بعد سقوط نظام بشار الأسد، تنفّس السوريون، ولو لفترة، هواءً بدا مختلفاً. حيث فُتحت السجون، فخرج المعتقلون، وظهرت وجوه ظنّ أصحابها أن الزمن أعاد إليهم أسماءهم بعد أن سُلبت. كان ذلك المشهد، بكل هشاشته، إعلاناً رمزياً عن نهاية حقبة، ناضل الجميع من أجلها، ودُفع ثمنها من دم وحيوات الملايين.
لكن تقرير رويترز المنشور منذ يومين، بما يقوله عن توثيق عودة الاعتقالات والانتهاكات في ظل السلطة الجديدة، يعيدنا إلى سؤال جوهري لا يمكن الهروب منه: هل يمكن لدولةٍ وُلدت من رحم القمع وناضلت ضده، أن تنجو إن أعادت إنتاج أدواته؟
لكن، قبل أي موقف سياسي أو أخلاقي، وقبل أي إدانة أو دفاع، لا بد من قول ما هو بديهي في الدول التي تحترم نفسها: إذ يجب أن يخضع كل ما ورد في هذا التقرير لتدقيق رسمي، مستقل، وشفاف، بنداً بنداً، وشهادة بشهادة.
هذا ليس تشكيكاً في التقرير وصنّاعه، ولا اصطفافاً ضده، بل هو الموقف الوحيد المسؤول تجاه تحقيق صحفي بهذا الحجم والخطورة. تقرير يستند إلى عشرات المقابلات، ووثائق، وصور، ومراسلات، ويُحيل إلى منظمات دولية وأممية، لا يجوز التعامل معه إما بالتكذيب السياسي السريع، أو بالصمت المريب، أو بالاكتفاء ببيانات عامة عن “مرحلة بناء المؤسسات”.
إن أول اختبار حقيقي لأي دولة تقول إنها تُبنى على احترام الحقوق، هو كيف تتعامل مع الاتهام. فالدولة التي تثق بنفسها وبمشروعها لا تخشى التحقيق، بل تطلبه، ولا تعتبر التدقيق استهدافاً، بل ضمانة لها قبل أن يكون إدانة لأي طرف.
من هنا، فإن المطالبة بتدقيق كل ما ورد في تقرير رويترز، عبر لجان قضائية مستقلة، وبإشراف علني، وبإتاحة الوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز، ليست موقفاً معادياً للدولة، بل شرطاً أساسياً لنجاحها. لأن البديل عن التدقيق هو أمر واحد فقط: ترك الحقيقة رهينة الشائعات، والخوف، والذاكرة السورية المثقلة أصلاً بالكذب الرسمي.
ما ندوّنه الآن، وعلى صفحات جريدة الثورة السورية، لا يُكتب من موقع التشكيك بالدولة الجديدة، ولا من رغبة في إفشالها. بل يُكتب من موقع الحرص العميق على ألّا تتحول الفرصة التاريخية التي فُتحت للسوريين إلى نسخة معدّلة من الكابوس القديم. نحن لا نريد لهذه الدولة أن تفشل، لكننا نرفض أن يكون ثمن بقائها واستمرارها انتهاك حقوق الإنسان من جديد.
لا خلاف بين السوريين على ضرورة محاسبة المتورطين في جرائم نظام الأسد. هذا مطلب أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. لكن المحاسبة، إن لم تمر عبر قانون واضح، وقضاء مستقل، وإجراءات شفافة، تتحول سريعاً إلى انتقام جماعي، وإلى أمن بلا ضوابط.
التقرير لا يقلل من حجم الجرائم السابقة، ولا ينكر تعقيد المرحلة، لكنه يثير الخوف لدى الجميع حين يبيّن أن ما يجري اليوم لا يُقارن بوحشية نظام الأسد، لكنه يكشف استمرارية خطيرة في المنطق والأدوات: اعتقال بلا تهمة، احتجاز بلا سجل، اختفاء بلا أثر، تعذيب بمفردات يعرفها السوريون منذ عقود. والأخطر هنا هو عودة فكرة أن “الأمن” كيان مستقل، يعلو على القضاء، ويتصرف خارج الرقابة. وهذه ليست مسألة تقنية أو إجرائية، بل جوهر الدولة نفسها.
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد حواجزها ولا بقدرتها على الاعتقال، بل بقدرتها على ضبط أجهزتها، وعلى محاسبة من ينتهك القانون باسمها. حين يصبح الاحتجاز “وقائياً” بلا سقف زمني، ويُبرَّر التعذيب بذريعة درء الخطر، نكون قد عدنا إلى المنطقة الرمادية التي عاشت فيها سوريا نصف قرن.
وما يخيف في روايات المعتقلين وعائلاتهم، كما نقلتها رويترز، ليس فقط الألم الجسدي، بل غياب الورق: لا مذكرة توقيف، لا لائحة اتهام، لا قرار قضائي. الإنسان يُمحى إدارياً قبل أن يُمحى جسدياً.
التقرير لا يتحدث عن سياسة طائفية معلنة، لكنه يرسم صورة مقلقة عن أجهزة أمنية تتعامل مع الانتماء الطائفي كمؤشر خطر. حيث يتساوى أفراد الطوائف جميعاً في الخضوع لسلطة خارجة عن أي سلطة. هذه ليست عدالة، ولا مساواة أمام القانون. هذا منطق شكّ دائم بالمجتمع، وهو منطق لا يبني دولة، بل يراكم خوفاً صامتاً سينفجر لاحقاً.
ومن أكثر ما يبعث على القلق في التقرير تأكيده توثيق ابتزاز عائلات المعتقلين بمبالغ تتراوح بين مئات الدولارات وعشرات الآلاف، مقابل وعود غامضة بالإفراج. هذا يعيد إلى الأذهان حقيقة مُرّة من عهد الأسد: السجن ليس فقط أداة قمع، بل مصدر ربح. وحين لا يُكسر هذا النمط بوضوح وحزم، فإن الدولة الجديدة لا ترث فقط السجون، بل ترث اقتصاد القمع نفسه.
وفي المحصلة، الدولة التي تترك مواطنيها في هذا الفراغ القانوني لا تحمي نفسها، بل تزرع الخوف في أساسها.
لماذا نرفض الانتهاكات الآن، ودائماً؟ لأن التجربة السورية علمتنا أن: كل استثناء أمني يتحول إلى قاعدة، وكل صمت “مؤقت” يصير نظاماً دائماً، وكل تبرير أخلاقي اليوم سيُستخدم غداً ضد من برّره.
رفض الانتهاكات ليس ترفاً حقوقياً، ولا خدمة لأجندة خارجية، ولا طعناً بالدولة. هو الشرط الوحيد لبقائها. الدولة التي تُبنى على الخوف ستنهار عند أول اختبار حقيقي، أما الدولة التي تضبط نفسها بالقانون، ولو ببطء، فهي وحدها القابلة للحياة.
نريد دولة تحاسب المجرمين بالقانون لا بالثأر، تبني أمناً خاضعاً للقضاء لا متسلطاً عليه، تعتبر الكرامة الإنسانية خطاً أحمر لا بنداً مؤجلاً. وهذا ليس مطلباً مثالياً، بل خلاصة نصف قرن من الخراب السوري.
على المعنيين النظر إلى تقرير رويترز من زاوية أنه يطلق إنذاراً مبكراً. ومن يقرأه برغبة في الإصلاح، لا يمكنه إلا أن يقول: الطريق نحو العدالة ما زال مفتوحاً، لكن الوقت يضيق.
- الثورة السورية



























