مَن الذي يحدد حدود الممكن في السياسة الدولية؟ هل هي موازين القوى كما تبدو، أم قدرة القيادة السياسية على اكتشاف مساحات للحركة لا تراها الحسابات التقليدية، ثم امتلاك الشجاعة لتحويلها إلى واقع؟
يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية عند قراءة ما جرى في الجزيرة السورية مطلع عام 2026، وما يكشفه عن العلاقة بين الإرادة الوطنية وحسابات القوى الإقليمية والدولية.
وثمة، هنا، تفصيل بالغ الأهمية في قراءة تلك الأحداث، يكاد يغيب عن معظم التحليلات. فبحسب معلومات من مصادر مطلعة، اتخذ الرئيس أحمد الشرع والقيادة السورية قرار تعجيل حسم ملف الجزيرة دون تنسيق مسبق مع القيادات العسكرية الأمريكية، خلافاً للانطباع الشائع بأن ما جرى كان نتيجة تفاهمات مسبقة معها.
وتشير المعلومات ذاتها إلى أن هذا المسار أثار انزعاجاً لدى تلك القيادات، وأن بعض تحفظاتها لم يتلاشَ تماماً. لكن القيادة السياسية الأمريكية تجاوزت ذلك الانزعاج، في ضوء السلاسة النسبية للأحداث، وما أتاحته نتائجها من فرص لمعالجة ملف «قسد» واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، بما ينسجم مع مصالح استراتيجية أمريكية أوسع.
وتكمن أهمية هذه المعلومات في أنها تكشف جانباً من استقلالية المبادرة السورية، وتفتح الباب أمام قراءة مختلفة لمساحات اتخاذ القرار دولياً: فقد يكون ما لا تفضله قوة كبرى مسبقاً أمراً تستطيع قبوله لاحقاً، وربما تجد في نتائجه مصلحة استراتيجية لم تكن تراها قبل وقوعه.
هنا نصل إلى مسألة جوهرية: هل حدود القرار ثابتة، أم أن بعضها قابل للتغيير بفعل المبادرة والتوقيت وصناعة الوقائع؟
وقد يكون أول درس في العلاقات الدولية، إنه لا توجد دائماً إرادة متجانسة داخل الدولة الكبرى. فالمؤسسة العسكرية تنظر إلى أمن القوات، وترتيبات الانتشار، وحماية الشركاء الميدانيين. أما القيادة السياسية فتنظر إلى النتائج الاستراتيجية، وإمكان إنهاء التزامات مكلفة، وإعادة ترتيب التحالفات وتحقيق مصالح طويلة الأمد.
وعليه، قد يكون القرار الذي يزعج قيادة عسكرية مقبولاً سياسياً إذا أثبتت نتائجه أنه يحقق مصلحة أكبر. وهذا لا يجعل تجاهل التقديرات العسكرية فضيلة، وإنما يكشف أن اختلاف مستويات النظر قد يخلق مساحة للحركة لا تظهر لمن يقرأ الموقف الدولي بوصفه خطوطاً حمراء ثابتة.
لعل أهم ما تكشفه الحالة السورية، لذلك، أن سقوف القرار ليست جميعها من طبيعة واحدة. فهناك حدود تفرضها القوة الفعلية، وأخرى تفرضها الالتزامات والتحالفات، وثالثة تنشأ من تقديرات الأطراف، وحدود يصنعها الخوف من ردود أفعال لم تُختبر أصلاً.
والقيادة المبدعة هي التي تستطيع التمييز بين هذه المستويات. فبعض الخطوط الحمراء حقيقية، وتجاوزها قد يفضي إلى كارثة. لكن بعضها قابل للتفاوض، وبعضها الآخر يعكس تفضيلاً لواقع قائم، دون استعداد للدفاع عنه مهما كانت الكلفة.
هنا يتجلى دور الإبداع السياسي، الذي يتطلب إعادة تعريف المشكلة، واكتشاف مصالح مشتركة، وتغيير تسلسل الخطوات، واختيار توقيت يسمح بتحقيق نتيجة كانت تبدو مستحيلة.
وفي ملف الجزيرة السورية، إذا كانت واشنطن تريد الاستقرار، ومنع عودة تنظيم داعش، وتقليل أعباء وجودها العسكري، وكانت دمشق تريد وحدة السيادة ودمج القوى المسلحة والمؤسسات، فإن التحدي يكمن في إيجاد مسار يوفق بين الهدف السوري والمصالح الأمريكية الأساسية.
