أثارت الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع للمملكة العربية السعودية تساؤلات واسعة حول دور سوري مُحتمل لدعم المجهود الحربي السعودي ضد الحوثيين في اليمن. وعلى الرغم من أن دمشق سارعت إلى نفي تقارير زعمت أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب من الرئيس الشرع إرسال قوات سورية إلى اليمن لقتال الحوثيين على الأرض، إلا أن التوضيح الذي صدر عن وزارة الإعلام السورية قال إن أي تعاون عسكري مع الدول الشريكة سيكون في إطار اتفاقيات ثنائية. لا يوجد ما يُشير بوضوح في هذا التعليق إلى أن دمشق منفتحة على فكرة التدخل العسكري في الصراع اليمني، لكنّه على الأقل فتح الباب أمام نقاش بشأن إمكانية حدوث مثل هذا الدور في المستقبل.
بادئ ذي بدء، يَظهر من النفي السوري لتلك المزاعم أن دمشق لا تُريد أن تُعطي أي انطباع بوجود مثل هذا النقاش مع السعودية. ويبدو ذلك مفهوماً بالنظر إلى حساسية الموقف، فضلاً عن أن المملكة العربية السعودية نفسها لم تتحدث صراحة عن الطلب من الشرع التدخل في اليمن. علاوة على ذلك، من الواضح أن أولوية الرئيس الشرع المتمثلة في التركيز على الوضع الداخلي والتحديات التي تواجه سوريا تدفعه إلى قطع الطريق على أي نقاش بشأن دور عسكري سوري مُحتمل في الخارج. وهذا الأمر ليس جديدًا. فقد رفضت دمشق في السابق الطرح الذي قدّمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تدخل عسكري سوري ضد حزب الله في لبنان. وكان هذا الرفض نابعًا من اعتقاد الشرع بأن مثل هذا التدخل يتعارض بشكل صارخ مع أولويات سوريا الداخلية في هذه المرحلة، فضلاً عن أنه قد يدفع باتجاه تأزيم الوضع الداخلي اللبناني بشكل أكبر، بما يتعارض مع مصالح سوريا أصلًا في لبنان. لكنّ الشرع اقترح بدلًا من ذلك الحوار مع حزب الله، وأن تلعب سوريا دورًا سياسيًا في لبنان يُساعد في معالجة الأزمة.
في حال سعت الرياض إلى تشكيل تحالف إقليمي لدعم مجهودها الحربي على غرار تحالف دعم الشرعية، فإن انخراط سوريا فيه يبدو محتملًا، بمعزل عن حجم هذا الانخراط وحتى شكله.
في اليمن، يبدو الوضع مُختلفًا بعض الشيء عن الحالة اللبنانية. فالمملكة العربية السعودية تخوض منذ أسابيع مواجهة عسكرية كبيرة ضد الحوثيين، في وقت تتعرّض فيه لاعتداءات كبيرة من الجماعة المدعومة من إيران. وهناك اعتقاد يسود على نطاق واسع بأن ما يقوم به الحوثيون في اليمن وضد السعودية في الآونة الأخيرة مدفوع بدرجة أساسية بنهج إيراني يهدف إلى رفع تكلفة الحرب على طهران من خلال الضغط على المملكة وقطاع الطاقة لديها. وبالنظر إلى الشراكة المُهمة التي تجمع دمشق بالرياض، فإن سوريا تبدو معنية إلى حد كبير بتبني موقف سياسي داعم بقوة للسعودية، وهو ما يُترجم فعليًا من خلال البيانات التي تصدرها وزارة الخارجية السورية بشكل شبه يومي حول الاعتداءات الحوثية على المملكة. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان السعوديون يرغبون بالفعل في دور عسكري سوري في اليمن، لكنّ سوريا، بصفتها حليفًا جديدًا للسعودية في المنطقة، مُرشّحة لأن تلعب دورًا ما في هذا الصراع، بمعزل عن أشكال هذا الدور وحدوده.
مع ذلك، هناك ثلاثة عوامل أساسية مؤثرة في النقاش بشأن دور سوري مُحتمل في اليمن. الأول، وهو الأكثر أهمية، يرتبط بحسابات الشرع في هذه المعادلة، وما إذا كان مُستعدًا بالفعل للانخراط في صراع إقليمي، وحدود هذا الانخراط وشكله، والمزايا المتصورة المُحتملة التي يتطلع إليها من مثل هذا الانخراط؛ لأن المشاركة، على سبيل المثال، في تحالف إقليمي لدعم المملكة العربية السعودية دفاعيًا على غرار ما يقوم به حلف مكة، تختلف بالتأكيد عن انخراط مباشر في الصراع اليمني من خلال إرسال قوات للقتال على الأرض. أما العامل الثاني، فيرتبط بالأهداف النهائية للمملكة العربية السعودية في اليمن، وبمسار التصعيد الحالي، وما إذا كان سيتحول في نهاية المطاف إلى مواجهة طويلة الأمد ستُعيد تشكيل الصراع اليمني على نحو مختلف كليًا عما كان عليه قبل التصعيد الراهن. إذا كان الهدف السعودي إحداث مثل هذا التحول وما يعنيه من إضعاف موقف الحوثيين على الأرض لإجبارهم على تسوية وفق شروط السعودية والحكومة اليمنية، فإن الأمر سيتطلب انخراطًا عسكريًا أوسع نطاقًا في المواجهة الحالية من الضربات الجوية. وفي حال سعت الرياض إلى تشكيل تحالف إقليمي لدعم مجهودها الحربي على غرار تحالف دعم الشرعية، فإن انخراط سوريا فيه يبدو محتملًا، بمعزل عن حجم هذا الانخراط وحتى شكله.
حتى اتضاح مآلات التصعيد الحالي الكبير بين السعودية والحوثيين، من الواضح أن الارتدادات الإقليمية له تتصاعد أيضًا، وقد تؤدي إلى وضع إقليمي جديد معني بالصراع، لن تكون سوريا بعيدة عنه.
والعامل الثالث يتعلق بالبيئة الإقليمية المصاحبة لهذا الصراع وتحولاتها. فحلف مكة، الذي يضم إلى جانب السعودية كلًا من تركيا وباكستان، أصبح له انخراط في الصراع، لكنّه محصور حتى الآن بالدفاع عن المملكة. مع ذلك، فإن حدود انخراط الحلف تتوقف في النهاية أيضًا على مسار الصراع ومآلاته. تبدو تركيا على وجه خاص قلقة من هذا الصراع، ليس لأن التزام حلف مكة قد يجرها إلى الانخراط فيه فحسب، بل لأن تصاعده أيضًا سيؤدي إلى وضع مرتفع المخاطر في المنطقة كلّها. سوريا ليست عضوًا في حلف مكة، لكنّها في النهاية ليست معزولة عن هذا الصراع وتداعياته، كما تربطها شراكة استراتيجية وثيقة بعضوين في حلف مكة، هما تركيا والسعودية. ومن المؤكّد أن أنقرة، التي يُعتقد أنها لم تؤيد مقترح ترامب بتدخل سوريا في لبنان، ترغب في أن تبقى سوريا بمعزل عن صراع اليمن، لاعتبارات تتعلق في الغالب بحاجة الرئيس أحمد الشرع إلى التركيز على أولوياته الداخلية.
حتى اتضاح مآلات التصعيد الحالي الكبير بين السعودية والحوثيين، من الواضح أن الارتدادات الإقليمية له تتصاعد أيضًا، وقد تؤدي إلى وضع إقليمي جديد معني بالصراع، لن تكون سوريا بعيدة عنه.
- تلفزيون سوريا


























