ما الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الكشف عن الاتصال الذي أجراه بالرئيس السوري أحمد الشرع في تموز 2025؟ الحسابات الانتخابية بالتأكيد، ولكن ليست وحدها. قال نتنياهو ما قاله في تجمع انتخابي لدى دروز إسرائيل، وقدم الاتصال على أنه جاء في طريقة التهديد للشرع بضرورة وقف العمليات العسكرية في السويداء، وهو ما يعني أن نتنياهو قدم نفسه على أنه الذي حمى الدروز، كما تعهد أمام الناخبين بأنه يجب عودة الدروز إلى بلداتهم. لم يصدر عن سوريا أي نفي لما كشفه نتنياهو، أما ما قاله المسؤول السوري لوكالة سانا رداً على الكلام فقد جاء في سياق وقف النار تلبية لمسعىً أميركي، مع تأكيد رفض سوريا أن يتحول الدروز إلى مادة انتخابية في الانتخابات الإسرائيلية. ولكن خلف كل هذه الكواليس ما الذي يجري؟
ماذا يخطط نتنياهو في السويداء؟
يبقى الأهم في ما يخطط له نتنياهو الذي يصر على لعب دور داخل سوريا استناداً إلى علاقته مع بعض المجموعات في السويداء، إضافة إلى مواصلة تحركاته في الجنوب السوري عبر توغلات واعتداءات واستمرار احتلال الأراضي. ما يسرّبه الإسرائيليون هو أن أحمد الشرع ينتظر مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية ويراهن على سقوط نتنياهو كي يستأنف عملياته في السويداء للسيطرة عليها. يقدم نتنياهو مثل هذه الأخبار كنوع من التجييش الانتخابي للدروز وأنه في حال بقي في منصبه فهو لن يسمح للشرع باستعادة السويداء. في المقابل، هناك جو في سوريا يشير إلى استمرار المساعي السورية مع السعودية وتركيا والولايات المتحدة الأميركية والأردن لأجل الوصول إلى حل لمشكلة السويداء، مع تأكيد رفض أي دور للشيخ حكمت الهجري الذي أصبح محسوباً بالكامل على الإسرائيليين.
منذ فترة تتحرك القوات السورية في محيط السويداء في إطار تعزيز وجودها ووضعيتها، ولهذا التحرك أكثر من هدف: أولاً تثبيت الحضور، وثانياً الخوف من تنفيذ مجموعات تابعة للهجري عمليات ضد الحواجز التي تقيمها الأجهزة السورية أو تحسباً لأي عمليات تنفذها هذه المجموعات باتجاه القرى والبلدات التي تسيطر عليها القوات السورية في محاولة لاستعادتها. في المقابل، فإن إسرائيل لا تزال تتحرك من خلال التواصل مع مجموعات من السويداء وتعمل على توفير بعض الدعم لها مثل السلاح، حتى إن بعض المعلومات تشير إلى أن نجل الشيخ حكمت الهجري قام بزيارة قبل فترة إلى إسرائيل وحصل من هناك على أسلحة تحضيراً لأي مواجهة مرتقبة.
المسعى السعودي وردّ نتنياهو
على المستوى السياسي، فإن السعودية عملت على مسعىً يهدف إلى ترتيب وضع السويداء بالتفاهم مع الأميركيين والأردنيين والأتراك ودمشق، ذلكَ من خلال بناء تنظيمات سياسية وعسكرية وأمنية جديدة تطوق الشيخ حكمت الهجري وجماعته، مقابل دمج هذه التنظيمات بالدولة السورية ومؤسساتها، ذلكَ لإنهاء ملف السويداء بعد الانتخابات الإسرائيلية. وكردّ على هذا المسار جاء كلام نتنياهو عن عدم التخلي عن الدروز وحمايتهم، إضافة إلى الكشف عن الاتصال الذي جرى بينه وبين أحمد الشرع في تموز 2025 وتهديده بضرورة وقف العملية العسكرية في السويداء. وحتماً جزء من استخدام هذه التصريحات من قبل نتنياهو في معركته الانتخابية. وعليه، قد يكون تحرك نتنياهو له ثلاثة احتمالات: إما إجهاض أي تحرك للدولة السورية باتجاه السويداء وقيام إسرائيل بتحرك استباقي، أو تحرك في إطار الردع لمنع قيام سوريا بأي تحرك باتجاه السويداء، أما الاحتمال الثالث فهو تحرك صدامي أي أن يقع الصدام مجدداً بين إسرائيل وسوريا.
جنوب سوريا ورقة ضغط إسرائيلية
أما إسرائيل فهي تواصل ترتيب أوراقها لاستمرار استخدام ورقة السويداء، والتدخل فيها، وفي هذا السياق يأتي تصريح نتنياهو عن إعادة أهالي القرى الذين تركوها؛ أي أهالي 36 بلدة في محافظة السويداء. كلام نتنياهو يعني أنه لا يمكن إعادة هؤلاء إلا من خلال تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية هناك، وتثبيت نقاط تضمن لهم عودتهم وبقاءهم مقابل إخراج القوات التابعة للدولة السورية من تلك البلدات. وقبل فترة كان نتنياهو يعرض على الأميركيين فكرة دخول عسكري إسرائيلي إلى السويداء وتثبيت نقاط فيها، إلى جانب زيادة المساعدات الطبية وفتح طريق بين المحافظة والجولان.
منذ أيام يكثف الإسرائيليون تحركاتهم في جنوب سوريا، ويكثفون تحليق الطائرات المسيرة وصولاً إلى ريف دمشق، إضافة إلى تحليق الطائرات المروحية الإسرائيلية بشكل يومي في أجواء الجنوب السوري فضلاً عن التوغلات والتدخلات المستمرة. من الواضح أن مشروع إسرائيل في جنوب سوريا لا يقتصر على الحسابات الانتخابية فقط، بل ما تريده تل أبيب هو استمرار السيطرة على مساحة أساسية وواسعة من الجنوب السوري، والقدرة على منع أي استقرار على طريق الجنوب باتجاه دمشق، ومواصلة الضغط على الشرع ولو اقتضى ذلك افتعال مشكلة أو أزمات داخلية. حتى الآن لا تزال إسرائيل ترفض التعاطي مع الشرع بواقعية وهي تفضل لو تتمكن من إزاحته عن الحكم أو، بالحد الأدنى، عدم جعل حكمه يستقر.























