دمشق ـ «القدس العربي»: كشفت مصادر نيابية لـ«القدس العربي» عن احتمال إجراء مزيد من التعديلات بين أعضاء الحكومة السورية ومسؤولين كبار في الدولة، وفق مراسيم مستقلة يصدرها الرئيس أحمد الشرع، لتعيين وجوه جديدة من أصحاب الكفاءات، وضمن عملية «إصلاح بالتقسيط» لا تتضمن تغييرا أو تعديلا واسعا أو تعين رئيس للوزراء، كما يطالب به عدد من أعضاء مجلس الشعب.
تغييرات قريبة
ويترقب السوريون أن يسمعوا خلال الفترة القريبة المقبلة، أنباء عن التعديل الوزاري، وهو ما أكده أكثر من مصدر نيابي سوري لـ«القدس العربي». وبيّن نائب، فضل عدم ذكر اسمه، أنه متوقع خلال أيام أن يتم تعيين محافظ إدلب الحالي، محمد عبد الرحمن، وزيرا للرياضة والشباب خلفا لمحمد الحامض، الذي كان قد أعلن عن استقالته منذ نيسان/ إبريل الماضي لأسباب صحية، على أن يشغل معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء، علي كده، منصب محافظ إدلب.
ونفت المصادر السابقة صحة الأنباء التي تحدثت عن أن التعديل المنتظر سيتضمن تكليف رياض حجاب منصب رئيس الوزراء الجديد، وقالت إن هذا الخبر غير صحيح، واسمه ليس من بين المرشحين لشغل هذه المنصب.
وشكل طرح اسم حجاب جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مؤيد لشغله المنصب لامتلاكه الخبرة المطلوبة ونزاهته باعتباره كان يشغل منصب رئيس الوزراء قبل انشقاقه عام 2012، وبين معارض له للأسباب ذاتها وتصنيفه من رجالات حزب البعث، ومن ثم كونه واحدا من قيادات معارضة الخارج التي لم تفلح في إسقاط نظام الأسد حيث انتُخب أواخر عام 2015 منسقاً عاماً لـ«الهيئة العليا للمفاوضات» التابعة للمعارضة وظل في هذا المنصب حتى استقالته بعد سنتين.
نفت المصادر السابقة صحة الأنباء التي تحدثت عن أن التعديل المنتظر سيتضمن تكليف رياض حجاب منصب رئيس الوزراء الجديد
ورفضت المصادر النيابية تأكيد ما تحدث عنه بعض التقارير الإعلامية بأن التغيير الحكومي سيتضمن تعيين محافظ دير الزور الحالي زياد العايش، وزيراً للداخلية بدلاً من أنس خطاب، وتعيين درويش العجلاني وزيراً للاقتصاد بدلاً من نضال الشعار، وتعيين رشاد أنور كامل وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل بدلاً من هند قبوات، مع احتمال أن يشمل التغيير أيضا وزير الخارجية أسعد الشيباني.
وقالت المصادر لـ«القدس العربي» إن الحديث عن إجراء تعديلات حكومية قريبة هو كلام صحيح، ولكن لا يمكن تأكيد الأسماء التي ذكرت.
وتعددت دوافع إجراء التعديل الحكومي بعد مرور 19 شهرا على تشكيل الحكومة الحالية، وإن شهدت المرحلة السابقة بعضا من التعديلات.
وفي تصريحات سابقة له قال عضو مجلس الشعب مؤيد غزلان لـ«القدس العربي» إن الهدف الأساسي من أي تعديل مرتقب هو رفع مستوى إنتاجية الحكومة وتحقيق نتائج ملموسة بعد موجة الاحتجاجات المطلبية وغلاء الأسعار.
وحسب المصادر النيابية فإن التغييرات المنتظرة ستأتي في إطار مراجعة شاملة للأداء الحكومي، وتحسين الخدمات، ومواكبة التحديات الاقتصادية والخدمية الراهنة، والانتقال من «إدارة الأزمة» إلى «التنمية وإعادة الإعمار» لمواجهة الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات المعيشية مع معالجة الخلل الهيكلي ومكافحة المحسوبية وتنفيس الاحتقان الشعبي، ومنها على سبيل المثال ما تعرض له وزير الثقافة من حملة انتقادات على خلفية عرض مواقع وقصور أثرية للاستثمار، وما تعرض له وزير الأوقاف وغيره نتيجة مواكب السيارات الفارهة المرافقة، إلى جانب ما تعرض له وزيرا الطاقة والتربية، من سيل من الأسئلة تحت قبة مجلس الشعب.
دور مجلس الشعب
وأكد رئيس لجنة القوانين المالية في مجلس الشعب، مصطفى عكوش لـ«القدس العربي»، صحة ما يتم التداول به حول إجراء تعديلات ستطال مناصب عديدة في الدولة وليس فقط وزراء الحكومة، مشيرا إلى أن مجلس الشعب لعب دورا في التعديلات الأخيرة التي حصلت، وخصوصا تلك التي أدت الى إقالة الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي.
وكان الرئيس الشرع قد أصدر، الأحد الماضي، مرسومين، الأول برقم 190 لعام 2026 وقضى بتعيين ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة السورية للبترول، بدلا من قبلاوي، والثاني برقم 191 لعام 2026 وقضى بتعيين عمر سامر الحلبي مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي، بدلا من مازن السلحاني.
