بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تدخل سوريا مرحلة انتقالية معقّدة تتشابك فيها استحقاقات بناء الدولة، وإعادة الاستقرار السياسي والمؤسسي، ومعالجة إرث واسع من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وإذا كان إسقاط النظام قد مثّل لحظة سياسية وتاريخية فاصلة، فإن إدارة ما بعد السقوط تطرح أسئلة أكثر عمقاً، في مقدمتها كيفية التعامل مع الماضي بكل أبعاده القانونية والإنسانية، وبناء المستقبل دون القفز فوق حقوق الضحايا.
في هذا السياق، برزت العدالة الانتقالية بوصفها أحد الأعمدة المفاهيمية والقانونية للمرحلة الانتقالية، لا باعتبارها أداة للانتقام أو لتصفية الحسابات، بل كإطار حقوقي شامل لمعالجة الانتهاكات، وكشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاعتراف النظري بأهمية العدالة الانتقالية، بل في ترجمتها إلى مسار عملي متماسك ومستمر، يراعي تعقيدات الواقع السوري دون التفريط بجوهر العدالة.
في 17 أيار/مايو 2025، صدر المرسوم الرئاسي القاضي بتأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في خطوة شكّلت اعترافاً رسمياً بضرورة معالجة إرث الانتهاكات ضمن إطار مؤسسي مستقل. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الهيئة عملها في ظروف استثنائية، بوصفها مؤسسة أُنشئت من الصفر، وفي بيئة سياسية وأمنية وتشريعية لم تكتمل معالمها بعد.
ومن الإنصاف، في أي تقييم مهني لمسار الهيئة، النظر لما قامت به فعليا خلال المرحلة التأسيسية. فقد عملت على وضع هيكليتها التنظيمية، وتحديد وحداتها الوظيفية، وبناء تصور أولي لمنهجيات العمل. كما نفّذت جولات ميدانية في عدد من المحافظات، وانخرطت في لقاءات مع منظمات المجتمع المدني، والتقت بضحايا وذويهم، واستقبلت أراء متعددة تعكس تنوّع الانتهاكات والسياقات، وتلقت استشارات تقنية وقانونية تتعلق بتجارب العدالة الانتقالية المقارنة.
غير أن هذا المسار ظلّ، حتى تاريخه، محكوماً بطابعه التحضيري غير التنفيذي، وهو ما يرتبط مباشرة بغياب الإطار التشريعي الناظم. إذ لا يزال قانون العدالة الانتقالية غير مكتمل من ناحية صياغته كتشريع، ومن ثم المراجعة والإقرار من قبل مجلس الشعب، الذي لم ينعقد كذلك حتى اليوم، الأمر الذي يقيّد صلاحيات الهيئة، ويحول دون مباشرتها بآليات ملزمة في ملفات المساءلة، أو جبر الضرر الشامل، أو الإحالات القضائية.
لكن الإقرار بهذه القيود الموضوعية لا يعفي من طرح السؤال الجوهري بعد عام على سقوط النظام: ما الذي لا يحتمل التأجيل في مسار العدالة الانتقالية؟
أول هذه الملفات هو كشف الحقيقة وحمايتها كأولوية عاجلة لا تحتمل التأجيل. فالحقيقة ليست مرحلة لاحقة للمصالحة، بل شرطها الأول. كل تأخير في وضع آليات واضحة وشفافة لتجميع الأدلة وتوثيق الانتهاكات -مثل الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، التعذيب، القتل خارج القانون، ومصادرة الممتلكات، وحماية الذاكرة الجماعية- يعرّض هذا الحق لخطر التآكل أو التسييس. التجارب المقارنة تظهر أن ضياع الحقيقة في السنوات الأولى من الانتقال غالباً ما يكون خسارة غير قابلة للتعويض، ويحد من قدرة المجتمع على التعلم من الماضي ومنع تكرار الانتهاكات. وعليه، على الهيئة أن تبدأ بشكل فعلي ومهني بتوثيق الشهادات ووضع أسس للتسجيل الميداني، وهو عمل مستمر وجوهري لضمان حماية الحق في المعرفة وتحقيق العدالة.
أما المساءلة، فهي الاختبار الأكثر حساسية وتعقيداً. فالعدالة الانتقالية لا تقتضي بالضرورة محاكمات فورية وشاملة، لكنها تتطلب، كحد أدنى، رسم مسار واضح للمحاسبة منذ البداية، يحدد المعايير، ويقطع مع الإفلات من العقاب، ويمنع تحويل العدالة إلى أداة انتقائية أو ورقة تفاوض سياسي.مرهونة بالمناخ السياسي. إن غياب هذا المسار، أو تأجيله إلى أجل غير مسمى، يقوّض مصداقية العملية برمتها. وعليه من الممكن أن تبدأ الهيئة بتحديد معايير المساءلة، وإعداد الملفات التحضيرية، بما يضمن قدرة النظام القضائي المستقبلي على التعامل معها بفعالية عند اكتمال الإطار التشريعي.
كذلك، لا يمكن تأجيل مشاركة الضحايا بوصفها عنصرا جوهرياً في تصميم وتنفيذ العدالة الانتقالية. فالضحايا ليسوا موضوعاً للعدالة، بل أصحاب حق فيها. ومشاركتهم الفعلية، لا الرمزية، تشكّل ضمانة أساسية لعدم انحراف المسار عن غاياته الحقوقية، ولتعزيز الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة الناشئة. على الهيئة أن تعزز التواصل مع الضحايا منذ الآن، وتضع آليات عملية لمشاركتهم في اتخاذ القرارات، بما يضمن شمولية وعدالة المسار الانتقالي.
وأخيراً، فإن ضمان عدم التكرار يبدأ في المرحلة الانتقالية نفسها، عبر إصلاح مؤسساتي مبكر، ولا سيما في القطاعين الأمني والقضائي. فالتأجيل في هذا المجال لا يعني الحياد، بل يفتح المجال أمام إعادة إنتاج أنماط الانتهاك السابقة بأشكال جديدة، وهو ما يتعارض مع جوهر العدالة الانتقالية بوصفها مساراً وقائياً، بقدر ما هو تصحيحي.
بعد عام على سقوط النظام، يتضح أن العدالة الانتقالية ليست مساراً ينتظر التشريع فقط، بل عملية حان لها أن تبدأ بخطوات ملموسة. وما لا يحتمل التأجيل هو: كشف الحقيقة، المساءلة والمحاسبة، مشاركة الضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار. هذه الملفات تمثل الأساس الذي يبنى عليه العمل الحقوقي والقانوني في سوريا، وتؤكد أن العدالة الانتقالية مسؤولية لا يمكن المماطلة فيها بأي مبرر.
إدارة العدالة الانتقالية كمسار حقوقي جاد، يبدأ مبكراً ضمن حدود الممكن، هي الخيار الوحيد للحفاظ على جوهرها وفعاليتها، وإلا فإن تأجيلها أو تحويلها إلى إطار نظري يُفرغها تدريجياً من مضمونها ويضعف من قدرتها على تحقيق العدالة للضحايا.
- الثورة السورية



























