أمام الحكومة السورية الانتقالية الحالية ملفات معقدة، من بينها كيفية التعامل مع كبار مخبري الأسد الذين ارتدوا ثوبًا جديدًا، محاولين تجميل ماضيهم القبيح عبر ما اصطلح عليه وطنيًا بـ«التكويع السياسي والثقافي».
البارحة، شاهدت على إحدى منصات التواصل الاجتماعي صورة لمخبر بدا فيها سعيدًا، ممتلئ الكرش، وواثقًا بنفسه إلى حدّ بعيد.
من المعروف أن إثبات أن فلانًا أو فلانة كان مخبرًا أو مخبرة أمر صعب، ويحتاج إلى أدلة حقيقية وإثباتات موثوقة. وحين لا تتوفر الوثائق، تبقى الذاكرة الاجتماعية الشفوية إحدى الوثائق القليلة المتبقية.
هل فهمتَ الحالة، أيها المخبر، أيتها المخبرة؟ وهل فهمتَ، عزيزي صاحب الحنين إلى زمن الأسد، أن الذاكرة لا تمحو بسهولة ما حاول أصحاب الماضي القبيح محوه؟
وعلى سيرة المخبرين، تحوّلت صفحات بعض الأسماء التي وقفت مع الثورة السورية، مؤخرًا، إلى منصات تنشر تقارير علنية عن بعض مخبري الأمس. وتكمن خطورة الأمر في التحريض العلني على الانتقام من هؤلاء الأشخاص، في حين أن المطلوب هو مسار قضائي واضح ومعلن، يستند إلى الأدلة والإثباتات.
لذا، يا عزيزي الثوري، لا يمكنك أن تكون قاضيًا وأن تشكّل، بمفردك، محكمة افتراضية؛ فحياة الناس وسمعتهم ليستا لعبة بين يديك، والعدالة لا تتحقق بالتشهير أو بالتحريض، بل بالقانون والأدلة والمحاكمات العادلة.
أدونيس وجائزة نوبل: حين تتحول الثقافة إلى ساحة للتخوين
في هذا المنبر، تابعتُ مادة جميلة للكاتب محمود الطويل عن أدونيس وقضية ترشحه الدائم لجائزة نوبل، وعن أشباح في عالم الفيسبوك الذين يثيرون هذه القضية كل عام، فضلًا عن المعلومات التي تضمنتها المادة، والتي تستحق التوقف عندها لأهميتها، ولا سيما ما يتعلق بالطريق الأكاديمي الطويل الذي ينبغي أن يسلكه الأديب حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها اسمه مطروحًا للترشح للجائزة.
وخلال قراءتي للمقال، تساءلتُ: هل قرأ هؤلاء الذين يهاجمون أدونيس بسبب موقفه من الثورة السورية شيئًا من كتبه أو أشعاره؟ وهل اطّلعوا على شيء عن جائزة نوبل وتاريخها وآليات الترشيح لها؟
أعتقد أن الجواب واضح تمامًا.
وما زالت الجهات التي تنشر سنويًا المعلومات نفسها عن أدونيس مجهولة الهوية والمصدر، ومع ذلك، تحصد المنشورات ذاتها آلاف الإعجابات، رغم غياب المصادر الموثوقة التي يمكن الرجوع إليها للتحقق من محتواها.
وهنا يبرز السؤال: هل يكفي الاختلاف السياسي لإصدار الأحكام الثقافية، أم أن قراءة أعمال الكاتب وفهم تجربته يظلان شرطين أساسيين لأي نقاش جاد حوله؟
آثار تل الشيخ علي في سلمية: معركة حماية الذاكرة الوطنية
تابعتُ غالبية التقارير الإعلامية التي نُشرت حول قضية الاعتداء على تل الشيخ علي الأثري في مدينة سلمية. وقد وقفت وسائل إعلام وإعلاميون، إلى جانب منظمات مدنية في المدينة، لكشف ما حدث، وكانت النتيجة توقّف أعمال العبث والسرقة العلنية التي كانت تجري في وضح النهار.
وكم هو هائل الفرق بين لصوص الآثار ومواطنين يعملون ليلًا ونهارًا على حماية آثار سوريا، باعتبارها ثروة وطنية!
وكم هو كبير الفرق بين من ينظر إلى الآثار بوصفها غنيمة يمكن الاستيلاء عليها، ومن يراها ثروة وطنية تخص البلد بأكمله، وتحمل ذاكرته وتاريخه وهويته.
إن حماية الآثار ليست شأنًا محليًا يخص مدينة بعينها، بل مسؤولية وطنية تستدعي تضافر جهود المؤسسات الرسمية والمنظمات المدنية والمواطنين، لمنع العبث بهذا الإرث الذي لا يمكن تعويضه.