والإثنين الماضي، تم الإعلان رسميا، عن المرسوم رقم 189 لعام 2026 القاضي بتعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان، وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، بعد أن اختفى هذا المنصب في التشكيلة الحكومية الحالية التي كان قد صدر مرسوم تشكيلها في 29 آذار/ مارس 2025، وضمت حينها 23 وزيرا، وترأسها رئيس الجمهورية، وكلف فيها محمد نضال الشعار بمنصب وزير الاقتصاد والصناعة بعد دمج الوزارتين إلى جانب وزارة التموين والتجارة الداخلية في وزارة واحدة.
وأكد أن إقالة قبلاوي جاءت نتيجة ضغط مباشر من مجلس الشعب، وذلك بعد أن طلب عضو المجلس خالد الخلف من رئيس الجمهورية التدخل وإقالة قبلاوي، عبر برنامج على الهواء مباشرة كانت تبثه قناة الإخبارية السورية، كما طالب زميله محمد بلعاس بمحاسبة المسؤولين، عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك» وكتب أنه إذا لم تتم محاسبة المسؤول «الرأس» عن ادخال البنزين إلى السوق فسنرى هذا المشهد يتكرر كثيراً بأشكال مختلفة».
وقال عكوش إن الأسباب المعلنة حول مطالبات إقالة قبلاوي كانت أولا في أزمة البنزين المغشوش، عبر شحنة مخالفة للمواصفات فرغت في مستودعات الشركة وحدث خطأ تشغيلي أدى لاختلاطها ووصولها للسوق الداخلية، وثانيا نتيجة تصريح القبلاوي الذي وصف فيه السوريين الذين ينتقدونه على فيسبوك بـ«القطيع»، ولم نقبل اعتذاره، وثالثا نتيجة شبهات فساد وعقود، نفتها الشركة لاحقا، وقالت إنها قيد التحقيق.
زيادة الاحتقان
وتحدث عن أبعاد وأسباب المطالب الشعبية بإجراء تعديل حكومي، موضحا أن المطالب يتبناها أيضا مجلس الشعب، وهي نتيجة أداء خدمي ضعيف تجلى في أزمة البنزين الأحمر، وانقطاعات في مادة المازوت وغيرها، مع استخدام لغة استعلائية من بعض المسؤولين تحدثوا بمنطق فوقي مع المواطنين، ما ساهم في زيادة الاحتقان ضدهم، إلى جانب غياب التنسيق بين الوزراء لأن الحكومة الحالية بلا رئيس للوزراء، وهؤلاء يعينون بمراسيم فردية من الرئيس مباشرة، فيظهر كل منهم وكأنه يعمل لوحده. وذكر عكوش أن مجلس الشعب ينقل مطالب ناخبيه بشكل مباشر للسلطة التنفيذية، وهذا كان واضحا في جلسات استماع وزيري الطاقة محمد البشير والتربية محمد تركو، موضحا أن تأثير المجلس يبقى استشاريا، لأن القرار النهائي هو لرئيس الجمهورية حسب الإعلان الدستوري.
وتوقع أن تتم آلية التعديل المرتقبة بالأسلوب ذاته المتبع حتى الآن، وقال إنه وحسب المعطيات الحالية، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار المراسيم المستقلة، وليس إجراء تعديل حكومي شامل مرة وحدة، والسبب أن الرئيس الشرع يتبع أسلوب «التغيير بالقطعة» لتجريب الأداء.
وأشار أن الضغط البرلماني والشعبي يدفع في اتجاهين، إما العودة لمنصب رئيس وزراء أو تكليف رئيس للحكومة بصلاحيات موسعة، لضبط التنسيق بين أعضاء الحكومة، مؤكدا أنه وإلى الآن لا يوجد إعلان عن تعديل واسع، والمصادر تتحدث عن تغييرات ستطال محافظين ومدراء عامين أيضا، وليس فقط وزراء.
اعتبر عكوش أن التعيينات الأخيرة تظهر المزج بين اللجوء للكفاءات مع الحفاظ على الولاءات، والتوجه المعلن من الرئاسة هو استقطاب الكفاءات
واعتبر عكوش أن عمليات تعديل المسؤولين في الدولة التي تقتصر بإجراءات شكلية أمر غير مجد، وقال إن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي، والمطلوب محاسبة وشفافية وعدم إعادة إنتاج المنظومة بأسماء مختلفة لأنه من تغيير آلية الرقابة على العقود وتشغيل الشبكات، فإن أزمة الثقة لن تنتهي وسترجع مرات أخرى.
واعتبر أن التعيينات الأخيرة تظهر المزج بين اللجوء للكفاءات مع الحفاظ على الولاءات، والتوجه المعلن من الرئاسة هو استقطاب الكفاءات، أما فيما يتعلق بكون التعديل بهدف فتح الباب أمام كوادر من «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» و«الإدارة الذاتية» لمناطق شمال شرق البلاد، والانخراط في العمل الحكومي، فإن هذه الأمر مرتبط بملف الدمج السياسي والعسكري، مستبعدا أن يتم ذلك في التعديل الحكومي الخدمي الحالي.
وقال إن التعديلات المقبلة هي خدمية ولن تشمل «قسد» بشكل مباشر، ومشاركة «قسد» تحتاج إلى تفاهم سياسي كبير ومرسوم خاص بإعادة هيكلة الدولة، وليس مجرد تبديل وزراء، مؤكدا أن الباب مغلق حاليا إلى حين استكمال ملف وزارة الدفاع وتوحيد المؤسسات النفطية والسورية للبترول جزء منه، وبالتالي نحن أمام مرحلة «تصحيح بالتقسيط»، ومجلس الشعب صار له صوت مسموع لأول مرة بعد سقوط النظام المخلوع.
- القدس العربي


























