة، فإنه يحمّلها مسؤوليات قد تفوق طاقتها في عالمنا المعقد، فكيف إذا كانت الدولة – كما في سورية – تواجه أعباء إعادة البناء بعد عقود من الاستبداد والفساد، وسنوات من الحرب والدمار، وسط ظروف إقليمية شديدة التعقيد، وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية تحيط بسورية وتؤثر في قدرتها على النهوض؟
هل في مؤسسات الدولة اليوم من يفضلون أن تكون سورية “دولة رعايا” بدلاً من “دولة مواطنين”؟ ربما، ولكن من المبكر الجزم بذلك. بيد أن افتراض تفضيل نموذج الرعية على المواطنة قد يفسر تبني سياسة رفع توقعات السوريين من خلال الإعلانات الكبرى عن اتفاقيات الاستثمارات القادمة من الخارج التي تجلبها الدولة، بدلاً من مصارحة الشعب حول صعوبات المرحلة وضرورة تقاسم العبء، لأن من يسهم في حمل الأعباء سيعتبر نفسه شريكاً في القرار ورقيباً على صانعيه.
ولعل المسؤولين عن سياسة رفع التوقعات كانوا يُمنّون أنفسهم بأن تحقيق المكاسب الاقتصادية السريعة سيكرس ثقة الشعب بالحكومة ويُخمد التساؤلات والنقاشات حول الشرعية، وربما لم يحسب الذين تحمسوا لهذا الأمر حساباً لاحتمال فشل الاتفاقيات وتأخر الاستثمارات وفقدان المواطن ثقته بوعود المسؤولين، في ظروف إقليمية ودولية متغيرة خارجة عن إرادة الجميع.
لقد أظهر السوريون خلال سنوات الثورة والتهجير قدرة استثنائية على المبادرة والتنظيم، وأسسوا مشروعات اقتصادية وتعليمية وإغاثية داخل البلاد وخارجها، في ظروف كانت أشد صعوبة مما نواجهه اليوم. ومن الخطأ معاملة مجتمع كهذا وكأنه مجرد جمهور ينتظر ما تقرره الحكومة نيابة عنه.
أُدرك جيداً – ويدرك المعنيون بالشأن السياسي عامة – أن مشاركة المجتمع في حمل مسؤوليات البناء تفتح بطبيعة الحال أسئلة تتعلق بالحقوق والصلاحيات والتمثيل. فمن يشارك في معالجة المشكلات العامة سيكون معنياً بتحديد الأولويات الوطنية، وكيفية اتخاذ القرارات، ومراقبة الموارد والإنفاق، ومحاسبة المسؤولين عن النتائج، وهذا بالضبط ما يحصل في دولة المواطنة، حيث المواطن شريك في الشأن العام، يمتلك حقوقاً أصيلة في المشاركة والتعبير والتنظيم والمساءلة، ويستطيع المساهمة في إدارة شؤون بلاده من خلال مؤسسات وقواعد واضحة.
وقد يتردد بعض المسؤولين أمام فتح هذا النقاش خلال مرحلة انتقالية تواجه تحديات معقدة. ولكن تأجيل مشاركة المجتمع يحرم الدولة من أحد أهم مصادر قوتها، وقد يرسخ أعرافاً يصعب تغييرها مستقبلاً.
تفرض الواقعية علينا أن ندرك صعوبة قيام نظام ديمقراطي مكتمل فور انتصار الثورة، وقبل استقرار البلاد وتهيئة البيئة الدستورية والسياسية والقانونية والمؤسسية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، بما في ذلك قيام أحزاب سياسية ذات برامج وطنية، تتيح لجميع السوريين اختيار ممثليهم وحكامهم على أسس سليمة.
لكن واقعيتنا لا يجوز أن تصرفنا عن حقيقة أن بناء الدولة على أساس المواطنة والمشاركة يبدأ الآن، من خلال توسيع دور المجالس المحلية، وإتاحة المجال للنقابات والجمعيات والمؤسسات الأهلية المستقلة، وإشراك المجتمع في مناقشة السياسات العامة عبر حوار وطني عريض مستمر، وتكريس حق السوريين في التعبير والاعتراض والمساءلة. فالمرحلة الانتقالية التي نعيشها ستؤسس لثقافة الحكم الجديدة في سورية، وستحدد طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
إننا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتنا على أسس جديدة بعد انتصار الثورة السورية التي قدم شعبنا خلالها تضحيات هائلة من أجل الحرية والكرامة. والقيادة السورية تتحمل مسؤولية كبيرة – بلا شك – في رسم مسار هذا التحول، بينما تقع على عاتقنا نحن السوريين مسؤولية المبادرة للمشاركة في بناء مستقبلنا.
إن معركة البناء التي تنتظرنا تحتاج إلى جهود المجتمع كله، وتبدأ بدولة تثق بمواطنيها وترحب بمبادراتهم وطاقاتهم، قبل أن تطلب منهم الثقة بها. وكلما ترسخت هذه العلاقة خلال المرحلة الانتقالية، أصبحنا أكثر استعداداً لبناء نظام ديمقراطي مستقر، يستمد شرعيته من إرادة السوريين، ويضمن حقوقهم ومشاركتهم في إدارة بلادهم. وبذا نضع حجر الأساس لسورية التي سنورثها للأجيال القادمة.
- الثورة السورية






















