رغم أنّ ملكاته العقلية لا تفتقر إلى درجات متقدمة من الحماقة والاستهبال، ولسانه لا يعفّ عن اللغو والترهات؛ فإنّ تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تظاهرات الاحتجاج وأعمال العنف في فرنسا لم تصدر عن تلك المناطق في دماغه؛ بل أطلقها عن سابق عمد وتصميم كي تخدم ما هو منخرط فيه، هذه الأيام تحديداً: 1) الاستشراس في الدفاع عن حربه الراهنة ضدّ إيران، والعالقة، السائرة من تعثر إلى استعصاء إلى فشل، الحبلى بالارتدادات السلبية؛ و2) الاستماتة في مساندة مرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس التكميلية، حيث المؤشرات ليست على منوال أطماعه. وليس إنذار الفرنسيين بأنّ «باريس ستصبح مدينة مسلمة قريباً» سوى ترهيب للناخب الأمريكي في وجه أمثال عبد الرحمن السيد، الفائز في الانتخابات التمهيدية لمرشحي الحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيغان؛ ثمّ، في سلّة واحدة، سائر المرشحين، «تقدميين» أم «ليبراليين»، ممّن يشكلون تهديداً لرجال ترامب الجمهوريين.
من جانبه، ليس رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على أية سوية من الحماقة والغباء توازي الأضعاف المضاعفة من كمون الحقد والشرّ والفاشية والعنصرية في تلافيف دماغه، وفي عقلية المناورات الذئبية الرثة والمكشوفة التي اعتاد عليها واقتات. فلم يجد أية صعوبة، فكيف بأيّ حرج، في لصق التهمة الداعشية بمئات الآلاف من التلامذة والطلاب والنقابيين والمواطنين العاديين الفرنسيين، الذين ملأوا شوارع وساحات فرنسا بأسرها يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. الغمز من الخلفية الإسلامية كديانة وثقافة، وليس الإسلاموية أو الأصولية أو الجهادية كخيارات في السياسة والممارسة، كان فحوى تلميحات نتنياهو إلى ما زعم أنه تحذير للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون من «غزو الإسلام المتطرف»، منذ ثلاث سنوات على خلفية عملية المقاومة الفلسطينية في غلاف غزة ومستوطنات الاحتلال.
تأويلات على أنساق مماثلة صدرت عن عشرات الساسة والمحللين والصحافيين و»خبراء» الإسلام» هنا وهناك في أوروبا والولايات المتحدة، ليس لأنّ الحراك الطلابي، ثمّ الاجتماعي الأعرض، في فرنسا منحهم فرصة جديدة للنيل من «الآخر»، المهاجر، المسلم بالقسر والتعريف المسبق، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الأجندات الانتخابية (الكنيست في دولة الاحتلال، والكونغرس في الولايات المتحدة، والرئاسيات ربيع 2027 في فرنسا) يمكن أن تُحرف أو تُشوّه لصالح هذا الخطّ المحافظ واليميني واليميني المتطرف أو ذاك؛ كما أنها كفيلة بإبعاد الأنظار عن الأزمات الاجتماعية ـ الاقتصادية الحارقة، أو تشتت الجموع بعيداً عن أولويات التفكير.
معظم ساسة فرنسا من ممثلي أحزاب الخطّ إياه، صحبة غالبية من المعلقين والمحللين في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، أدلوا بالدلاء ذاتها على نحو متماثل وشبه ببغائي إجمالاً؛ ما خلا أنّ التنويع الفرنسي ألمح إلى الإسلام عبر المهاجرين وسياسة الهجرة، وأنحى باللائمة في الوقوف خلف أعمال الشغب والتخريب والنهب على حزب «فرنسا الأبية»، LFI، وزعيمه مرشح اليسار الأبرز جان ـ لوك ميلانشون. والتقرير المثير، الذي نشره موقع «ميديابارت» الفرنسي الاستقصائي، كشف النقاب عن توجيهات مباشرة صدرت عن وزير الداخلية إلى الأجهزة الأمنية لتحميل هذا الحزب، ومجموعات اليسار المتطرف، مسؤولية التحريض على أعمال العنف والشغب.