صحيفة «بيلد» وملف اللاجئين السوريين: هل حان وقت حزم الحقائب؟
وحدها صحيفة «بيلد» الألمانية، قبل عدة أيام، نشرت خبرًا أثار مزيدًا من الخوف في قلوب اللاجئين السوريين. ومفاد الخبر أن الصحيفة حصلت على مذكرة من 16 صفحة تتحدث عن نية مكتب الهجرة، بالتعاون مع وزارة الداخلية، سحب الحماية من أكثر من 600 ألف لاجئ سوري.
ولا يوجد مصدر رسمي يؤكد الخبر أو ينفيه حتى لحظة كتابة هذا النص، وفق المعلومات المتاحة في سياق هذا المقال.
انتشر الخبر سريعًا، وتلقّفته قنوات يوتيوب عربية، وكأن لسان حال أصحابها يقول: «الرزق يحب الخفيّة”
وكما يقول المثل الشعبي، اختلط الحابل بالنابل، وشاركت مئات المنصات العربية الخبر، الذي أراه أقرب إلى شائعة إعلامية ما لم تظهر أدلة موثوقة تؤكده، وقد يكون وراء ترويجه أشخاص لا تخلو نواياهم وأهدافهم من الشكوك.
في مثل هذه القضايا الحساسة، لا تكمن المشكلة في نقل الأخبار فحسب، بل في تحويل المعلومات غير المؤكدة إلى حقائق نهائية، بما يضاعف مخاوف اللاجئين ويزيد من حالة القلق وعدم الاستقرار التي يعيشها كثيرون منهم.
فملف بهذا الحجم والخطورة يستدعي معلومات رسمية واضحة، لا سباقًا على المشاهدات، ولا استثمارًا في مخاوف الناس.
حرب إيران: هل ينتصر الحرس الثوري على العالم؟
بسبب الحرب مع إيران، عمّت موجات الغلاء بلدانًا عديدة حول العالم، نتيجة أزمة الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد. وامتد ارتفاع الأسعار إلى مختلف السلع الغذائية وغير الغذائية.
وتستمر هذه الحرب عبر أذرع إيران المختلفة، التي جرى تمويلها من ميزانيات الشعب الإيراني. و الحوثيون في اليمن يحاولون خنق باب المندب، لاستكمال ما أراه جزءًا من استراتيجية إيرانية تهدف إلى الضغط على العالم عبر مضيق هرمز وممرات التجارة الدولية
وبحسب موازين القوى، تخسر إيران الحرب يومًا بعد يوم، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، لكنها تُحمّل العالم أجمع فاتورة تراجع نظامها، في مسار قد يطول قبل أن تتضح نهاياته.
ومهما طالت هذه الحرب، فإنني أرى أن إيران تتجه نحو خسارة استراتيجية، استنادًا إلى معادلات القوة والردع التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية. غير أن نتائج الحرب النهائية تظل مرتبطة بتطورات الميدان والقرارات السياسية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها محسومة سلفًا.
وفي الوقت الراهن، يجري التمهيد، من جانب دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية، لتصنيف الحوثيين منظمةً إرهابية على المستوى الدولي، وذلك بهدف تشكيل تحالف دولي يشبه التحالف الذي تشكّل لمحاربة تنظيم داعش، بهدف مواجهة الحوثيين والجهات الداعمة لهم
وعندما يتراجع نظام الملالي سياسيًا، وتتضح نتائج الحرب، قد يتبين لكثيرين أن المواجهة كانت، في نظر مؤيديها، ضرورة تتجاوز الحسابات الأميركية والإسرائيلية إلى اعتبارات إقليمية ودولية أوسع.
ورغم كل ذلك، وحتى لو بقي عشرة ضباط من الحرس الثوري على قيد الحياة، فإن إيران، وفق الدعاية الإيرانية، ستنتصر!
وربما يشبه هذا الانتصار المزعوم انتصار صدام حسين على التحالف العسكري الذي تشكّل آنذاك لتحرير الكويت!
فالطغاة وعسكرهم قد يعلنون الانتصار في المعارك، ولو دُمّرت البلاد فوق رؤوس أهلها، كما أعلن نظام بشار الأسد انتصاره على السوريين، بعدما اختار الحل الأمني والعسكري طريقًا وحيدًا للتعامل مع احتجاجاتهم.
وهكذا، قد ينتصر النظام في روايته، فيما يخسر البلد وأهله كل شيء. وتلك هي المفارقة الكبرى في حروب الطغاة: أن يصبح بقاء السلطة معيارًا للانتصار، حتى لو كان الثمن وطنًا مدمّرًا وشعبًا يدفع فاتورة الحرب لسنوات طويلة.
- تلفزيون سوريا