صحيحٌ أن استمرار الوضع القائم ليس بالضرورة الخيار الأفضل. فبعض الترتيبات تستمر بقوة العادة والخشية من البدائل، حتى عندما تصبح كلفتها أعلى من فوائدها. لكن ذلك لا يلغي عنصر المخاطرة. فقد كان ممكناً أن تؤدي الحسابات الخاطئة إلى صدام واسع، أو مواجهة غير مقصودة مع قوات أمريكية، أو تدخلات إقليمية تزيد المشهد تعقيداً.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الجرأة السياسية والمغامرة غير المحسوبة. فالجرأة تقوم على فهم المصالح والقدرات والبدائل، وتقدير احتمالات النجاح والفشل، والاستعداد لاحتواء النتائج غير المرغوبة. أما المغامرة فتبدأ عندما تتحول الثقة بالنفس إلى استخفاف بالقيود، أو يُفسَّر نجاح سابق باعتباره ضمانة لنجاح كل قرار لاحق.
لقد أثبتت عملية التحرير، في التجربة السورية، أن الواقع السياسي والعسكري قد يتغير بسرعة تفوق التوقعات. لكن الدرس الأهم هو القراءة الدقيقة للحظة التاريخية، وحسن توظيف عناصر القوة والضعف لدى الأطراف المختلفة.
في العلاقات الدولية لا توجد دائماً إرادة متجانسة داخل الدولة الكبرى، فالمؤسسة العسكرية تنظر إلى أمن القوات، وترتيبات الانتشار، وحماية الشركاء الميدانيين أما القيادة السياسية فتنظر إلى النتائج الاستراتيجية
وهنا تظهر مفارقة أخرى تتمثل في أن الدولة الصغيرة أو المتوسطة قد تكون أكثر قدرة على المبادرة مما توحي به المقارنة بينها وبين القوى الكبرى. فالقوة الكبرى تمتلك أدوات هائلة، لكنها تتحرك ضمن مؤسسات وتحالفات وحسابات متشابكة. أما الدولة التي تعرف أهدافها فقد تمتلك ميزة سرعة القرار ووحدة الاتجاه واستثمار الفرص.
غير أن هذه الميزة تحتاج إلى مؤسسات تجمع المعلومات، وتختبر الفرضيات، وتقدم تقديرات متعارضة، وتحفظ للقيادة حرية الاختيار دون حجب المخاطر.
وهذا يطرح تحدياً أمام الدولة السورية الجديدة: كيف نحول القدرة على اتخاذ القرارات الاستثنائية إلى منهج مؤسسي دائم؟ وكيف نبني مؤسسات تكتشف الفرص وتنتج البدائل، بدلاً من الاكتفاء بشرح القيود والتكيف معها؟
فالإبداع المرتبط بقدرة قائد استثنائي يمكن أن يصنع تحولاً تاريخياً، لكن استدامته تحتاج إلى منظومة مؤسسية تجعل التفكير خارج المألوف جزءاً من صناعة القرار.
والأهم أن نجاح المبادرة يفرض مسؤولية مضاعفة في إدارة ما بعدها. فالحسم الميداني يفتح ملفات الاندماج الإداري والأمني والاقتصادي والاجتماعي، ويضع الدولة أمام امتحان تحويل المكسب السياسي إلى استقرار مؤسسي وحقوق مصونة لجميع المواطنين.
ولذلك فإن الحكم النهائي على القرار يمتد إلى قدرته على إنتاج تسوية مستدامة، وتجنب النزاعات الجديدة، وتثبيت السيادة ضمن دولة عادلة وقادرة.
إن السياسة الدولية لا تكافئ الجرأة دائماً، والنتائج الإيجابية لا تثبت وحدها أن جميع المخاطر كانت محسوبة. لكن التجارب الناجحة تكشف أحياناً أن مساحة الحركة كانت أوسع مما افترضه الحذر التقليدي.
ولعل الدرس الأهم من تجربة الجزيرة السورية هو أن على القيادة السياسية معرفة حدود القوة، وإدراك أن بعض حدود الممكن يصنعها الخيال السياسي السائد، ويمكن تجاوزها بحسن التقدير والتوقيت وتحمل المسؤولية.
ففي عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح، لا يكفي أن تسأل الدولة عما تسمح لها القوى الكبرى بفعله. عليها أيضاً أن تسأل: ما الذي تستطيع إنجازه بحيث تجد تلك القوى، بعد وقوعه، أن التكيف معه يخدم مصالحها أكثر من مقاومته؟
وهذا سؤال بالغ الجرأة، لا تصح الإجابة عنه إلا بعقلٍ بالغ الانضباط.
ففن السياسة الرفيع هو أن ترى فرصةً حيث يرى الآخرون سقفاً، وأن تمتلك الشجاعة لاقتناصها، والحكمة التي تمنع تحول الشجاعة إلى مقامرة بمصير الوطن.
٭ كاتب سوري
- القدس العربي
























