وقعت دول قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا، أمس الأربعاء، مذكرة تفاهم عسكرية «متعددة الأطراف»، وسميت المذكرة «بدر»، حسب بيان وكالة الأنباء القطرية لأن «الدول الأربع تكمل بعضها»، وسيتم عبرها «استغلال قدرات كل دولة في مجال التصنيع الدفاعي»، كما أنها «ذات أهمية اقتصادية كبيرة» بتلبيتها احتياجات «الدول الحليفة والصديقة». وأشار الخبر إلى أن المذكرة مفتوحة لانضمام «دول أخرى صديقة».
تجيء المذكرة بعد نحو شهرين من توقيع «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك للسعودية مع اثنتين من الدول المنضمة للمذكرة، وذلك في وقت يتواصل فيه الاضطراب الأمني الإقليمي في الخليج والدول المحيطة بسبب النزاع الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران، وتتوسع فيه أخطار الحرب اليمنية وتأثيرها على السعودية، وتتعزز في المقابل الشراكة العسكرية بين إسرائيل، ضمن تقارب استراتيجي يشمل قبرص.
رغم اختلاف هذه الترتيبات في طبيعتها والتزاماتها، فإن تزامنها يكشف عن تحوّل عميق يعبّر عن أزمة نظام الأمن الإقليمي القديم، الذي بدأت أطرافه تبحث عن ضمانات جديدة خارج القواعد التقليدية السابقة.
قامت المعادلة الأمنية في الخليج والشرق الأوسط، منذ عقود، على تفوق عسكري أمريكي يوفّر الحماية للحلفاء، مقابل نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي واسع لواشنطن، وهو أمر غيّرته بشكل هائل تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.
نتج عن تلك الحرب تصاعد كبير في التهديدات للممرات البحرية ومنشآت الطاقة والبنى التحتية للدول العربية، فكشف حدود الضمانات الأمريكية، وازدادت الأمور سوءا مع السياسات البراغماتية الفظة والانتهازية المفرطة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
دفع كل ذلك دول المنطقة إلى إعادة النظر في كلفة الارتهان لقوة واحدة لا تتطابق أولوياتها مع مصالح حلفائها، ولم يعد السؤال المطروح على هذه الدول يتعلق بحجم السلاح الذي تستطيع شراءه بل بقدرتها على التحكم بمصادر قوتها وقرارها الأمني.
تكتسب الانتقالة من «حلف مكة» إلى «مذكرة بدر» دلالة تتجاوز الجغرافيا والتوقيت. تطرح الاتفاقية الأولى التزاما بالدفاع المشترك، فيما تسعى الثانية لإقامة شبكة للتعاون الصناعي والتكنولوجي العسكري. يعكس المسعيان، في الواقع، محاولة للانتقال من «استيراد الحماية» الجاهزة إلى إنتاج بعض أدواتها، ومن العلاقات الأمنية الثنائية إلى ترتيبات متعددة الأطراف.
ينطبق الأمر على الجانب المقابل من المشهد، مع تعزيز إسرائيل واليونان تعاونهما الدفاعي عبر مشروع «درع آخيل»، في ظل التنافس المتزايد على النفوذ والممرات البحرية والطاقة في شرق المتوسط. تنذر تفاعلات هذه المشاريع بتحويل مناطق التداخل الاستراتيجي إلى ساحات جديدة لسباق التسلح، فكل طرف يقدم ترتيباته باعتبارها دفاعية، فيما قد يراها الطرف الآخر تهديدا يستدعي مزيدا من التحصين العسكري.
تؤشر التحالفات الناشئة، على الطرف العربي – الإسلامي إلى تراجع الاعتقاد بالقدرة الأمريكية على حماية المنطقة، وبانتقائيتها في هذا المجال، فحين يتعلّق الأمر بإسرائيل، تتحرّك الأساطيل والقاذفات وتهبط القنابل وتُنصب منظومات الدفاع الجوي، في حين شهد الخليج العربي أشكالا من الهجمات لم تظهر واشنطن ضدها نفس الحميّة والقدرات الهجومية أو الدفاعية، وتجلّى الأمر بوضوح أكثر بعد الهجمات الحوثية الخطيرة على السعودية، حيث امتنعت القوات الأمريكية قصدا عن مشاركة الرياض في صد الصواريخ والمسيّرات.
تدرك التحالفات العربية – الإسلامية الناشئة، مع ذلك، أنها غير كافية لإخراج المنطقة من دائرة النفوذ الأمريكي، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، والسعودية تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، التي تعتبر إسرائيل حليفا رئيسيا لها في المنطقة.
تظهر هذه التحرّكات توجها نحو توسيع مصادر التسليح والشراكات لكنها تفتح الباب لتساؤلات حول مساعي الدول العربية الاستراتيجية لاستيعاب نتائج الحروب الناشبة في ساحات الخليج العربي، وكذلك تحرّكات إسرائيل الخطيرة في فلسطين ولبنان وسوريا، وشرق المتوسط.
ولعل الاختبار الحقيقي للشرق الأوسط الجديد يتمثّل في معرفة إن كانت دول المنطقة العربية – الإسلامية ستتمكن من حماية أنفسها عسكريا وحل خلافاتها سياسيا، ومن إنشاء نظام إقليمي أكثر استقلالا وتعاونا، نظام قادر على مواجهة موجة التغوّل الإسرائيلي المتجهة نحو تطهير عرقيّ للفلسطينيين، ومواصلة إضعاف الدول العربية المحيطة، لبنان وسوريا وحتى الأردن، وعلى حل المشاكل الإقليمية مع إيران والقوى الموالية لها في اليمن والعراق ولبنان.
- القدس العربي