ورغم أنّ الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون لم يعتمد خطاب اللباقة المألوف، حين أشار إلى أنّ البعض يدير انتخاباته على ظهر فرنسا (ترامب ونتنياهو، في تلميح أقرب إلى التصريح)، فيتفوّه بأقوال «غبية»، ويعتمد على مشاهد مولّدة بالذكاء الاصطناعي؛ فإنه لم يكن أفضل حالاً من وزير الداخلية، فاختزل دوافع الشغب على هذا النحو التبسيطي: «سألنا أنفسنا جميعاً، ماذا كان يدور في أذهانهم؟ كيف يمكن لفرنسيين أن يفعلوا هذا بفرنسا؟ لا شيء يبرر ذلك، ولا شيء يفسره. نشعر جميعا بالغضب والخزي». وإذ لوّح بأنّ «يد الدولة لا يتوجب أن ترتجف»، وجّه رئيس وزرائه إلى عقد اجتماع أزمة مع النقابات، فلم تسفر ساعتين ونصف الساعة من التداول عن تدابير ملموسة تلاقي مطالب العمال والطلاب وغلاء المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية؛ والإجراء العملي الوحيد كان إعلان النقابات العزم على إضراب عام وشامل، ابتداء من 5 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
الدين العام ومعدلات التضخم وتفاوت مستويات المعيشة وسوء توزيع الثروة الوطنية، وسواها من ملفات شائكة وعالقة عميقة الغور، تتصدر الهواجس صانعة الغليان
وبمعزل عن استنكار جرّ التظاهرات السلمية إلى أعمال العنف والتخريب والنهب، بأيدي فئات قليلة ومحدودة ومتطرفة عموماً، وهذه ظاهرة أبعد من أن تكون جديدة على فرنسا الجمهورية الخامسة والمعاصرة؛ فليس ثمة الكثير من الألغاز خلف البواعث الفعلية، الحقيقية والمشروعة والضاغطة، خلف خروج طلاب المدارس الثانوية إلى الشوارع والساحات، أو اتساع حراكهم لتنضم إليه نقابات كبرى وشرائح اجتماعية أعرض وحركات احتجاج نوعية سابقة مثل «السترات الصفراء». صحيح أنّ الدين العام ومعدلات التضخم وتفاوت مستويات المعيشة وسوء توزيع الثروة الوطنية، وسواها من ملفات شائكة وعالقة عميقة الغور، تتصدر الهواجس صانعة الغليان؛ ولكن ليس أقلّ صحة أنّ مستويات التأزم أعمق وأعرض وأكثر اشتمالاً، في كثير من العناصر البنيوية للنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيش الفرنسيون تحت قوانينه/ ضغوطاته.
ولعلّ قسطاً ضئيلاً فقط من الإفراط في التشخيص يشوب رأي اقتصادي فرنسي بارز مثل توما بيكيتي، يساجل بأنّ التأزم الاقتصادي الراهن في فرنسا، من زاوية الدين العام واختلال الموازنة وخلل تناسب الإنفاق مع السلالم الضريبية، له سابقة أولى تعود إلى سنة 1789 (عتبة الثورة الفرنسية، دون سواها!)؛ وسنة 1945 (انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأميم المصارف، والتحولات السياسية والدستورية النوعية). وما يجري اليوم يستعيد الكثير من عناصر الماضي، مع فارق جوهري هو أنّ فرنسا دولة غنية، مرتكزة على دعائم اقتصادية راسخة؛ والعطب الأكبر، في ناظر بيكيتي، هو «النزعة السياسية المحافظة» و»السلوك الأكثر ثراء»، ولن يكون العلاج أقلّ من «انقلاب في الإجراءات السياسية الرئيسة».
فرنسا واقعة في قلب النظام الرأسمالي الغربي، في أوروبا والولايات المتحدة؛ وخضوعها، مثل معظم الدول الرأسمالية الكبرى في القارّة العجوز، إلى اقتصاد اليورو واشتراطات الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن عقابيل النظام الرأسمالي العالمي. وإلى جانب هذه العوامل، تعيش فرنسا في إسار ما بات يُعرف باسم الماكرونية، نسبة إلى الرئيس الفرنسي الذي يوشك على إكمال ولايتين، منذ أيار (مايو) 2017. وفي أبسط تعريفاتها، هي تيار الوسطية السياسية بين اليمين واليسار (واليمين أكثر، استطراداً)، والنيو ـ ليبرالية العشوائية أحياناً حين تضرب فئات الدخل المحدود والمتقاعدين لصالح الأكثر ثراء، وتأثيرات التكوين المهني والصيرفي الذي كان وراء صعود ماكرون. ولا عجب أن ترى افتتاحية صحيفة الـ»موند» الفرنسية العريقة بأنّ يوم احتجاجات 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، هو التاريخ الرسمي لانهيار الماكرونية.
ورغم أنه كان أصغر سناً، وأبعد عن أيّ موقع سياسي بارز في فرنسا، فإنّ ماكرون التحق سريعاً بصفّ «فلسفة» ابتدعها ساسة أوروبيون محسوبون على «اليسار»؛ أي «السبيل الثالث»، الذي ليس باليسار ولا باليمين، وليس بالتقدميّ تماماً ولا بالمحافظ تماماً، حيث الدولة شريكة اقتصاد السوق، وحيث الرأسمالية شقيقة الاشتراكية. تلك كانت عناوين الوثيقة التي صدرت في حزيران (يونيو) 1999، بعنوان «بيان من أجل السبيل الثالث»، وحملت توقيع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمستشار الألماني غيرهارد شرودر.
وليست مظاهر التأزم الراهنة في فرنسا سوى بعض أعراض أفول الماكرونية التدريجي؛ على حساب مشاقّ عديدة مؤلمة توجب أن تعاني منها فرنسا خلال مسير إلزامي على طريق ثالث، حدث مراراً أن سُدّت جوانبه يمنة ويسرة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- القدس العربي
























