قبل هذه الدراسة العلمية كان القول إن التاريخ الثقافي والاجتماعي للإنسان يتم توريثه من جيل إلى آخر بواسطة الجينات. كان أشبه بالكلام الشعري المرسل، الذي يبتسم علماء البيولوجيا عندما يسمعون به، ويهزون رؤوسهم للتقليل من شأنه. كان يبدو ذلك كلام شعراء وأدباء حالمين. لكن الدراسة التي أجرتها جامعة فلوريدا مع الجامعة الهاشمية في عمان على عائلات مهاجرة من حماة، أثبتت أن الخيال الأدبي قد يسبق الاكتشافات العلمية.
أُجريت الدراسة على عائلات مهاجرة من مدينة حماة مستقرة في الأردن في تواريخ مختلفة. وقد قًسمت العوائل إلى ثلاث مجموعات، بناء على تاريخ هجرتها من مدينة حماة. المجموعة الأولى هي مجموعة العائلات المهاجرة قبل 1980 وقد اتُخذت كمجموعة شاهدة، لأن نساء هذه المجموعة لم يتعرضن للعنف. أما المجموعة الثانية فهي لعوائل مهاجرة بعد 1982، وقد تعرضت الأمهات للعنف أثناء الحمل. بقيت المجموعة الثالثة التي تعرضت فيها الأمهات للعنف عام 2011.
كشفت دراسة أن الأشخاص الذين تعرضوا للعنف، وهم في أرحام أمهاتهم، أظهروا علامات «شيخوخة جينية متسارعة»
بعد إجراء الفحوص الجينية على السيدات وأبنائهن، أكدت النتائج أن الصفعة التي تلقاها جدك قبل خمسين عاماً في أحد الأفرع الأمنية، أو على يد عنصر من سرايا الدفاع، أو القوات الخاصة قد استقرت في جيناتك وجينات أبنائك.
خلصت هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة «ساينس أليرت « (Science Alert) في مارس 2025 تحت عنوان Violence Leaves Its Mark on Our Genes For Generations, Study Finds) )، إلى أن العنف يترك بصماته على جينات الأجيال القادمة. تم أخذ الحمض النووي من 48 عائلة سورية عبر ثلاثة أجيال، بعدد مشاركين يبلغ 131 فرداً. وبعد تحليل هذه العينات اكتشف الفريق الباحث تعديلات في 14 منطقة جينومية مرتبطة بالعنف لدى الأفراد، الذين شهدت جداتهم أحداث مجزرة حماة عام 1982، أو شهدت أمهاتهم العنف الأسدي عام 2011، كما اكتشفوا تعديلات21 موقعا جينيا في جينوم الأشخاص الذين تعرضوا للعنف في سوريا بشكل مباشر. وكشفت الدراسة أيضاً، أن الأشخاص الذين تعرضوا للعنف، وهم في أرحام أمهاتهم، أظهروا علامات «شيخوخة جينية متسارعة»، تؤهل هؤلاء الأشخاص للإصابة بالأمراض المرتبطة بالتقدم بالعمر بشكل مبكر، وأيضاً بالأمراض الجسدية – النفسية مثل الكولون العصبي وغيره. باختصار أنت ترث معاناة أهلك من القلق والاكتئاب والخوف والعنف، دون أن تكون لك تجربة مباشرة مع تلك المؤثرات السلبية.
في أغسطس 2011 كان ابني غيث في رحم أمه بعمر 4 شهور، حين اجتاحت دبابات النظام مدينة حماة وقضينا أياماً عصيبة تحت أصوات الانفجارات ومنع التجوال وأفعال القتل والاعتقال، التي ترتكبها بشكل خاص الفرقة الرابعة، يبلغ غيث من العمر اليوم 14 عاماً وهو متفوق في دراسته، لكن في أيام الامتحانات ونتيجة التوتر يصاب بالكولون العصبي.
هل يمكن الخروج من آثار العنف على جينات الأجيال القادمة؟ الجواب نعم فالعنف ليس قدراً نهائياً، لأن التغيرات السلبية تتم عبر ظاهرة تسمى (Epgenic) وهي تعني أن التغيرات تمت في طريقة تعبير الجين عن نفسه، وهذا ما يجعلها قابلة للعكس. شرط أن تعيش في بيئة صحية خالية من العنف ومن ثقافة العنف. وإلا سنبقى ندور في هذه الحلقة الجهنمية ـ الأسدية لأجيال عديدة، إذا لم نستطع بناء بيئة سليمة خالية من العنف، ومن ثقافة العنف، فهذا يعني أن الأسد قد طبع جيناتنا إلى الأبد بحافره، وبذلك يكون قد حقق الخلود داخل كل واحد منا وداخل أبنائنا وأحفادنا بطريقة لا تخطر إلا على بال الشيطان.
*كاتب سوري
- القدس العربي


























